في كمبوديا، تجارة تهريب البشر لا تزال رائجة

سفاي باك (كمبوديا)
اجبار الفتيات القاصرات على ممارسة البغاء لا يزال واسع الانتشار في كمبوديا

على مقربة من الطريق السريع المكتظ بالسيارات المؤدي لمدينة أودونج العاصمة السابقة لامبراطورية الخمير التي كانت فيما سبق دولة عظيمة، يوجد طريق مترب يقود إلى منطقة سفاي باك التي ظلت في الواقع لفترة تزيد عن عشر سنوات مرتعا لسياحة الجنس واستغلال الاطفال في أغراض الدعارة.
وفي الوقت الذي تشق فيه الدراجات البخارية والسيارات طريقها نحو أشهر أحياء الدعارة في كمبوديا مثيرة عاصفة من الغبار في مناخ مشوب بالحرارة في فترة ما بعد الظهر، تتقدم مجموعة من النساء والرجال خارج بيوت الدعارة نحو عدة فتيات صغيرات يرتدين القباقيب والملابس الضيقة.
ولكن فور انتهاء حملة المداهمات التي قامت بها الشرطة وشهدت اعتقال 13 مشتبها فيه بتهمة تهريب البشر وإنقاذ حوالي أربعين ضحية فيتنامية معظمهن دون سن الرشد، تبدو المنطقة كمسرح مهجور بعد انتهاء العرض بدلا من مظهرها المعتاد كحي للدعارة مفحم بالحياة.
وقال إن سوكونثي مدير إدارة مكافحة التهريب في وزارة الداخلية "إن الموقف فيما يتعلق بتهريب البشر أفضل الان عما كان في الماضي. فالشعب الكمبودي يعرف الان القانون وقوات الشرطة قادرة على تطبيقه".
ولا يتفق مع هذا الرأي العاملون في مجال حقوق الانسان والدبلوماسيون وبعض مسئولي الحكومة.
ويقولون إن مشكلة تهريب البشر تتفاقم وإن حملات المداهمة الاخيرة على أشهر أحياء الدعارة هي محاولة من قادة البلاد لتحسين صورة كمبوديا قبل صدور تقرير وزارة الخارجية الامريكية عن تهريب البشر في شهر حزيران/يونيو.
وذكرت وزيرة شئون المرأة مو سوشوا أن "الرسالة واضحة للغاية ومفادها أن الولايات المتحدة قد تقرر عدم رفع اسم كمبوديا من المستوى الثالث وهو ما يعني أن الحكومة لا تبدي الارادة السياسية لمكافحة التهريب".
وأضافت قائلة "إن حكومة كمبوديا الملكية ما زالت تتعرض لهذا الضغط وبخاصة بالنسبة لوزارة الداخلية".
ومنذ إصدار حكومة الرئيس جورج بوش فور توليه السلطة في عام 2001 لقانون يدعو لاجراء تقييم سنوي لوضع تهريب البشر في دول العالم، أدرجت كمبوديا في أدنى فئات تقرير "تهريب البشر".
وحتى الان لم تواجه كمبوديا فضلا عن 18 دولة أخرى تنتمي لتلك الفئة المعروفة باسم "المستوى الثالث" سوى عواقب محدودة. ولكن القانون يدعو لفرض عقوبات صارمة ضد أي حكومة تصنف ضمن المستوى الثالث مرة أخرى هذا العام.
ووضعت هذه الحقيقة جماعات مكافحة تهريب البشر والمسئولين الذين يعربون صراحة عن وجهات نظرهم مثل مو سوشوا في موقف حرج.
وقالت مو سوشوا "يتعين على الحكومة ككل أن تبدي مؤشرات على تراجع ظاهرة تهريب البشر، وهو ما لا يحدث في الوقت الراهن، وأنا أشعر حقا بالاسف لقول ذلك".
وأضافت قائلة "إن وزارة شئون المرأة طلبت منهم (الولايات المتحدة) دراسة فكرة رفع اسم كمبوديا إلى المستوى الثاني لاننا بذلنا كل ما في وسعنا للسيطرة على المشكلة، على الاقل من جانبنا".
ووجد بعض من أشد منتقدي أداء الحكومة بخصوص التعامل مع مشكلة تهريب البشر أنفسهم ينتقدون الحكومة في نفس الوقت الذي يشيرون فيه إلى النجاحات.
وإذا ظل اسم كمبوديا مدرجا على المستوى الثالث، فلن تواجه فنوم بينه عقوبات مباشرة في مجال المساعدات فحسب بل أيضا معارضة أمريكية للقروض التي تحصل عليها من الجهات الدولية المانحة، وهو ما يمثل ضربة هائلة لدولة مثلها تعتمد على المساعدات المالية الاجنبية لتوفير نصف ميزانيتها السنوية تقريبا.
وحذر ممثل تجاري أمريكي كبير زار فنوم بينه مؤخرا من أن كمبوديا ربما تواجه أيضا مشكلات في محاولتها للانضمام لمنظمة التجارة العالمية في شهر أيلول/سبتمبر.
ولا يعتقد كثير من العاملين في كمبوديا التي مزقتها الحروب أن قطع المساعدات هو الحل للمشكلات التي تعاني منها حتى الان، حيث أنها لا تزال تكافح للتخلص من القيود الخاصة بالمساعدات التي فرضتها عليها الولايات المتحدة عقب اندلاع المعارك السياسية في العاصمة منذ ست سنوات تقريبا.
ولكن غض الطرف عما يعتبره الكثيرون استمرارا لرفض الحكومة التعامل مع أسباب المشكلة الرئيسية يتساوى من ناحية أخرى مع تأييد تصرفات الحكومة.
وقالت نالي بيلورج مديرة جماعة ليكادهو لحقوق الانسان بالوكالة "إن ما نشهده هو حملات مداهمة محدودة، ولكن ما أرغب في رؤيته على المستوى الاعلى هو تقويض أركان هذه الشبكة".
وأضافت قائلة "نحن لا نتحدث فحسب عن أولياء الامور الذين يبيعون أبناءهم والقوادين الذين يبيعون الاطفال بل نتحدث عمن يملكون هذه المؤسسات ومن يستفيدون منها وأخيرا من يسمحون لها بممارسة نشاطها".
واستطردت قائلة "وهذه الفئة الاخيرة تتمثل في أعلى مستويات الحكومة".
ويشير من يعتقدون أن التحدي الرئيسي الذي يواجه نشطاء مكافحة التهريب في كمبوديا هو العلاقة بين المهربين والسلطات المحلية وبعض المسئولين ذوي النفوذ إلى أنه بغض النظر عن الفئة التي سيدرج فيها اسم كمبوديا، فإن التجارة سوف تستمر ما لم ينتهي تورط هؤلاء المسئولين.
ويظهر من زيارة منطقة سفاي باك أن بيوت الدعارة ما تزال تمارس نشاطها. ورغم إعلانات وقف النشاط التي أصدرتها السلطات والمعلقة على أبواب عدة بيوت دعارة مغلقة، لا يزال القوادون يعرضون فتيات صغيرات في السن.
ولكنهم صاروا يقولون الان إن الفتيات الصغيرات موجودات في منازل قريبة من حي الدعارة الرئيسي بسبب حملات المداهمة التي تقوم بها الشرطة، وهي خطوة أخرى تهدف لاضفاء السرية على هذا النشاط وتخشاها الجماعات التي تركز على مساعدة الضحايا.
وقالت بيلورج "لقد أصبحت مهمة العثور على الاطفال الذين يستغلوا في تجارة الجنس أصعب قليلا ولكنها لا تزال سهلة جدا طالما يمكنك أن تعثر على الشخص المناسب لمساعدتك وتدفع له".