في رام الله: تذكرة باهظة الثمن لمسافة قصيرة

سردا (الضفة الغربية) - من هشام عبدالله
ينتظرون اشارة من الجندي الإسرائيلي، حسب المزاج

تغلق سيارات الجيب الطريق ويترجل الجنود الاسرائيليون ويمنعون الحركة. يتكاثر الحشد وشمس الظهيرة الحارقة تلفح الجباه التي تتصبب عرقا وتتدافع الايدي والارجل، كل ينافس على اشارة من اصبع العسكري المدجج، هي تذكرة للتحرك والانتقال.
هنا عند احدى البوابات الشمالية لمدينة رام الله يخوض الفلسطينيون المحاصرون في بلداتهم وقراهم تجربة الانتقال والسفر عندما ياذن الجيش الاسرائيلي برفع حظر التجول عن المدينة المحتلة لساعات.
لكن الاذن لا يعني علي اي حال امكانية الوصول الى المدينة المركز الرئيسي لاكثر من مئتي الف شخص، بل ان الاحتمال الاكبر هو ان تقضي ساعات طويلة "مشبعة بالاهانة" محاولا عبور بضع مئات من الامتار.
ويقول عقاب عبد القادر (43 عاما) وهو موظف حكومي يقيم في قرية سردا التي تبعد نحو اربعة كيلومترات الى الشمال من رام الله "لا اريد ام امر بهذه التجربة مرة اخرى ابدا سأعمل من البيت".
واضاف عبد القادر الذي امضي اكثر من ساعتين في الانتظار بين الحشد "انها جرعات من الذل والاهانة وليس من سبب اخر لهذا الاجراء العنصري. انهم (الجنود الاسرائيليون) يتلذذون في ممارسة ساديتهم علينا" ولا تبدو اجراءات الجنود امنية على الاطلاق، اذ تبدأ العملية بقطع الطريق امام المسافرين مشيا على الاقدام والمغلقة اساسا امام حركة المركبات ويطلبون من الجميع التوقف يتخلل ذلك اطلاق قنابل غاز واخرى صوتية وحتى اطلاق نار.
وبعد ذلك يصدر العسكريون الاسرائيليون اوامرهم الى الحشد بالانتظام في صفوف على عرض الطريق تجمع المئات رافعين بطاقات هويتهم الشخصية قبل ان يبدأ احد الجنود باعطاء اشارات باصبعه لاثنين او ثلاثة افراد ايذانا بالتقدم.
ثم يأتي تدقيق سريع في البطاقة الشخصية من قبل جندي آخر واخيرا السماح بالمرور.
وكل هذا يتم اذا حالف المسافر الحظ اذ يمكن ان يكون الامر اكثر خطورة ويحتمل مغامرة غير محسوبة العواقب نظرا لوجود طريقة اخرى يتبعها الجنود الاسرائيليون في منع الفلسطينيين من الحركة.
وتتلخص هذه الطريقة في خروج الجنود بسياراتهم الى حيث تقطع الكتل الاسمنتية والخنادق واكوام التراب والحجارة الطريق بدون ان يترجلوا لفترة من الوقت تسمح بازدياد حركة المارة وعدد المركبات على جانبي الطريق المقطوع.
وتبدأ المطاردة: يطلق جندي قنبلة صوتية او قنبلة غاز مسيل للدموع فيتراكض الجمع من مشاة ومركبات وتكتظ الطريق حتى لا يعود الحشد المنهك قادرا على الحركة فيأخذ الجنود باطلاق النار.
وتلي ذلك استراحة تدب الحركة بعدها من جديد ويعيد الجنود والمسافرون الكرة..
ويمكن لمثل هذه العملية ان تمتد ساعة او ساعتين واكثر وان تسفر عن اصابات بالرصاص. وقد ادت هذه العميلة الى وفاة شخص واحد عل الاقل عند حاجز سردا الى جانب حالة اغماء واصابات بكدمات وجروح.
ويروي احمد داود (41 عاما) رحلته من رام الله عائدا الى سردا حيث اغلقت سيارة الجيب الاسرائيلية الطريق تحت تهديد السلاح.
وقال داود "توقفنا على بعد نحو 150 مترا من المركبة العسكرية ثم راحت تتقدم نحونا عندما اخذ الجنود من داخلها بضرب النساء باعقاب البنادق واجبرونا على التراجع باتجاه رام الله وبقينا عالقين اكثر من ساعة".
واضاف "لم ينته الامر عند هذا الحد وعندما غادرت الدورية العسكرية سارعنا وقد ناهز عددنا الالف لاغتنام الفرصة لنفاجأ بدبابات تغلق مدخل قرية سردا وتطاردنا باطلاق النار فهربنا نحو الطريق الجبلية المحاذية لنقضي نهارنا في محاولة الوصول الى منازلنا".
واكد صاحب بقالة عند مدخل القرية ان الجنود الاسرائيليين اجبروه على تقديم زجاجات مياه معدنية لجميع المسافرين الذين اكتظت بهم الطريق لانه سمح بايواء "فتيات هاربات من النيران الاسرائيلية".
ورفض متحدث باسم الجيش الاسرائيلي الرد على استفسارات صحافيين حول تصرفات جنوده على الحواجز.
وقالت حنان عشرواي العضو في المجلس التشريعي الفلسطيني ان "سياسة الاحتلال الاسرائيلي هي اهانة الشعب الفلسطيني واستفزازه". واضافت "واضح جدا ان الهدف سياسي وليس له علاقة بالامن وانما بعقلية عنصرية ناجمة عن عقود من الاحتلال".
ومنذ اندلاع الانتفاضة قبل عامين ضاعفت اسرائيل اعداد الحواجز العسكرية التي باتت تقطع جميع الطرق والممرات الرئيسية والفرعية في انحاء الضفة الغربية وقطاع غزة.
وتقضي سياسة رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون "بشل حركة المقاتلين الفلسطينيين بدون الالتفات الى المعاناة الناجمة عنها"، حسبما يؤكد خبراء اسرائيليون.