في ذكرى رحيله: حين صرخ أحد القساوسة بحرق موليير حيا!

ثلاثون عاما قضاها ممثلا ومخرجا ومعدا

عندما كان ينظر للمرة الأخيرة للقاعة الملحقة بقصر اللوفر حيث ستعرض فيها مسرحيته "مريض بالوهم" شعر أعضاء فرقته من غياب روح الفكاهة والمداعبة لهم على غير عادته، وأثار انتباههم كذلك الشحوب الواضح على وجهه والذي لا يحتاج إلى مكياج كثير كي يظهر للمتفرج بدور المريض!

بدأ العرض ومجاهده كبيرة في أن يبقى متماسكا، لكن محاولاته تذهب عبثا فقد انهارت قوته وسقط مغشيا عليه وسط ضحكات الجمهور الذي كان يعتقد أنها جزء من مشاهد المسرحية.

عندما حمل إلى داره ساءت حالته وتدفق الدم غزيرا من فمه بعد انفجار شرايين رئته ورفض طلبا "ملحا" من خادمخ أن يجلب له طبيبا ليعالجه.

وأصر على إحضار القس من كنيسة "سانت اوستاش" المجاورة، لكن من سخريات القدر إن ترفض تلك الكنيسة إرسال القس، فاليوم عاصف والشخص مهرج وآثم في نظرهم، فهم حانقون عليه بسبب مسرحيته "طرطوف" التي هاجم فيها الأدعياء من رجال الدين المنافقين، والذي حدا بأحد القساوسة بأن يصرخ مناديا بحرق مولير حيا.

ذهب أخ زوجته إلى كنيسة أخرى وأحضر معه قسيسا، لكن بعد فوات الأوان فقد فاضت روحه إلى بارئها. وعندما حانت مراسيم دفنه رفضت الكنيسة دفنه في مقابر المسيحيين، لكن تدخل الملك لويس الرابع عشر واتصاله بكبير أساقفة باريس اشترطت إن تكون المراسيم تنحصر بحضور أربعة قساوسة فقط، وأن لا يقام احتفال ديني له!

تم التقييد بتعليمات الكنيسة لكن تم الإخلال بأحد الشروط حين خرجت باريس كلها لتودع فنانها العظيم الى مثواه الأخير.

موليير الذي ولد في عام 1622 وتوفي في 17 فبراير/شباط 1673 والذي يعتبر أبو الكوميديا, صور عادات عصره بملابس شخصياته التي تخفي تحتها الإنسان في كل العصور، فهو لم يدرس المسرح أكاديميا، لكنه كان يتمتع بموهبة كبيرة في تحليل الشخصيات الإنسانية، وتصدى بفنه وبشجاعة للعيوب والرذائل والقيم البالية وانتقد ما أفرزته الصالونات الأدبية من ظاهرة الحذلقة.

ولم يتردد في نقد التدين الزائف في مسرحية "طرطوف" أو يهتم لغضب الكنيسة عليه عندما اعتبرته قد تجاوز الخطوط الحمر التي لا أحد يجرؤ على تجاوزها، فالكنيسة نجحت في منع تقديمها للمسرح عدة مرات، لكن موليير لم يستسلم فيقدم الالتماس تلو الالتماس إلى الملك لويس الرابع عشر من أجل السماح بعرضها، وينجح ويعيد تقديمها للجمهور مرة أخرى.

ثلاثون عاما قضاها ممثلا ومخرجا ومعدا لأعمال زادت على الأربعين، تقف في مقدمة مسرحياته الخالدة (البخيل – مدرسة النساء – مريض بالوهم – النساء العالمات - عدو البشر- طرطوف— الأزواج الخائنون).

كان موليير واضحا في رؤيته للمأساة الكبيرة في الحياة البشرية من خلال الالتقاط الواعي لأحاسيس الناس ومشاعرهم، كان يريد إسعادهم وإضحاكهم وهو يخفي عنهم تعاسته وحزنه وهي أعلي درجات الانتصار على الألم واليأس.

ماذا لو عاد موليير للحياة وزارنا وشاهد وضعنا البائس المضحك والمبكي!

من المؤكد انه سيمزق مسرحياته ويبدأ يكتب من جديد.