في قضية نمر النمر والتهديد بإعدام سعوديين في العراق

خطيب الجمعة في طهران محمد علي موحدي كرماني، حذر السعودية من تنفيذ حكم الإعدام برجل الدين الشيعي نمر النمر. قال "نحذر السعودية من أن تنفيذ هذا الحكم سيكلفها ثمنا باهظا، خاصة وأن ثلث سكانها من الشيعة". وقد سبق لآية الله جعفر سبحاني أحد مراجع قم أن حذر السعودية أيضا، وتوعد بردود قاسية في حال تنفيذ حكم الإعدام قائلا بأنه لم يفعل شيئا أكثر من إعطاء النصيحة للحكام والأمراء. حتى نائب وزير الخارجية الإيراني صرح بأن إعدام النمر سيهين مشاعر المسلمين بكل تأكيد، ويثير ردود أفعال دولية.

السبت الماضي بعث هاشمي رفسنجاني رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام، وهو رجل معروف بأنه الأكثر تواصلا مع المسؤولين السعوديين، ودعا العاهل السعودي إلى "وقف تنفيذ حكم إعدم آية الله الشيخ نمر باقر النمر الذي أصدرته المحاكم السعودية."

محاكمة الشيخ النمر بدأت في اذار/مارس 2013 وعقدت المحكمة 13 جلسة في قضيته، كما وجهت المحكمة الى النمر المعروف بتأييده للاحتجاجات في البحرين، وقيادة احتجاجات مشابهة في المنطقة الشرقية تهما تتعلق ايضا بـ"حمل السلاح في وجه رجال الامن"، و"جلب التدخل الخارجي" و"دعم حالة التمرد في البحرين". فهل هذه الإتهامات واردة بحق هذا الرجل؟ في الحقيقة أنا شخصيا ربما أعرف نمر النمر، ولعله كان يحمل اسما حركيا هو "أبو ياسر" بدمشق. شاب نشيط، وحركي، ومتفان في المشروع الشيعي الذي يحارب في سبيل قضية جوهرية عندهم هي "قباب البقيع" وضريح جعفر الصادق خصوصا.

كان النمر ضد حمزة الحسن وتوفيق الشيخ وحسن الصفار وعبدالله المسلم في التوجه نحو المصالحة وقبول العفو الذي قدمه العاهل السعودي تسعينات القرن الماضي، ومع ذلك أقنعه الشيخ اللبناني محمد مهدي شمس الدين (ت 2001) في جلسة خاصة له ورفاقه. حيث أرسل الشيخ الصفار في طلب الشيخ شمس الدين رئيس المجلس الشيعي الأعلى في لبنان لمساعدته في إقناعهم. ورغم أنهم اقتنعوا على كراهة حينها، فإن نمر النمر هو صاحب تلك المقولة بعد ذلك الإجتماع بشمس الدين "تكاد أن تكون مقولة انظر إلى ما قيل، لا إلى مَن قال غير صحيحة". الشيخ النمر من صقور المعارضة وهو صِدامي ومدرب على السلاح ومن ناحية التقليد أعتقد بأنه من الشيرازيين الأكثر تطرفا في المعتقد وبغضا للسنة.

في بداية تسعينات القرن الماضي حين بدأ تدفق الشباب الشيعي السعودي إلى السيدة زينب من إيران والمنطقة الشرقية لدراسة العلوم الدينية هناك، تعرض بعض هؤلاء الشباب للضرب والمضايقات من قبل بعض الغوغاء العراقيين في السوق. الشيخ النمر حينها ذهب بنفسه إلى رجل المخابرات العلوي العقيد صلاح، ولم يطلب هذا الشاب الحماية أو رفع شكوى، بل طلب السماح له وللشباب الصِدامي السعودي بتأديب هؤلاء العراقيين بالسكاكين. العقيد صلاح رفض بطبيعة الحال، واعتقل العراقيين المعتدين وتم تأديبهم.

الشيخ النمر يؤمن بالكفاح المسلح، وهو ضد الحكومة السعودية اسما، وعنوانا، وتاريخا. المشكلة هو ليس الكادر الوحيد الذي دربته إيران وأعدته في فترة تصدير الثورة الخمينية ثمانينات القرن الماضي. علينا أن نفكر بأن هناك العشرات من أمثال النمر، عادوا بعد العفو الملكي، وأعتقد بأن تصاعد هذه القضية مؤخراً، لا يمثل سوى صعوبة احتواء هذه العناصر بعد العفو الملكي. وكأنهم عادوا ليكافحوا ضد بلادهم، وليس لينعموا بالسلام والتحول إلى حركة إصلاحية سلمية، كما أعلن الشيخ حسن الصفار حينها.

أما عن رأيي الشخصي بالشيخ النمر كإنسان فهذا مختلف عن رأيي به كسياسي، فهو ربما شخصية جذابة، ومهذب، ومحب للأدب وربما كريم أيضا فهو في النهاية رجل دين نشأ في جزيرة العرب، وليس شاعرا شعبيا من مدينة الصدر. إلا أنه قد آن الأوان أن نفصل بين ما هو شخصي، وبين ما هو خطر على وجودنا وإبادة لأجيالنا. ولا أعتقد بأن القضاء السعودي، الذي منح هؤلاء عفوا ملكيا عاما، شمل حتى المجرمين منهم منتصف التسعينات من القرن الماضي، يقرر اليوم الحكم بإعدام الشيخ النمر تحديدا بلا أسباب عادلة.

الإعلام الصفوي العراقي الذي تقوده مدينة الصدر، أخبرنا في السابق عن إعدام داعش لحقوقية عراقية هي سليمة صالح النعيمي، احتجت على تفجير ضريح النبي يونس في الموصل، حتى أنهم أقاموا لها مجالس عزاء بمحافظة الناصرية وحملوا صورتها، ثم تبين أن الصورة والإسم لتربوية إماراتية معروفة، والخبر كله مجرد تلفيق.

كتاب مدينة الصدر الذين يحصلون دائماً على بعثات سياحية إلى إيران، لم يحدثونا عن جرائم الرجم بالحجر للنساء هناك، ولا عن جريمة تشويه الحرس الثوري لوجوه النساء في أصفهان بحامض الأسيد المرعب، ولا عن إعدام الشابة السنية الأهوازية ريحانة جباري (26 عاما) لأنها قتلت رجلا في الإستخبارات الإيرانية اغتصبها حين كانت مراهقة.

لم نسمع من الإعلام الصفوي العراقي سوى نشيد جديد لقاسم سليماني قاهر الدواعش، ومحرر منطقة جرف الصخر غرب البلاد. هؤلاء أنفسهم يقودون حملة احتجاج ضد المملكة العربية السعودية اليوم، بسبب قرار محكمة سعودية بإعدام سياسي خطير مثل النمر. الضغوط والتهديدات ضد المملكة العربية السعودية في شأن داخلي يخص أمنها لا يمكن أن تكون مقبولة.

لا يوجد إعلام سني عراقي يفضح التوجهات الصفوية اليوم، لأنه لم تظهر مؤسسات سنية معارضة للنظام السابق. فلم يكن في معارضة صدام حسين شخصيات سنية بمستوى الچلبي وعلاوي والحكيم. كل الكوادر السنية المهمة هي في الحقيقة من رجال النظام السابق، لهذا تمت تصفيتها بالكواتم والسجون، وتهجيرها بقوانين اجتثاث البعث، وكذلك بقرار حل الجيش العراقي السابق. لهذا لا توجد معارضة قوية للحملة الصفوية اليوم ضد السعودية والبحرين مثلا.

من المحزن أن نعرف أنه في الوقت الذي كان الشيعة ينفقون الملايين بدمشق، لفتح حوزات ومدارس لتعليم وإعداد مئات الكوادر الخطرة أمثال نمر النمر، كان السنة عندهم أمثال مشعان الجبوري، الذي فتح حزبا لا وجود له بعنوان "حزب الوطن".

هذه نتيجة الفهم السني العراقي المخابراتي للسياسة، والمضحك اليوم أن هؤلاء المخابراتيون أنفسهم يريدون أن يصبحوا كتابا ومفكرين، كما نرى في كتابات وفيق السامرائي ومشعان الجبوري. مأساة لا مثيل لها في التاريخ، بسبب فقدانهم للمؤسسات، والدعم، والخيال، والإيمان بطاقة الروح، والفكر، والعقيدة.

وهذه هي النتيجة، بدلا من أن تتصاعد الأصوات للمطالبة بحقوق آلاف المغيبين في السجون العراقية السرية، ومئات الآلاف من النازحين في العراق، لا نسمع شيئا سوى الحرب على داعش، وقضية إعدام السعودي نمر النمر، والمظلومية المزعومة لشيعة البحرين. يقول وزير الخارجية العراقي ابراهيم الجعفري، المتورط الأول بالطائفية والحرب الأهلية في بغداد "بدأنا التحرك لإقناع السعودية بالعدول عن إعدام الشيخ نمر النمر" في تلميح واضح بإعدام معتقلين سعوديين في العراق، وقد صرح إعلاميون صفويون بذلك، وكأن السعودية لا تطالب بهؤلاء لمحاكمتهم أيضا، وكأن الأمن القومي السعودي والقانون مجرد موضوع للمساومة السياسية.