في مصر، أين نحن من المستقبل؟

يستدعي الحديث عن مصر ومستقبلها، رؤية في الحاضر وقراءة فاحصة للتاريخ، وبطبيعة الحال نظرة عملية وواقعية لمشاكلها في التعليم والصحة والإدارة. فمصر صاحبة الحضارة والتاريخ العريق، دولة تعيش معظم مؤسساتها وهياكلها الإدارية، في ظلال حالة مستعصية من التخلف. صحيح أن جزء من الاقتصاد كالبنوك والاتصالات، ينخرطان في العولمة، والنخبة المثقفة تنتمي إلى الطليعة العالمية، وكذا المؤسسات الأمنية تنشط في عملية التحديث، ولكن في المدى البعيد، فان الاستعدادات لتغييرات إقليمية عاصفة، تستحق علامة بين كافٍ بالكاد وغير كافٍ. هذا هو الوضع أيضا في العديد من الدول الأخرى ولكن هذه مواساة تعيسة، إذ أنه بسبب ثورتي 25 يناير و30 يونيو، فإن حساسيتنا الوطنية للتغييرات يجب أن تكون أكبر.

مع ذلك أشعر بالتفاؤل، لأن الأشكال القديمة لم تعد تتسع للتداعيات الثورية الجديدة، فالجماهير، الملايين، المتلاحمة تتدافع بقوة لصنع نمط حياتها، ولا يجب أن نخاف أو أن نتوقف في منتصف الطريق، فليس هناك مستقبل إلا لمن يقبض على الجمر، وليس هناك صعود إلا من قلب المحن، كما أنه ليس هناك وقت للبكاء على ما فات، فحاضرنا ومستقبلنا سوف نصنعه نحن بأنفسنا من قلب هذا الطوفان العظيم!

لا عجب في ذلك على الاطلاق، ففي مصر اليوم وغيرها من الدول العربية، أجيال شابة شديدة المراس، قوية العزيمة، تقاوم وتتشكل في قلب مسلسل الدمار الشامل المستمر، والذي بدأ منذ أربعة أعوام تقريباً انطلاقاً من تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا.

ولعل أهم هذه النماذج التي تستلفت الانتباه، أن الناس الذين لم يكن لهم الحق في الكلام أصبحوا يتكلمون بصراحة وبصوت مرتفع، وأنهم اكتشفوا ذاتهم من خلال هذا الكلام بأن لهم قدراً من المعرفة العملية من خلال تجاربهم القاسية، وأن هذه المعرفة تمدهم بقوة في مواجهة هياكل ضخمة لجماعات، وأحزاب، ومسلمات، ولكنها هياكل فارغة مقيتة لا تصلح شيئاً.

أذن ما الذي انكشف وسط مسلسل الدمار الشامل هذا؟

أولاً: حجم هذا القبح الكامن عبر عقود طويلة في جسد الأمة العربية، والمتمثل في فصائل الإسلام السياسي، فقد اكتشفنا أن هذا المرض السرطاني في جسد الأمة أخطر بكثير من كل التوقعات، وأن هذا الإسلام السياسي الذي نرقب نهايته الآن ليس منا، ليس من نسيجنا، وإنما هو بمثابة فيروس قادم من الخارج، اخترعه أعداؤنا، وسوقوه مثلما يسوقون آلاف الأنواع من صناعاتهم وبضاعتهم التي يرسلونها إلينا! وأن جماعات الإسلام السياسي كانت دائماً جاهزة للاستخدام دون موانع، فهي لا تعترف بالدولة المدنية ولا الدولة القومية، كما أن الهوية لديها شديدة الالتباس، وهي جماعات ميكيافللية بمعنى أنه لا قيمة عندها لمسائل القيم والأخلاق، فهي تحلل وتحرم وتعادي وتصالح دون معايير لأنها احتكرت سلطة تفسير النص القرآني والنبوي، وسلمت نفسها منذ اللحظة الأولى للفجوة الحضارية بيننا وبين الآخرين.

ثانياً: أن هذه الجماعة ومن لف لفها، أفرادا كانوا أو تيارات فكرية ووظيفية، تعيش الآن تحت حالة غير مسبوقة من الانكشاف، فلم يعد لديها مظلمة ما تتستر بها، بل هي الظالم، وهي المتجبر، وهي التي تنطبق عليها أبشع التهم التي وجهتها للآخرين في العقود الماضية، وهل هناك بشاعة أكثر من طلب العون ممن كانت تعتبرهم الأعداء مثل أميركا والغرب، فلا تكف عن مناشدتهم أن يأتوا بجيوشهم ليساعدوها على التمكن من رقاب الأمة، وهل هناك انكشاف أكثر من أن تعتبر العدوان الإسرائيلي على بلاد العرب - كما في سوريا - مطلوبا ومبرراً ما دام يضعف خصومهم، وهل هناك فضيحة أكثر من أن تدير هذه الجماعة ظهرها للقدس وهي في أوج محنتها، فتحرم زيارتها، تحت مقولات إسرائيلية واضحة.

هذه مجرد نماذج من أصل جملة من التطورات، معظمها تبدأ منذ الآن، في القرن الواحد والعشرين، وأخرى ستأتي غير قابلة للتوقع.

وعليه، فمن الضروري اتخاذ وسائل مضادة، بما في ذلك الرقابة المتشددة على العلم والأدوات الخطيرة من خلال نظام مصمم ذي وسائل انفاذ. ومثل هذه الرقابة ستتم بالضرورة في ظل المس بحرية المعرفة، بحرمة الفرد، بالسوق الحرة وبغيرها. ومع الأخذ بالحسبان النزعة المحافظة لدى المؤسسات، فمن شبه اليقين أنه فقط بعد سلسلة من الاضطرابات والكوارث سيقام نظام إقليمي كهذا، لازم لمواصلة وجودنا. يمكن لنا أن نسأل، ما علاقة هذا بنا؟ الجواب هو أن مجرد مستقبلنا منوط بقدرتنا على الصمود في عصر منفلت العقال من التغيير واستغلاله ايجابا. ولكن هنا يوجد خطر حقيقي بسبب ركام الترهل والفساد والبطالة الذي من شأنه أن يتسبب بانتفاضات جديدة قد تلحق اصابات شديدة. كما يمكن توقع تزايد الضغط الدولي علينا لاشراك الإخوان في العملية السياسية، حتى في ظل شروط قد تكون سيئة للدولة المصرية.

والحقيقة إن الذين يستندون إلى الوضع الأمني الجيد في هذه الآونة، وكأنه مستديم، أو المؤمنون بـ «إدارة الأزمة» طويلة الأمد، مصابون بالعمى. فالآن بالذات علينا أن نستغل هذا الوضع الجيد نسبيا لضمان مستقبلنا. يمكن عمل ذلك بمبادرة سياسية مفتوحة، فيها ما يقلص مدي وكلفة المشاكل الداخلية، حتى يمكننا الوصول إلى تعاون إقليمي ودولي ضد الإرهاب والعنف.

وختاما أعتقد أن على مصر وشعبها أن يفعلا الكثير كي يستعدا للتغيير الجيو سياسي الحالي والمستقبلي في المنطقة والعالم من حولنا، وبالتالي من الضروري جدا الاستثمار في العلم والتكنولوجيا، وإحداث تحولات جذرية في التعليم، إضافة إلى تغيير توجهاتنا الحضارية والدينية لكي تنسجم مع مبادئ وتقاليد الأمة المصرية وذلك للتعامل مع مشاكل أخلاقية جديدة. ولكن قبل كل شيء يجب انتخاب القيادات القادرة والراغبة على مواجهة التغيير، قبل أن يحصل هذا، مطلوب عمليا وكذا كفريضة «إصلاح الساسة».