في قرطاج المسرحي: سيناريوهات إخراجية .. ورؤى فلسفية معارضة

زمن الدراماتورجية المسرحي بامتياز

إنه زمن الدراماتورجية المسرحي بامتياز. هذا ما كشفت عنه عروض الدورة 18 لـ "أيام قرطاج المسرحية 18 - 26 نوفمبر/تشرين الثاني 2016" مؤخرا, اذ هيمنت الخبرة الدرامية على عدد غير قليل من هذه العروض من أجل الكشف عن مواقف أصحابها الفكرية والفلسفية ازاء الما حول من القضايا المصيرية والازمات الإنسانية العربية منها والكونية عبر خطاباتهم المسرحية ورؤاهم الفنية المنطلقة أصلا من خطاطات سيناريوهية اخراجية تم وضعها وتأليفها وتوليفها وإعدادها واقتباسها لغرض صناعة سينواغرافية وتأثيث وتثوير عرض مسرحي يدين ويستنكر ويعارض ويحتج ويثور على كل مفاسد القهر والاستلاب والعنف التي تضيق الخناق على الإنسان وحريته أينما تواجد في أرجاء المعمورة العربية والكونية.

• عين على الدنيا

من العروض المغايرة في المهرجان كونه اعلن معارضته ابتداء على السائد والمألوف في شكل وبنائية الخطاب المسرحي المعاصر, فجاء عرضا (صوتيا) بامتياز, لاغيا الصورة المشهدية ومكتفيا بصوت الممثل الحي لا التسجيلي, اجتهدت فيه مخرجته (مريم بوسليمي) على تقديمه وفقا لمقتضيات (المسرح السمعي) تحديدا. لأنك تجلس كمتفرج - لا عفوا كمستمع - في قاعة معتمة تماما ولمدة خمسين دقيقة لا ترى شيئا, لكنك تستمع الى حوارية نسائية ثنائية تواصلية منوعة ومونتاجية ومصاغة هارمونيا وفق نوتات فكرية متدفقة ومتحولة بالموقف واللغة والأداء والانشاد والغناء والتجويد والضحك والبكاء وكل ما يمت بصلة بالصوت والاذن المتلقية له.

فنرى - في لحظات كثيرة من زمن العرض - الصورة عبر الصوت, وهذه بؤرة العرض الفلسفية, حيث يحتكم التلقي الى عنصر "الخيال" للقبض على الصورة الغائبة من العين لكنها حاضرة ومقبوض عليها في فكر وخيال التلقي, الأمر الذي يجنح بآفاق تخيلية غير محسوبة وتكون أكثر تأثيرا من الميزانسين المرئي ومهما تفوق الاخراج في إظهارها صوريا, لأن المتلقي هنا سيتحول هو إلى المخرج الصوري لجميع هذه التناغمات الصوتية الأدائية وتحولاتها.

الذات هنا هي الوجه العاكس لهذه الصوتيات, لانها - أي الذات - تم حبسها ظلاميا تحت التنويم المغناطيسي ولمدة خمسين دقيقة من أجل البوح عن تخيلاتها الافتراضية والمتسقة مع فكر العرض وجمالياته الصوتية لدرجة (السحر), والذي عزز السحرية والمغناطيسية هنا هي هذه الملامسة الجسدية المتكررة من قبل الممثلتين لأكتاف الجمهور الجالس في الباحة المعتمة للعرض، وكأن هذه الملامسة هي يقظات فيزيقية من شأنها التحفيز لما هو ميتافيزيقي ويوتيوباوي محلق عبر هذه العين التي وجدت الدنيا معتمة.

• في مقام الغليان

لم يكن العرض بحاجة الى عنوان مكمل بجملة إضافية وضعها مخرجه (سليمان البسام) وهي "ربيع عربي مختطَف" بفتح الطاء, لان العرض كشف وبثورية درامية عالية الفكر والفلسفة عن هذا الاختطاف الواقعي واليومي بكل مسوغاته السياسية والدينية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية.

هذا العرض جاء ممتلئا بالمعارضة والاحتجاج ايضا, وايضا كان "الصوت" بطلا ثانيا في العرض اضافة الى وجود بطلتين ممثلتين رئيسيتين مع ممثلة ثالثة كانت تتولى مهام العزف الموسيقي التصويري الحي الى جانب الأداء الجسدي والانفعالي والصوتي لبطلتي العرض اللتين تنافستا على (ثورية) الاداء وتدفقه وتنوعه وتحولاته طيلة زمن العرض الخمس والستين دقيقة التي مرت سريعا علينا كلمح بصر النظرة الواحدة لشيء ما بحكم الايقاع المنضبط والمحسوب اخراجيا ودراماتورجيا لبنية العرض واحتواء بيئته الفلسفية المتشكلة من الفراغ المنظري. لكنه جاء ثراءً بصريا مشهديا احتكم الى العلاقاتية اللونية بالأسود حصرا مع تسلسل الوجع والقهر والاستلاب الكوني الاسود القابض على الإنسانية اينما هاجرت وولت واستقرت.

والذات ايضا - ذات التلقي - كانت تتعرى هي الاخرى حالها حال تعري ذوات الممثلة (حلا عمران) او (كاترين غوول) او (بريتني انجو) ادائيا وانفعاليا حد الجنون والذوبان بالكلمة المنطوقة أو الغناء او الصراخ او السخرية المفجعة الى جانب الرقصات الدرامية الباعثة على التحليق الفكري والمنضوي مع سيناريو العرض ودراماتورجيته المحتكمة الى الابداع الخلاق والفكر والثوري المتقد دراميا.

لم يكن ثمة سرد حواري متسلسل في متنه الحكائي, بل كان ثمة حواريات أقرب الى المونودرامية التي تستند الى المونولوج الواحد وبلغات ولهجات مختلفة, الا ان براعة المخرج هنا في توحيد هذه الدمويات النسوية العنيفة والمعنفة, وهذا العنف الذي يوثق حياة المرأة وصراعها مع المصدات المتوقعة منها وغير المتوقعة وهي تسعى لكرامة ما وحرية ما وإنسانية ما, في ظل هذا الخراب المستفحل اليوم وغدا.

• الشقف

براعة الاخراج هنا يكمن في الامساك بمفردة منظرية واحدة شكلت العلامة الكبرى، وكانت هي المفردة المنظرية / البؤرة البصرية الحاوية على رؤية العرض وفلسفته الدراماتورجية, وهي جهاز (الترامبولين) الرياضي، ومن الحجم الكبير ليتسع الى ثمانية شخوص وهم ابطال العرض معهم ربان المركب اي (اللص) كما أسماه العرض, ولقد تنوعت هذه الشخصيات عمرا وجنسا وانتماء فكانوا (ثلاث تونسيين: احدهم شاذ الى جانب شاب وفتاة, مع ثلاثة افارقة: امراة ورضيعها وزوجها, مع امراة عجوز سورية وفتاة لبنانية).

وليتسع هذا الترامبولين ايضا لحكاياتهم التي تبدو مونودرامية هي الاخرى الا انها شكلت متنا حكائيا اتصف بالفاجعة الواحدة الموحدة.

هذا الترامبولين المستخدم من قبل لاعبي الجمناستك وظفه مخرج العرض مجدي ابو مطر بوصفه المركب أو العبارة الصغيرة - وتسمى ايضا "الطوف" - التي تحمل المهاجرين بحرا طلبا للجوء والفوز على الحياة المنتظرة وتحقيق الاحلام الصغيرة تحت خيمة الامن والامان برغم رحلة الذل والجوع والعطش والهوان.

كم هو (خطيه) إنساننا العربي. كم هو (ذليل) إنساننا العربي. كم هو (مهان) إنساننا العربي. هذه رسائل العرض الكبرى بوصفها حقائق مسكوت عنها, الا ان العرض المستند على مدونة نصية دراماتورجية بقلم (سيرين قنون ومجدي ابو مطر) قد اطلق رسائله بوصفها حقائقَ مدوية دراميا وجماليا وفكريا.

لقد بذل الممثلون جهدا ادائيا مضاعفا اذ لا ثبات جسدي هناك من شأنه أن ينعش الجسد ويريحه لويحظات لأن المركب يتحرك ويتمايل بحكم أمواج البحر والرياح والمنزلقات التي نراها عبر أجساد الممثلين والمؤثرات الصوتية المصاحبة لجهدهم العالي والمتواصل الأمر الذي ذهب بذائقة التلقي إلى تفاعلية تواصلية غير ثابتة هي الأخرى انسجاما مع المشهديات البصرية المتمايلة والمتموجة باللون والضوء والمنطوق الحواري عبر رحلة الموت والألم التي الى الان تخيم وتقبض على إنساننا العربي (الضحية) أبدا. ضحية فشل وخراب المطابخ السياسية الآخذة بنا نحو الهاوية. وهكذا كانت نهاية احداث "الشقف" الذي أمتعنا بجمالية قبح واقعنا العربي وما يحيط به.

• المجنون

التوقيت الزمني في الاختيار. فقد أعدها واخرجها الفنان الراحل قاسم محمد للمسرح العراقي في بداية تسعينيات القرن الماضي وعرضت على مسرح الرشيد في بغداد كمونودراما من بطولة الفنان الراحل حامد خضر. وبعد أكثر من عشرين عاما, يعاد التوقيت في الاختيار مرة اخرى لرواية "المجنون" ليمسرحها الفنان توفيق الجبالي اليوم.

وكلا التوقيتين يعلنان رؤية دراماتورجية احجاجية معارضة تفلسف (الما حول) دراميا, فبرغم التباعد الزمني في توقيت الاختيار النصي بين قاسم محمد وتوفيق الجبالي، فإن تواصلية الاحتجاج والمعارضة لما تزل محتجة ومعارضة. لا شيء تغير، ويبدو ان لا شيء سيتغير لاحقا.

منذ التوقيت الزمني لخطاطة "المجنون" الاولى في زمن جبران خليل جبران عام 1923 ثمة تواصلية في الاحتجاج ومحاولة الثورة على الجهل والتخلف والتطرف والعنف الفكري والجسدي. لكن ليس ثمة ضوء في الأفق.

من هذه الأسباب جاء مجنون الجبالي بنكهة دراماتوجية معاصرة أثبتت باليقين الصوري والصوتي وباليقين الوسائطي الرقمي واليقين الحواري, حتمية الاحتجاج أبدا على شعارات الجهالة والقبح والتطرف الآخذة بنا وبما حولنا نحو مجاهيل القسوة والعنف والإبادة الجماعية للادمية المتيقظة والواعية.

لقد أثبت لنا ايضا مجنون الجبالي في عرضه اليوم جملة قالها ادغار الن بو يومها: "لم يثبت العلم بعد اذا كان الجنون هو قمة التعقل ام لا؟".

وفعلا كان مجنون الجبالي قمة التعقل والجمال والفكر النير مثلما إراده جبران رواية وقاسم محمد ممسرحا له. زمن واحد نعيشه جميعا منذ قرن تقريبا. وهذا يزيدنا قلقا ويوسع دائرة خوفنا الآن ومستقبلا.

واذا ما توقفنا ازاء تجسيدات الاخراج وفرضياته نقول إن مدونة المجنون الأصل لجبران مصاغة بأسلوبية خاصة ومنطوقيات حوارية متوائمة مع فكرها الروحي والديني والصوفي والفلسفي لدرجة انها ذاتها بحاجة الى الشرح والتفسير والتامل العميق ليسهل هضمها والتفاعل مع مدياتها الفكرية المعمقة, فجاءت بعض من التجسيدات الاخراجية مبهمة وغامضة عبر حركة المنظوريات المستخدمة وملحقاتها الديكورية المتحولة مع أجساد مؤديات العرض, الأمر الذي أوقع عددا من التشكيلات والتعبيرات الصورة في مزالق الابهام والغموض مرة اخرى برغم شيوع جمالية الصورة أحيانا وهيمنتها على التلقي فإنه يصعب القبض على معناها بطريقة يسيرة ومباشرة.

لكننا لا نغفل أو نتغافل عن محطات مبهرة في العرض خاصة تلك التي استعانت واستثمرت الوسيط الرقمي والتي كان لها الأثر الكبير في تثوير جمالية العرض برمته.