في غياب الفائز والمحكم .. خالد خليفة يحصد جائزة نجيب محفوظ

لكل شخصية فيها سكين خاص

في يوم ميلاد أديب نوبل، أعلنت دار نشر الجامعة الأميركية بالقاهرة عن منح جائزة نجيب محفوظ للرواية العربية لعام 2013 للكاتب السوري خالد خليفة عن روايته "لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة".

وقام الدكتور عمرو شعراوي عميد الجامعة الأميركية بالقاهرة بتسليم الجائزة إلي الدكتورة فاطمة البودي، ناشرة الرواية الفائزة بإجماع أعضاء لجنة التحكيم التي ضمت في هذه الدورة: د. تحية عبد الناصر، د. شيرين أبو النجا، د. منى طلبة، د. حسين حمودة وعبده وازن.

حفل تسليم الجائزة أُقيم في القاعة الشرقية بالجامعة الأميركية بالقاهرة بميدان التحرير، وحضره العديد من المبدعين والشخصيات الثقافية البارزة التي لم يكن وزير الثقافة المصري من بينها.

باسم لجنة التحكيم التي خلت من اللبناني عبده وازن، تحدثت الدكتورة تحية عبد الناصر عن الرواية الفائزة، وذكرت أن "لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة" رواية سوريا المعاصرة، التي تسرد الخوف والتطرف والإستبداد بوجوهها المألوفة.

وفي تقريرها ذكرت الناقدة الدكتورة شيرين أبو النجا أن هذه الرواية تموج بالكثير من السكاكين، ولكل شخصية فيها سكين خاص. لا يجمع هذه السكاكين سوى حضور الأم بشكل كلي، حتى أن غيابها تحول إلى شكل آخر للحضور سلبًا وإيجابًا.

تبدو مدينة حلب في قلب النص وهي تقاوم العسكرة بشتى الوسائل الممكنة، لكن انحسار حقول الخس، وترييف المدينة - مجاز التدهور - دفع كل شخص في الأسرة إلى محاولة إيجاد منفذ للحياة، سواء عبر التماهي مع العسكر أو الهرب منهم أو الانتقام أو اليأس أو الانتحار.

بحضور الأم القوي الملتبس، يتنبه القارئ إلى ورطة السؤال المتعلق بالسلطة: الانتداب الفرنسي أم العسكر (الوطني)؟ الماضي أم الحاضر؟ البراءة أم التجربة؟ الذاكرة المؤلمة أم النسيان الأكثر إيلًامًا؟

فيما يشير الناقد الدكتور حسين حمودة، في تقريره، إلى أن هذه رواية كبيرة عن قهر الجسد والروح.

في عالمها قسمات وملامح لمشهد كبير: عن عائلة بشخصياتها المتعددة، وعن مدينة حلب، بقلبها وحوافها، وحقول الخس التي تتراجع، وأجواء الكابوس الجماعي في فترة مرجعية بعينها، والملاحقة، والرغبات الموءودة، والتوق إلى مدن بعيدة يتم الاقتراب منها لأوقات استثنائية، والإدانات متعددة الأشكال لهيمنة حزب واحد مهيمن، كلي القدرة تقريبًا، في فترة تاريخية محددة، وما يتهدد هذه الهيمنة في فترة أخرى.

تنتقل الرواية نقلات عدة بين نقاط ماثلة على هذه الشبكة الممتدة، عبر العائلة بشخصياتها وبالشخصيات التي تتماس معها.

أما الدكتورة منى طلبة فقالت إن السكاكين في المطابخ تشذب الوحشي من النبات والحيوان، وتحيله إلى زاد إنساني عطوف يملأ أفواه صغار وكبار العائلة الواحدة بفرحة التلاقي وعافية الروح والبدن، لكن سكاكين مطابخ هذه المدينة المستبد حكامها بأهلها تشرع لتمزيق النفوس وتفكيك أواصر المودة والغواية بالانتحار، هكذا يقدم لنا خالد خليفة بسكين الفنان المثال منحوتات روائية بديعة لأشلاء أسرة عربية أدماها العنف السياسي وفتت كرامتها الإنسانية إربا حتى وإن بقى منها ما بقى من أبدان حية معطوبة.

وفي تقريره سجل عبده وازن: هذه رواية عائلة ومدينة ووطن على شفير السقوط.

تتداخل هذه الصور الثلاث واقًعيا ورمزيًا وتتواشج عبر لعبة السرد الذكية التي يؤديها راوٍ هو في وقت واحد راوٍ وشخصية من الشخصيات الرئيسة في الرواية. إنها في معنى ما تمثل شهادة شخصية من اهل البيت، كما يقال، وهي تتماهى مع شخص الكاتب تماهيًا خادعًا. لكن الراوي ليس هنا راويًا عليمًا، ووجهة نظره لا تسيطر على صيرورة السرد وتنامي الشخصيات.

الناشرة فاطمة البودي بين الكاتب (يسارا) والقائمين على الجائزة

انها رواية الجماعة والأجيال، مثلما هي، بامتياز، رواية الافراد الذين يواجهون مصائرهم مواجهة قدرية، بالمعنى الإغريقي للقدرية، يعيشون أحوالًا من الصراع، الصراع الداخلي والصراع مع المجتمع ومع العقائد والسياسة، مع واقعهم المتشظي والتاريخ المضطرب، مع الاخر على اختلاف هوياته. جماعة تعيش العار الذاتي عبر أفرادها الذين يعانون تحت وطأة هذا العار: الأم المتهورة، الزوج الذي يبحث عن مصيره في الهروب الى اميركا، نزار المثلي الخائب، هبة المنفصمة بين العفة الظاهرة والفجور الخفي، سوسن المتمردة التي تقع ضحية الاختلاف الطائفي مع فواز وجان، رشيد الذي يلتحق بالجهاديين في العراق ثم يخونهم بعد وقوعه في أسر الأميركيين.

ومقابل هذ العار الشخصي يبرز العار السياسي والعام المتمثل في النظام المتعسكر والاستخباراتي الفاسد الذي يلعب بالاشخاص والمصائر وفق مصالحه اللا إنسانية غالبًا.

انها رواية مدينة هي مرآة للجماعة والعائلة والافراد، مدينة تتخبط بهواجسها الطالعة من ماضيها والمنبثقة من واقعها السلبي ومن معاناة ابنائها لأحوال الخوف والقلق على المصير في ظل سلطة قاسية لا غاية لها سوى فرض نفسها عبر الترهيب والترغيب.

لقد كان خالد خليفة سباقًا في نبش جذور الخراب الذي حل على هذه المدينة فيما ترمز اليه، جاعلًا إياها على شفير السقوط.

انها المدينة التي حلت عليها لعنة القدر.

أما لغة خالد خليفة فهي بسيطة وبعيدة عن التصنع، لغة الحياة النابضة والخالية في آن واحد من الركاكة والرتابة. ومثلما بنى روايته طبقة تلو طبقة صاغ لغته وفق تنوع الشخصيات ومنطقها الخاص.

ولد خالد خليفة في حلب عام 1964. تخرج في كلية الحقوق بجامعة حلب عام 1988، وفي عام 1990 كان من المؤسسين لمجلة "الف" الأدبية.

وقد كتب العديد من سيناريوهات المسلسلات والأفلام التليفزيونية، وكثير منها نال الجوائز. وكذلك قدم وأنتج عددًا من االبرامج الوثائقية حول عدد من الكتاب العرب. كما كتب سيناريوهات عدد من الأفلام الروائية.

وله أربع روايات: "حارس الخديعة 1993" و"دفاتر القرباط 2000" و"مديح الكراهية 2006" وهذه الرواية التى نشرت باللغة الأنجليزية عام 2012، كما ترجمت إلى الإسبانية والفرنسية والهولندية والإيطالية والنرويجية والدنماركية.

المحكمون

وقد نشرت هذه الرواية الرابعة بالعربية في القاهرة عن دار العين عام 2013، وعن دار الآداب في بيروت.

وبهذه المناسبة صدرت الترجمة الإنجليزية لرواية عزت القمحاوى "بيت الديب"، الفائزة بجائزة نجيب محفوظ لعام 2012 ، وصدرت الترجمة العربية لعدد من أعمال نجيب محفوظ: "القاهرة الجديدة"، "أحلام فترة النقاهة"، "عبث الأقدار"، "رادوبيس"، و "كفاح طيبة"، كما صدرت الترجمة الإنجليزية لرواية حمدي الجزار "لذات سرية".

ويذكر أن دار نشر الجامعة الأميركية بالقاهرة أطلقت جائزة نجيب محفوظ للأدب الروائي عام 1996، وهي الناشر الرئيس للترجمات الإنجليزية لأعمال نجيب محفوظ منذ أ كثر من عشرين عامًا، وهي صاحبة حقوق نشر أ كثر من 600 طبعة من أعماله بـ 40 لغة فى جميع أنحاء العالم.

بقي القول إن الجامعة الأميركية بالقاهرة أقامت بهذه المناسبة معرضًا للصور التذكارية النادرة لمحقوظ في مختلف مراحل حياته، التقطتها عدسات عدد من ألمع مصوري دار أخبار اليوم وغيرها من المؤسسات الصحفية المصرية العريقة، فضلًا عن الصور التي التقطتها عدسات المقربين من صاحب نوبل.