في متحف الجاسوسية، احمر الشفاه مسدس!

واشنطن - من ليا آن شناكينبيرج
اعاجيب عالم الجاسوسية

يستقبل متحف الجاسوسية الدولي في واشنطن الزوار بفيلم يعرّفهم على المتحف ويبدأ بهذه العبارة "ما تراه هنا ليس هو الحقيقة".
فقد يكتشف الزائر أن قلم طلاء الشفاه هو في الحقيقة مسدس. ويرى ساعة يد تخفي كاميرا، ومظلة تطلق قذيفة سامة لتقتل منشقا سوفيتيا في لندن.
ويهدف هذا المتحف، الذي تم تدشينه وافتتاحه مؤخرا، إلى إلقاء بعض الضوء على ما يسميه "ثاني أقدم مهنة في التاريخ" بالتركيز على الاجهزة والالعاب وأجواء الاثارة وأمجاد الجاسوسية.
ومن السهل التعرّف على المتحف. فهناك آلات صغيرة تشمل مسدسات في شكل بطاريات كشافة وعلب سجائر، وهناك جهاز استماع أخفي في كعب حذاء ومنفضة يمكن تحريك قاعها للكشف عن عجلة تفك الرموز من أجل الرسائل السرية.
وهناك أيضا قصص مشاهير الجواسيس من أمثال أنتونيو جوزيف منديس الرئيس السابق لوكالة المخابرات المركزية الاميركية "سي.آي.ايه" والذي يشغل الآن وظيفة عضو في المجلس الاستشاري للمتحف.
وقد أنقذ منديس ستة دبلوماسيين أميركيين في إيران عام 1980 فقد تمكّن من إخراجهم من البلاد بأن جعلهم يتنكرون في هيئة فريق تصوير فيلم كندي، فتنكر القنصل الذي كان وجها معروفا في ملابس مخرج من هوليود ويضع سلاسل ذهبية ويرتدي بنطلونا ضيقا ويغيّر تسريحة شعره تماما.
والمتحف الذي تبلغ مساحته 6300 قدم مكعب يقدم تسلية كبيرة إلى الزوار. فهم يجتازون امتحانا للجاسوسية. ففي الغرفة الاولى بالمتحف يمكن أن يتقمص الزوار هوية سرية. وعليهم أن يحفظوا تفاصيل الهوية الجديدة للاجابة على أسئلة على الكمبيوتر في وقت لاحق في المتحف.
ويطلب منهم أيضا التعرّف على النشاط المشبوه بنظرة إلى مشهد نموذجي لشارع ويمكنهم أن يستخدموا سمّاعات للاستماع إلى المناقشات التي تجري في أرجاء المتحف المزود بأجهزة استماع.
ويأمل المسئولون عن المتحف تجسيد أهمية المخابرات والدور الذي لعبته على مرّ التاريخ من خلال رواية الاحداث المثيرة في تاريخ المهنة وجعل الزوار يندمجون مع العروض الحية لمهنة الجاسوسية.
يقول مدير المتحف بيتر ارنست الذي خدم بجهاز المخابرات الاميركية المركزية "سي.آي.ايه" لمدة 36 عاما "المخابرات يمكن أن تكون حدا فاصلا بين الحرب والسلام".
لقد كان الجواسيس شخصيات بارزة في الفترات الحاسمة من التاريخ، بدءا بالاغريق الذين وصلوا إلى طروادة في أحشاء حصان خشبي وحتى جواسيس الحرب العالمية الثانية والعملاء الذين استكشفوا الاسرار النووية خلال الحرب الباردة.
وقد افتتح المتحف الذي بلغت تكاليفه 40 مليون دولار والمخصص لمهنة الجاسوسية في واشنطن عاصمة الجاسوسية في العالم حيث تقدر المباحث الفيدرالية "اف.بي.آي" عدد الجواسيس بثمانية آلاف من ضمن 570 ألف نسمة تعداد سكان المدينة.
ويقع المتحف في موقع ملائم، فهو في قلب واشنطن بين معرض الصور الوطني الذي يعرض صور كثير من الشخصيات الشهيرة ومقر المباحث الفدرالية. ويفصل نهر بوتوماك بينه وبين مقر وزارة الدفاع (البنتاجون) الذي تعرض للهجوم في 11 أيلول/سبتمبر الماضي مما كشف عن أوجه قصور أجهزة المخابرات وأيضا مدى أهمية المخابرات في مرحلة ما بعد الحرب الباردة.
ويقول مؤسس المتحف ميلتون مولتز "من الضروري في دولة ديمقراطية أن يكون لدى الجمهور فهم أكثر واقعية لعمل التخابر بحيث يمكنّا تقدير دوره في مجتمعنا وأثره على الاحداث العالمية الكبرى".
ويؤكد "أن التجسس يعد جزءا لا يتجزأ من المعالم السياسية والاجتماعية في أنحاء العالم".
وكانت فكرة إنشاء متحف خاص حلما يراود مولتز الذي كوّن ثروته من خلال عمله في التلفزيون، وقد تولى بعد ذلك وظيفة في جهاز الامن القومي السري الاميركي. وعقب تقاعده من التلفزيون أنفق 25 مليون دولار من ماله الخاص على متحف الجاسوسية الدولي.
وقد أنفق المال الكثير لعرض أشياء مثل خندق لقنبلة نووية تهتز جدرانه وأرضياته مع انفجار وهمي لقنبلة. ويعرض أيضا بعض ما تبقى من أجهزة الشفرة التي كان يستخدمها النازي لصنع شفرات لا يمكن فكّها إبان الحرب العالمية الثانية إلى أن حصل الحلفاء سرا على أحد هذه الاجهزة.
كما يعرض المتحف صورة مجسّمة لاستون مارتين مخترع شخصية جيمس بوند، العميل الشهير في السينما الاميركية، وقد تزود ببنادق آلية تبرز من تحت المصابيح ولوحا من الزجاج الواقي من الرصاص وأدوات صغيرة لتمزيق إطارات السيارات.
وتوجد في المتحف أقسام تستعرض قصص مشاهير الجواسيس مثل جوليا تشايلد والراقصة جوزفين بيكر وعملاء مزدوجين مثل أميس الذي يقضي عقوبة السجن مدى الحياة لانه نقل معلومات بالغة السرية إلى موسكو. ويعرض أيضا صندوق البريد الذي كان يرسل منه المعلومات من واشنطن.
وأخيرا يمكن للزوار قبل مغادرة المتحف أن يتحدثوا إلى رجال مخابرات سابقين بشحمهم ولحمهم ولا يبدو عليهم الخبث والدناءة والغموض بأي حال من الاحوال، بل إنهم يشيعون جوا مفعما بالحماس والبسمة.
فكل هذه المعرفة التي يتسلحون بها عن العمليات السرية ستجعل الزوار ينظرون إليهم بمنظور إنساني جديد.