في رهافةِ الوردة.. وصفاء الضوء!

بقلم: مصطفى عبدالله
البابطين يكرم سوار الذهب

حلّقت بنا الطائرة المصرية في فضاء العروبة وسماواتها الملبدة بالثورة والغيوم، وبمهارة هبط بنا الكابتن جمال إمام بسلام في مطار دبي قبل موعده المحدد، لنخف مسرعين إلى مدينة المهرجانات التي لا تبعد عن المطار سوى عشر دقائق بالسيارة، نضع الحقائب، ونعانق الأصدقاء القادمين من مشارق الأرض ومغاربها لأجل عيون الشعر: الروائي واسيني الأعرج، الجزائري المقيم في باريس، والناقد سعيد يقطين، المغربي الذي تبوأ مؤخراً رئاسة اتحاد كتاب الإنترنت العرب، ومواطنيه: عبدالواحد أكمير، مدير مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات، والشاعر محمد بشكار، والمنصف المزغني، مدير بيت الشعر في تونس، ومواطنيه؛ العالم الدكتور كمال عمران، وهاجر بوغانمي، أول صحفية تونسية تعمل في مسقط، والكاتب صالح غريب، رئيس القسم الثقافى بجريدة "الشرق" القطرية، وناقدنا المصري الدكتور أحمد درويش الذي انضم إلى أساتذة جامعة قطر مع هذا الفصل الدراسي، والكاتب المسرحي السوري علي عقلة عرسان، والناقد العراقي نجم عبدالله كاظم.

وبعد أن نستريح قليلاً، حتى نتوجه لنشهد حفل تدشين ملتقى "الشعر من أجل التعايش السلمي"، الذي افتتحه الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، رئيس الوزراء، حاكم دبي، والشاعر عبدالعزيز سعود البابطين، رئيس مؤسسة الجائزة التي تعتنى بفن العربية الأول، وذلك في حضور عدد من الساسة في مقدمتهم: حارث سيلاجيتش، رئيس البوسنة والهرسك السابق، والمشير عبدالرحمن سوارالذهب، رئيس جمهورية السودان الأسبق، وفؤاد السنيورة، رئيس وزراء لبنان الأسبق، ومايكل فرندو، رئيس برلمان مالطا، وحامد برهان، رئيس برلمان جمهورية القمر المتحدة، وسفين الكلاچ، وزير خارجية البوسنة والهرسك، وجيوفاني بيتيلا، النائب الأول لرئيس البرلمان الأوروبي، وعمار الحكيم، رئيس المجلس الأعلى الإسلامي العراقي.

وفي كلمته ذكر البابطين أن مؤسسته الخيرية قصدت أن تجمع في هذا الملتقى بين الشعر والحوار لتكوّن من هذين الجذرين شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها فى السماء، وقصدت أن يرقى الحوار بالشعر إلى ملامسة الهم الإنساني العام، وأن يسند الشعرُ الحوارَ ليصبح ثقافةً يتبناها الجميع.

كما أكد على أن الشعر والحوار في أرفع تجلياتهما هما من نبع واحد، فالشعر العظيم هو انطلاقة للروح من قيودها، وانعتاق من تضاريس الواقع الخانقة إلى آفاق لا نهائية، حيث يمتزج الحلم بواقع جديد أكثر إشراقاً وشفافية، كما ينطلق منهج الحوار بالناس من الخنادق التي حفرت لهم، والكهوف التى حشروا فيها إلى الفضاء الإنساني الرحب، حيث السلام والأمن والاحترام للجميع، والشعر الخالد تهذيبٌ للنفس وترقيةٌ للذوق لكي يصبحَ الإنسان في رهافةِ الوردة، وفي صفاء الضوء. كما أن الحوارَ ينزع من الإنسان أنيابَ أنانيتهِ وأظافرَ حقده.

ويوزع البابطين وقته فيما بين الاعتناء بضيوفه من المبدعين وكبار الساسة، ومراقبة ما يدور في الجلسات الفكرية، والأمسيات الشعرية لكي يخرج في النهاية بتوصيات هذا الملتقى، ويحدد بوصلة الطريق الذي يسلكه في دوراته المقبلة.

عبدالمنعم سالم يتوسط شاعرين من الشعراء الأجانب المشاركين بالملتقى

ولأن صداقة قديمة تربطني بالكاتب المسرحي عبدالعزيز السريع، الأمين العام لهذه المؤسسة، فقد اطلعني، ونحن نتأهب لمغادرة دبي، على النية في عقد الدورة الرابعة عشرة في النصف الثاني من عام 2013 فى كوبنهاجن تحت عنوان "أن نَعرِف وأن نُعرَف"، في إشارة غير خافية إلى مد جسور الحوار العقلاني مع الآخر في الدنمارك التي شهدت واقعة نشر رسوم مسيئة إلى رسول الإسلام، وستدور جلسات هذه الدورة وأوراقها البحثية حول هذه الأفكار: دور إسكندنافية في ثقافة السلام، ودور الإعلام في تأجيج الصراع، وإشاعة ثقافة التسامح، والتواصل الثقافي بين العرب والعالم.. ابن فضلان ونيبور أنموذجاً، والهجرة والترجمة وجسور التواصل الحضاري والثقافي.

ولأن الترجمة، من العربية وإليها، تلعب دوراً خطيراً في انجاح هذا الملتقى، الذي يضم عدداً كبيراً من المبدعين والمفكرين الأجانب، فقد لفتني هذا المستوى الرفيع الذي جاءت عليه الترجمة العربية للقصائد المكتوبة بالإنجليزية، فقد نجح الشاعر السكندري عبدالمنعم سالم في نفي مقولة إن الترجمة خيانة للنص الأصلي، عندما أخضع موهبته الشعرية، وعشقه للإنجليزية لإنتاج ترجمات عربية تحمل روح الشعر في لغته الأصلية.

ومما لفتني أيضاً قيام شاعرنا رفعت سلام، الذي أمتعني بترجمته وتقديمه للأعمال الكاملة لـ "بودلير"، بإعداد سفر بعنوان "أنا – الآخر"، ضم مختارات مترجمة إلى العربية من قصائد: ريتسوس، بوشكين، طاغور، لوركا، رامبو، كفافيس، ليرمونتوف، وغيرهم من شعراء العالم الذين ينشدون حرية الأوطان والكف عن الغي، والظلم، وقهر البشر، إيماناً منهم بقدرة الشعر على نشر ثقافة التعايش الجميل بين البشر.

بقى أن أقول إن الصديق عبدالكريم البابطين كاد يطير من شدة الفرح بميلاد شاعرة شابة جديدة بهرت الحضور بمجرد أن قرأت أولى قصائدها.. وهي دلال البارود، وقد طلبت منه أن تتعهدها مؤسسة البابطين حتى يعرفها عشاق الشعر في كل مكان.

mostafa4100500@hotmail.com