'في مرايا حانة' تدوين ما لم يدَون من حياة الظلال

بقلم: عقيل منقوش
عراقة الحكاية ومغزاها الإنساني

يعترف الكاتب الفرنسي لوكليزو الحائز على جائزة نوبل للأدب عن روايته الصحراء, بإننا نكتب بعدما يهزمنا الواقع, ولأننا غير قادرين على مواجهتة عملياً, فإننا نلجىء إلى التامل, إلى طرق اخرى من اجل ان نتواصل معه, واظن الكتابة إحدى هذه الطرق الصعبة للتواصل. يفتتح الكاتب حسن ناصر كتاب قصصه "في مرايا حانة" باعتراف واضح حيث يقول: "يجر الغريب خلفه في حقيبة ضخمة ذاكرة قديمة, حالماً بالذهاب الى حانة المدينة يستحضر حياة ظلال عبرت في المرايا هناك".

يؤشر فيه لمغزى الكتاب والذي يحوي بين طياته على أكثر من خمس وعشرين قصة تراوحت اجناسها الادبية بين قصة قصيرة, وقصة, وحكاية أو نص مفتوح بلغة شعرية ناضجة تختزل الاجناس الإبداعية بتنوعاتها. ومنذ بداية الكتاب يستحضر الكاتب حكاية الملك كلكامش, لحظة دخوله الى حانة سيدوري حزيناً, مهموماً, كان قد فجع بموت صديقه أنكيدو, ليسأل صاحبة الحانة سيدوري عن سبل النجاة والخلود, فيأتي جوابها صادماً له حيث تقول له سيدوري: "إن الحياة التي تبغي.. لن توجد".

إن عراقة هذه الحكاية ومغزاها الإنساني العميق جعل من الكاتب ان يستخدامها كثيمة أساسية, كوحدة زمنية ومكانية تتحرك فيها شخوص قصصه باحداث واسماء ودلالات وإيحاءات مختلفة, ففي كل قصة في الكتاب ثمة بطل مهزوم ينتصر عليه الواقع وتُبدد محدوديتة. قوى خفية لايقدُر عليها, فيصح كلكامش آخر يبحث عن جواب في حانة وقته, وتكون سيدوري قد اصبحت ماتيلدا وأنكيدو صار هارون كما في قصة مروج بغداد: حيث يقول الكاتب: "ماتيلدا.. كم من التائهين مروا يستدلون بخمرك على تيّههم". ففي هذه القصة المهداة الى زوجته آسيا والتي يستحضر فيها ايام رفقته لأخيه الراحل لطيف ناصر في اماكن بغداد والذي يتحول الى هارون في احداث القصة, أدانة للحرب العراقية - الإيرانية لبشاعتها وقسوتها لصورتها الرمادية والفجائعية التي كانت غيرت ملامح بغداد كما في المقطع التالي: "النزول من الجسر في بغداد مغامرة. السلالم مفطاة بمزق الاوراق واعقاب السجائر, تقود الى قاع ليس بالمكتشف. شارع الرشيد يبدو مثل نهر تطفو على سطحه الاخضر بقايا إحتفال قديم, اقداح مثلمة, ألواح, رُقَم, قرون ثيران سماوية, مزامير". أو في المقطع الاتي من ذات القصة: "الحرب تذهب بأيامنا, تقضمها بشراسة. بركة من دماء سوداء تحيط ببرج الساعة, تطفو عليها مخلفات واطراف, كان الوقت ثقيلاً لزجاً لا تعبأ به الساعة العاطلة".

ويبدو أن حدث الحرب هنا جزئي في هذه القصة لكنه بلا شك مرتبط بالحدث الأصلي والذي يسَربه الكاتب على شكل دفعات من الاحداث تتفاعل علاقاتها الداخلية من خلال الترميز لتقودنا الى حدث كلي: هو إختفاء هارون أو موته ودخول الكاتب الى المصح وتحول ماتيلدا الى بنيلوب لا تجيد سوى الانتظار في زمن ساعته عاطلة كما في هذه المقاطع من القصة: "ماتيادا.. ماذا تحوكين؟".

"ماتيلدا هل انت حية؟"، "في المصح - مكاني الاخير الممنوح لاستعادة هارون - اتصفح بحث جلال الدين عن شمس تبريزي".

على هذا النمط من القص والسرد والتداخل المكاني والزماني المنشطر الى زمن خارجي وزمن داخلي ومكان معلوم وآخر غير واضح الدلالات يأخذك الكاتب في رحلة شاقة لا زاد معك سوى ما يمنحك هو للولوج لعوالمه المبنية بناءً جمالياً ورمزياً معقداً في إحراز نص إبداعي قائم على التخييل والجدل كما في نص الطين" والذي سعى الكاتب من خلال تدوينه على نمط ألالواح بشخوصها الأصليين على إثبات أهمية المدينة التي أنتجت أشخاصاً عاديين وطوت الالهة بل طردتهم خارج أسوارها, كما ارى ويؤكد الكاتب في هذا المقطع من اللوح التاسع "سيدوري صاحبة الحان: اسمع يا كلكامش. استاثرت الآلهة لنفسها بالخلود وتركت الآلام والنهايات للبشر". أو كما في هذا المقطع من نفس اللوح: "كلكامش.. ليس هنالك باب آخر, انت في اوروك تحيا في مكان أعد لك كحكاية تنتهي, في العالم الحي القابل للزوال, ذلك الذي يترامى خلفك. .... الى نهاية المقطع | ما أنت إلا كلام في حوار الحياة والموت". وهنا قصدية الحكاية الباحثة عن تعريف آخر للموت نابع من الحياة التي على كلكامش الانسان العادي ان يحياها خارج فكرة الخلود التي نشاْ وتربى عليها كملكٍ. كما يرد في اللوح العاشر "لعبة الارباب ما شاء له الكاتب ان يكون جزءاً من لعبة الطين التي اشتغل عليها بلغة اقرب الى روح الشعر من السرد القصصي (انا وانت يا انكيدو, خدعة الالهة, خدعة الطين)".

وعلي هذا النحو التقابلي من الاحداث والصراعات والسرد الباطني نقرا قصة "الارعن" فهذه القصة القصيرة أيضا شاهد على حقبة من حقب الموت والجوع التي أصابت العراق في الفترة الممتدة من العام 1990 حتى 2003 فترة الحصار. يخبرنا الكاتب بالعلاقة التي كانت تربطة بالبلبل الطائر فكلاهما ارعن، كما في المقطع الاتي من القصة "فهمت كلمة الارعن على ما جرى. الارعن هو مَن تبقى وجهه انتمائه مجهولة. ومن تحركه دوافع غامضة".

وفي القصة يموت الطائر لانه وجد وجهته وعرف دوافعه للحركة. كما في المقطع الآتي من القصة: "لا سبيل لتدجين البلابل محترفة الحرية!" وينجو مربي الكاتب والذي يسأل نفسه من خلال هذه القصة الرائعة في تماسكها واختزالها, هل وجد وجهته؟ وتوقفت دوافعه الغامضة للرحيل او الهيام؟ أم أنه سوف يحمل الارعن معه طوال حياته؟ كما في المقطع التالي: "اعرف.. لا مفر له من أسلاك هذه النهاية. بعدئذ كان على روحي ان تشقى ببقايا جثة اخرى ترقد فيها".

وتكاد تكون مجمل قصص الكتاب مراثيَ يتصاعد منها الم الماضي الذي صنعته يدا الحرب الطويلة, موت الرفاق, وجنون الاصدقاء, حياة من نجوّ من لعبة الحرب, ومن لم ينج, ما تخلفه الحرب من اثر عميق في النفس. كما في قصة "كتب نائمة" قال: لم تمت أنت من يدري! كيف أتمكن من إثبات هذا أو نقيضه! أبهذه الركامات من الكتب؟ بالأسماء المندثرة!". أو في قصة "قشرة البصل" في المقطع التالي: "اخذونا في رحلة أسر كانت ستمتد أعواماً طويلة.. لم يطلق الشاب النار .. انسحب في الجزء الأخير من اللحظة الأخيرة.. لكنه قتل الامان في داخلي.. سحقه الى الابد, وأمات في جسدي وروحي رغبات عاتية".

وبذات اللغة المحكمة الشاعرية متعددة الفضاءات والإحالات تتوالى أغلب القصص والحكايات في "مرايا حانة" مخاطبة حركات الروح واهتزاز الوعي بألمعية السائل الباحث الُمخَلخِل للمألوف والسائد كما في نص "صباح النفري" ساعة اندلقت الدواة على الورقة الاخيرة. هكذا يبدأ كاتب النص بإعادة توصيف الحروف وتحريرها من أشكالها المعتادة وانسجامها بغية الوصول بها إلى طاقة إضافية للكشف. كما في هذا المقطع من حرف الخاء "حين تتبصّر ملياً تنهض المخاوف من حولك. في هذه اللحظة تضع إصبعك على أهم حرف في الكتاب الذي تحاول قراءته وتأويله.. إن الوجود الم"، أو في حرف القاف حيث يقول: "أنت أيها الشيخ, في الغرفة شبه المظلمة.. ترتعش من شبه حمى وتطيل التحديق في الفراغ, سوى الفكرة التي تريد أن ترتقي إلى الاصل!" فالحروف هي مرآة الصوفي للكشف والمعرفة الكونية, وهي آلامه وحيرته, وحزن فراشات قلبه التواق إلى المعرفة. وكذلك هي أوهامه وضالته وجادة فنائه، كما في المقطع التالي من النص "تعبت في مطاردة الهاربين منك وتدحرجت على سلام النغمات وأعيتك حيرة وجودك في المرآة".

وصباح النفري الذي سار وراء خطوط الحبر يبحث عن أبدية كانت تنام بجواره, لكنه لم يستطع ان يراها لانشغاله بمسارات الحبر التي قادته الى نظائر اكثر غموضاً وجمالاً, يصبح سؤالاً عن جدوى المعرفة؟

في "قصة يد تستلم الغفران" ما الذي يقودنا الى ترك فطرتنا, التنازل عن الغفلة والشروع في البحث عن عوالم أو حيوّات نحسبها الجدوى التي تخلصنا من فنائنا المحتم علينا, اتذكر قولاً للحسين بن علي قبيل واقعة الطف حيث يقول: "إن تِركَ القطى.. لنام" في قصة "يد تستلم الغفران" يعمد الكاتب ان يرتدي ثوب أبي يزيد البسطامي, متسائلاً عن جدوى رحلته, هل المنفى يستحق كل هذا الالم المتصل, هل اكتملت الرحلة؟ هل كان الالتحاق بالرحلة خياراً فردي؟ أم أسباب خارجية قادته إليها؟ كما في هذا المقاطع: "هنا لا شيء, الرحلة تنتهي وانت في مرتبة ما من مراتبها. تنتهي لانها لم تعد تعني شيئاً لروحك. لا شيء آخر سوى الصمت وأوجاع العبث".

"ضاع في مكان من الرحلة, في مكان من السفر اكتشف ان ليس للجهات اهمية, وان ما غادره يتساوى في عدم الاهمية مع ما هو مسافر إليه!"

"ستبكي على تلاوة قديمة تشدك بالحنين إلى أصقاع هادئة غادرتها".

"لماذا غادرتها يا بسطامي؟ لماذا خرجت من دار الغفلة؟ من راحت الدار الى دروب البحث المخيفة؟".

وعلى هذه الوتيرة المعرفية حيث اللغة التي تنمو نمواً مدهشاً في خطوطٍ تصاعدية, نقرأ للكاتب قصة "حمامة الغيب" وحمامة الغيب في الموروث الشعبي المحلي نذير لخطر قادم, ربما لان طائر الحمام في الاصل استخدم في نقل الرسائل والنذر حتى بين الجيوش المتصارعة في العهود القديمة, لكن حمامة الكاتب حسن ناصر في هذه الحكاية بيضاء تخرج من رداء رجل حكيم كان قد عاش في مدينة "كوثار" كما يذكر في المقطع التالي: "يا لها من حمامة! غيمة بيضاء بجناحين تدور في سماء تنذر بعواصف الجيوش التي تحاصر كوثار جنوب أرض بابل".

وكوثار هو إله الحرفيين في حضارة بلاد الرافديين كان قد ساعد بعل على بناء معبد, لأن بعل بلا قصر لا يستطيع ان يحكم بقية الآلهة ولا يستطيع أن يرسل خصبه الى الناس. أو لربما قصد مدينة "كوثا" جنوب بابل وتسمى حالياً "تل إبراهيم". ومهما يكن قصد الكاتب فإنه يبني لنا مدينة متخيلة تحاصرها الجيوش دائماً وتعصف في سمائها ريح الغزاة, تُحتل وتُخرب كأنها أرض بابل تُطبق عليها "نبوءة أشعيا", ستضرب بابل من جديد لكنها دائماً تنبعَثُ من جديد لأن سماءها تحوي على كثير من الحمام الابيض. كما في المقطع التالي من الحكاية: "مدينة ابتدعها رفيقا طريق هما شاعر وكاهن. لا سبيل إلى التكهين بصميم مراميهما, لكن الحكاية تقول إن كوثار لن تخلو يوماً من حمام أبيض".

إن إسلوب الكاتب حسن ناصر متفرد في رسم قصصه وحكاياته التي يختار لها أن تكون مركبة غير مطواعة, موحية شاعرية لها القدرة على التخفي والمناورة, والبوح والسلاسة في ذات الوقت. وهي في مضامينها تشتغل على التراث المحلي والاسطوري. تسعى جاهدة للتحاور مع الذات بمعزل عن العقل الجمعي الذي شكلته علامات وفرق في حقب التاريخ البشري.

يأتي كتاب "في مرايا حانة" للروائي والمترجم حسن ناصر والصادر حديثاً عن دار الفارابي بعد روايته الأولى "قلعة محمد الباب" وكتاب "عرب الاهوار" ترجمة من الإنكليزية إلى العربية.

عقيل منقوش ـ استراليا