في سنة أولى ديمقراطية: خيبة الأحزاب المصرية

بقلم: د. خالد محمد غازي

تستند دعائم الديمقراطيات - في العالم أجمع - إلى حقائق أساسية؛ أهمها "صوت الناخب"، الذي يعتمد على حرية الاختيار، كذلك نزاهة العملية الانتخابية وشفافيتها؛ لذا فإن الانتخابات تمثل "ترموميتر" يكشف القوى السياسية ومستوى تأثيرها في الرأي العام باختلاف تياراتها وانتماءاتها.

(1)

ولا يمكن تجاهل أو انكار الدور الفاعل للأحزاب السياسية خاصة في ظل مناخ الحرية؛ وهذا ما أكدته سوزان سكارو أستاذ العلوم السياسية في جامعة هوستن: إنّ الأحزاب السياسية هي اللاعب الرئيسي للنظام الديمقراطي، وهي الداعم لصياغة مطالب وأمنيات الأفراد والجماعات وتبنّي تلك المطالب كبرنامج سياسي لقيادته وتطويره، حيث تسعى إلى إيجاد السياسة البديل ودعمها من أجل تقديمها إلى أنصارها من المصوتين، وعلى صعيد البرلمان فإنّ وحدة الكتلة الحزبية تؤدي إلى تشكيل حكومة فعّالة، كما تعمل الأحزاب من أجل أن يتحمل رؤساؤها المسؤولية إزاء المصوتين.

وفي رأي لتيب أونيل رئيس مجلس النواب الأميركي السابق "أنه بإمكان الأحزاب السياسية أنْ تلعب دوراً ناجحاَ في المجتمع حينما تكون عند مستوى مطالب وطموحات المواطنين وفي إطار وطني، وهذا من منطلق قدرة الأحزاب السياسية في لعب دور معتدل وتوفير أرضية مشتركة، من أجل أن تظهر الأحزاب على هذه الأرضية المشتركة وتتفاهم للوصول إلى اتفاق، هذا الاتفاق يعتبر العامل المساعد لتوحيد المجتمع والمحافظة على وحدته، إذن لا وجود لأي مؤسسة أخرى في المجتمع غير الأحزاب السياسية، التي تتمكن في الوقت ذاته تنظيم مصالح المواطنين وتمثيلهم، كما بإمكانها عرقلة أمور الحكومة وفق الإجازة الممنوحة لها داخل المجتمع الديمقراطي، وقد أثبت التاريخ منذ قرنين بأنه من غير وجود الأحزاب السياسية لا يمكن بناء الديمقراطية النيابية، وهذا مانراه عندما تتزعزع ثقة المواطنين بالأحزاب السياسية فإنّ النظام الديمقراطي يتعرض إلى التفكك والانهيار"، لذا من الضروري ترسيخ نظام الأحزاب بشكل أعمق داخل النسيج الاجتماعي لعموم المجتمع الديمقراطي.

والتساؤل الذي يتبادر إلى الذهن هل ستحقق الأحزاب طموح الناخب المصري؟ وهل يمكن أن يكون لها دور فاعل في بناء الديمقراطية؟

(2)

لقد انتهت الانتخابات البرلمانية المصرية بمراحلها الثلاث، وظهرت كل الأحزاب على حقيقتها، في المشهد السياسي، وبات من الواضح أنها لم تخرج من "القمم" الذي عانت منه أيام النظام السابق للرئيس حسني مبارك، وكأنها تعيد عصره من جديد؛ فالأحزاب الليبرالية ضعيفة جدًا في الشارع،‏ وما حدث خلال مرحلة الانتخابات ساهم في زيادة ضعفها؛ ‏مما جعلها عاجزة عن ملء الفراغ؛ فدارت عجلة الانتخابات، واشتعلت المعارك والاتهامات، وغابت الرؤية‏،‏ لكنه - وفي كل الأحوال - لابد من المراجعة والاستفادة مستقبلًا.

فالانتخابات كانت فرس الرهان لكل الأحزاب العتيقة؛ تلك التي كانت قبل قيام ثورة الخامس والعشرين من يناير؛ مثل: الوفد - الذي كان يمثل قطب المعارضة- أو الأحزاب ذات المرجعية الناصرية كالحزب العربي الناصري، وحزب الكرامة الذي كان تحت التأسيس، واليسار ممثلاً في حزب التجمع الاشتراكي الوحدوي، والجبهة.. وكذلك باقي الأحزاب التي خرجت من رحم الثورة، وتأسست بعدها؛ وعلى رأسها حزب المصريين الأحرار، الذي أسس الكتلة المصرية في الانتخابات، كلها سقطت في بئر سحيق من الفوضى؛ حيث النتائج مخزية ومخيبة لطموحات قطاعات عديدة من الشعب؛ خاصة النخبة المثقفة، ليس نتيجة الزحف الإسلامي - الذي قادته جماعة الإخوان المسلمين وذراعها السياسية الممثلة في حزب "الحرية والعدالة"، أو الجماعة السلفية وحزبها "النور"، الذين مثلوا "سذج اللعبة السياسية" في مصر - وإنما لضعف هذه الأحزاب، وغياب الرؤية السليمة للمستقبل الحرج الذي تنتظره مصر.

وعلى الرغم من حالة الحرية والديمقراطية التي شهدتها مصر بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، والتي تولدت عنها انتخابات نزيهة وشفافة - شهد بها مراقبون محليون ودوليون - فإن هناك حالة من الخوف لاتزال تنتاب الشارع، بسبب دور الأحزاب وطبيعة عملها التي باتت غير ملموسة الوجود والتأثير، وسط التيارات المتناثرة حالياً؛ لأنها عجزت عن حصد الأصوات، وبالتالي وضعها مازال "كرتونيا".. فبعد نتيجتها تلك هل ستلبي متطلبات المصريين أم لا؟

ولا ينكر أحد الدور الذي من المفترض أن تلعبه الأحزاب السياسية على الساحة، سيما في ظل مناخ الحرية؛ فهي اللاعب الأساسي لكل الأنظمة الديمقراطية بالعالم، وكذلك المنظر الأوحد لصياغة مطالب وأمنيات الأفراد والجماعات الشعبية، لكن ما الذي أصاب الاحزاب بتلك السكتة السياسية؛ التي أطاحت بها من المشهد، وظهرت الأحزاب الإسلامية بصخبها واندفاعها، وسيطرتها على البرلمان المقبل.

(3)

هذا ليس دفاعًا عن الأحزاب، كما أنه ليس هجوماً على الإسلاميين، لكن القضية في انقلاب الأمور بهذا الشكل. فتلك الأحزاب ظلت أكثر من ثلاثين عامًا لم نسمع لها صوتًا، وفجأة قامت الثورة وأصبح لها صوت، لكنه لا يزال غير مسموع. فهل كانت تلك الأحزاب أيام مبارك تقوم بخداع الشعب، أم كانت تظن نفسها لها دور ووجود، وفوجئت بالحقيقة المؤلمة أنها ليس لها أي أدوار ممكن أن تلعبها جماهيريا؟

لقد فشلت تلك الأحزاب في توفير المناخ المناسب في انتخابات البرلمان، حتى يكون لها الحق في تشكيل الحكومة أو المساهمة فيها، نظرًا إلى أن وحدة الكتلة الحزبية تؤدي إلى تشكيل حكومة فعالة، لكنها صارت غير جديرة بتحمل مطالب وطموحات المواطنين، وهذا من منطلق ضعف قدرة الأحزاب، والذي لعب دورًا حيويًا، وان توفير أرضية مشتركة فيما بينها، من أجل أن تظهر على هذه الأرضية المشتركة، وتتفاهم للوصول إلى اتفاق، يمثل العامل المساعد لتوحيد المجتمع.

وبعيداً عن التشاؤم، سنقول بأن بعض الأحزاب التي فازت بمقاعد في البرلمان معدودة، ربما ينتظر منها عمل شيء، وتمثيل قوى في البرلمان، ويكون لها دور فاعل بعكس غيرها؛ فهذه حقيقة لأن أفرادها من المفترض أن يكونوا على خبرة ودراية بالواقع السياسي، والظروف التي تمر بها البلاد، وسيساعدهم على ذلك أن الدولة تتمتع بالوسطية، ولن تتطرق إلى التشدد، لكن على الجانب الآخر، يقول المنطق السياسي بأن الأحزاب تعرت من ثوبها الزائف بهذه الطريقة، بدليل سقوط في أول اختبار ديمقراطي تمر به، خلال جمهورياتها الثلاث الماضية، وعدم خروجها من الهوة العميقة التي عاشت فيها عشرات السنين، فتلك السنوات خلقت منها "مظهرًا برّاقًا، يحسبه الظمآن ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا".

في دراسة أعدتها د. أريج البدراوي زهران أستاذ علم الاجتماع بجامعة القاهرة بعنوان "الشخصية المصرية بين الاستكانة وثورة الخامس والعشرين يناير" أوضحت من خلالها آراء الشعب؛ الذي لا يتوقع دوراً فاعلاً للأحزاب، كما لا يتوقع تمثيل مجلس الشعب له بصورة جيدة، وأنه سيختار رئيس الجمهورية بالاعتماد على معايير عقلانية متمثلة في الخبرة الذاتية.

كما أوضحت - نقلا عن بعض المواطنين - أن الأحزاب السياسية التي فازت بمقاعد مجلس الشعب سيكون لها فاعليتها في الحياة السياسية؛ بينما رأى آخرون خلاف ذلك أما الرأي الثالث فأكد أن بعض الأحزاب سيكون لها دور فاعل بعكس غيرها. كما اختلف تقييم الأفراد وفقا للدراسة في اختيار رئيس الجمهورية فمنهم من رأى أن ما يحكم عليه في الاختيار خبرته السياسية بينما رأى البعض أخلاقه ودينه وشخصيته بينما أكد غيرهم أن ما يحكم عليه درجته العلمية التي وصل إليها.

وعن سبب اندلاع ثورة الخامس والعشرين من يناير أكدت الدراسة تفاوت أسبابها وفقا لآراء المواطنين ما بين أسباب اقتصادية وسياسية مرورا بقضية الفساد الإداري وتوريث الحكم بينما ربطها آخرون بتدخلات خارجية..كذلك رأى آخرون أن أهم أسباب اشتعالها استخدام الوسائل التكنولوجيا الحديثة في الترويج لها ورأى آخرون أن الجمعيات الأهلية كانت سببا في اندلاع تلك الثورة.

كذلك نوهت الدراسة إلى أهم الأحزاب التي كان لها دور فاعل في الثورة ومنها حزب الوفد والحزب الناصري وحزب الغد وحزب التجمع والإخوان المسلمين فضلا عن بعض الحركات الشبابية كحركة السادس من أبريل وحركة كفاية.

( 4)

والمراقب للشأن الحزبي يلاحظ أن أهم الأسباب التي أدت لضعف الأحزاب، ليس بفعل مؤامرات وتكتلات سياسية، رغم أن السياسة لا تخلو من المؤامرة، ولن نرتكز على القول بأن المصريين عاطفيون، وأن الإسلاميين لعبوا على أوتار الدين، لكن هناك رؤية أعمق وأصلح؛ عمادها أن الأحزاب الليبرالية بتصريحاتها المختلفة، وشتى اشتباكاتها أثارت قلقًا، حيث صورت أن الجميع يبحث عن مجد ذاتي وشخصي، فضلاً عن اتهام الكثير منهم بمعاداة الدين والشريعة الإسلامية، فضلاً عن المتحولين الذي كانت جبهة الليبراليين والحزبيبن أصحاب نصيب الأسد فيها، عقب تداول العديد من الفيديوهات التي أظهرت عدم إيمانهم بحدوث ثورة، وذلك على المواقع الاجتماعية الشهيرة مثل: "فيس بوك" و"تويتر"، تلك الفيديوهات التي تداولها ناشطون سياسيون رفضوا ركوب الأحزاب للموجة، إضافة إلى الاحتقان الطائفي السائد، والذي ظهر جليا عقب وقوع أحداث ماسبيرو، وظهور هؤلاء الحزبيين على شاشات الفضائيات وصفحات الصحف، ومناقشة القضايا الحساسة ببلاهة حزبية، وضعف في الرؤية السياسية، ودون اكتراث بما قد تؤدي به أحاديثهم التي قد تؤثر على الوحدة الوطنية، فضلاً عن ارتفاع نسبة ذيول النظام السابق للرئيس حسني مبارك، الذين شاركوا بقوة في الانتخابات؛ مستندين إلى تاريخهم في دوائرهم، وبلغة المال كذلك استطاعوا أن يعبروا من جديد إلى الحياة السياسية، خاصة في صعيد مصر الذي يمتاز بالعصبية والقبلية.

إذن فالوتر الطائفي وذيول النظام الذي اصطلحوا على تسميتهم "فلول"، كانت أسبابًا قوية في وجه الأحزاب طرحتها أرضاً، ورمى بها الزحف الإسلامي إلى غيابات الجب، وهم الآن في انتظار أحد القادة المهرة في الخطاب السياسي، لتنفيذ الخطط وتلبية متطلبات الشعب؛ وينفضوا عن أنفسهم غبار الانكسار، وثوب السقوط الذي برز خلال الوقت الراهن ويعودوا من جديد.

الكثير من الحزبيين الليبراليين يرون أن تكنولوجيا العصر الحديث هي أدوات تفعيل هامة وستساهم في سرعة الحراك والتواصل الجماهيري واتخاذ القرار؛ ولن يحدث ذلك إلا من خلال تدريب للكوادر الشبابية على كيفية الممارسة السياسية الحزبية والتفاعل مع الجميع؛ طالما في حدود المبادئ والقيم وأصول التربية والدين والتعليم وهو ما سينتج عنه دورا فعالا للأحزاب؛ ومن الحتمي الانتقال إلى مرحلة جديدة فيها تجرد من المجاملات والأقاويل، كذلك من الأهمية تفعيل دور الاجتماعي للأحزاب لكي تنهض وتقوى سياسيا؛ ومن الضروري تعديل قوانين الأحزاب؛ لتتمكن من المساهمة مع أعضائها في مشاريع تجارية تهدف إلى إيجاد فرص كبيرة لعمل الشباب والمساهمة في الحد من البطالة وإيجاد العائد المالي المناسب للحزب؛ لينمو ويعتمد على نفسه دون اللجوء إلى أي جهة حكومية أو خارجية لتمويله.

د. خالد محمد غازي

رئيس تحرير وكالة الصحافة العربية، بالقاهرة

k@k-ghazy.com