في خلفيّات الموقف الروسي من سوريا

روسيا التي أضحت طرفا في الصراع المحتدم في سوريا، تحاول الاحتفاظ بصفة الوسيط النزيه، لعلّ هذه المعضلة التي تلقي بظلالٍ من الشكّ على مرتكزات الخطاب الروسي؛ لأن روسيا لا تختلف، جوهريا، من حيث الانصياع إلى مصالحها القومية، عن أميركا، هذا الانصياع الذي يتجلّى في أزمات دولية راهنة، كما في دعمها لطلبان أفغانستان، بدافع الوقوف أمام داعش هناك. علما بأن حركة طالبان لا تختلف، من حيث الجوهر، في منطلقاتها الفكرية، وفي أهدافها النهائية، عن حركاتٍ إسلامية وجماعات عُنْفيَّة في سوريا، لا تنفكّ موسكو تُشَيْطِنها، ونصنِّفها في الجماعات الإرهابية، فضلا عن كون ذلك الدعم لطالبان تدخُّلا في شؤون دولة أخرى، وهو ضد "حكومة منتخبة" وينذر بتأجيج الصراع، وكأنه شكلٌ من أشكال الردّ على التوظيف الأميركي للمجاهدين الأفغان، إبّان التدخُّل السوفيتي (1979-1989) فمِن الواضح أن الدوافع المصلحية غير القِيَميَّة هي المتحكِّمة هنا، كما في سوابق أخرى.

وحتى في الموضوع السوري صدرت عن موسكو تصريحاتٌ عدّة، بأنّ منطلقها في الرؤية والنظر إلى مصير الأسد مرتبطٌ بمصالحها القومية، ولكنها شأن الدول الأخرى تحاول أن لا تَحْرِم سياستَها النفعية من غطاء إنساني أخلاقي تمسُّ الحاجةُ إليه في المحافل الدولية، كما الأمم المتحدة، حيث يطفو الجدل الأخلاقي؛ لكسب ما أمكن من الرأي العام الدولي.

ولعلّ مفهوم السيادة هو أبرز مرتكزات الخطاب الروسي، إذ استنكرت موسكو الضربات الأميركية بصواريخ توماهوك على قاعدة الشعيرات، واصفة إيَّاها بالانتهاك الصارخ للقانون الدولي، ولسيادة دولة مستقلة.

ويثور هنا جدل حامٍ لم يُحسَم حول حدود سيادة الدولة على أراضيها وشعبها، إذا كانت تسيء، بشكل منهجي، إلى حقوق الإنسان الخاصة بمواطنيها؛ فهل يبقى القانون الدولي يُحرِّم التدخُّل في شؤون دولة ما داخليا، مهما فعل نظامُها السياسي؟ وفي حالة الأسد، مهما ارتكب من انتهاكات (كما مجزرة الكيماوي في خان شيخون الأخيرة) تُخِلّ جذريا بمعنى وجوده كنظام سياسي مسؤول ومؤتمن على هذا الشعب الذي من المفترض (وهنا مسألة مهمة في مستلزمات استحقاقه السيادة) أنه ممثل لذاك الشعب، وساعٍ بإخلاص لتحقيق حقوق الشعب من الحماية والعدالة، ولو في حدودها الدنيا.

وعمليا، ودوليا، جرى تجاوز هذا الخط "السيادي"، ففي عام 1999، شنَّ حلف الأطلسي (الناتو) حملة قصف جوي استمرّت 11 أسبوعا على يوغسلافيا، استهدفت طرد القوات الصربية من كوسوفو. وهي أول مرة يستخدم فيها الحلف القوة المسلحة ضد دولة مستقلة ذات سيادة، ودون تخويل من الأمم المتحدة.

كما جرى تجاوز هذا الخط "السيادي" في ليبيا، بغطاء من القرار الأممي رقم 1973 الذي قضى بفرض حظر جوي فوق ليبيا، وبشنِّ هجمات ضد قوَّات القذافي الجوية؛ لمنعها من التحليق في الأجواء الليبية؛ حمايةً للمدنيِّين الذي أصبح خطر الأخير عليهم وشيكا، إبَّان ثورة 17 فبراير 2011 التي أفضت بتلك الخطوة الحاسمة من الناتو، إلى إسقاط حكمه.

ولكن تعقُّد الوضع في سوريا، وتغليب المصالح المرجوَّة، والمخاطر المحتملة؛ دون أن ترتضي واشنطن- وهي القوة الأكثر نفوذا دوليا- وفي الناتو، بديلا عن نظام الأسد، يحُول، حتى الآن، دون تكرار تلك السوابق التي تقدِّم اعتباراتٍ أخرى على "السيادة".

وتعلن موسكو أن مصير سوريا "يجب أن يحدِّده السوريون" من خلال المفاوضات السياسية الجارية في جنيف وآستانة. وكيف يمكن معرفة رأي الشعب السوري، وهو يتعرَّض للقتل اليومي بأنواع الأسلحة المحرَّمة، ويُزجّ أبناؤه في المعتقلات بالألوف، ويُهَجَّر بالملايين (؟!) كيف يمكن للأسد، أو لموسكو أن توفر بيئة مناسبة لمعرفة رأي الشعب السوري، وهي تشنُّ حربا لا ترحم عليه، دون تفريق بين مدنيٍّ ومقاتل (؟!) وهي في الوقت عينه تقف وصيةً عليه، تحدِّد من يمثله، ومن يُقصَى عن تمثيله (؟!)

وتُبْرِز موسكو في خطابها الخشية من تدمير الدولة، إذ حذَّر فلاديمير سافرونكوف المندوب الروسي في الأمم المتحدة، من أخطار تغيير النظام في سوريا، داعيا الدول الغربية إلى "النظر لما يجري في بقية دول المنطقة، حيث لا يمكننا التوصُّل إلى الاتفاق على صياغة دستور على الورق، فكيف بتدمير مؤسسات دولة قائمة في سوريا، وهي أهمّ دولة في المنطقة"، علما بأن هذه الحالة المضطربة معروفة تاريخيا في مثل هذه الحالات الانتقالية الكبيرة، وإنْ كانت التدخُّلات والصراعات الدولية تسهم، على نحو فاعل، في إطالة أمد هذه المرحلة وزيادة كُلَفِها.

ولا أحد ينبغي أن يقبل بتدمير سوريا، مع أنه الحاصل، منذ أن تفاقم الصراع، واستبدّ النظام بكل ما يملك، وما لا يملك؛ من أجل بقائه هو، فهل أصبح نظام الأسد هو سوريا؟ في استعادة عجيبة لمقولة:"الأسد أو نحرق البلد" (!) هل تدمير الإنسان السوري ومدنه ومقدَّراته، وحتى سيادة بلده التي أضحت نهبا لروسيا، والتي يُفاجَأ رئيسُها باستدعائه، في بلده، إلى الاجتماع بوزير الدفاع الروسي كطالب مهذَّب، هل كل ذلك يحول دون تدمير سوريا (؟!) وهل روسيا التي تعيد تموضعها على المياه الدافئة، وفق معاهدات طويلة الأمد، وعالية السقف، هدفُها الأول هو عدم تدمير سوريا؟ ماذا بقي من الدولة إلا شبه دولة، أو دولة فاشلة؟

ومن المرتكزات الروسية نقطةُ التقاطع بين أميركا وروسيا، وهي الحرب على الإرهاب، وإن كان هذا التقاطع لا يمنع استخدام كلٍّ منهما هذه الذريعة لمآربه الخاصة، وهي النقطة التي تحاول روسيا البناء عليه، لتعميق دورها في هذا الملف السوري البالغ الأهمية، على حساب محاولات أوروبية للتأثير، كما ظهر ذلك في كلام المندوب الروسي، صراحةً، بأن بريطانيا وفرنسا "تسعيان إلى تقويض أيّ تقارب روسي- أميركي" من خلال التصعيد ضد روسيا، "ودعم المجموعات الإرهابية". ولعلَّ هذه المسألة هي مربط الفرس في السياسة الروسية: توسيع نفوذها دوليا، ولا سيما في المنطقة العربية، وفرض نفسها لاعبا مناظرا لأميركا.

وعربيا لا تزال روسيا؛ بحكم كونها وريثة الاتحاد السوفيتي الذي كان يُعَدُّ نصيرا للقضايا العربية، وفي مقدمتها فلسطين، في وجه الولايات المتحدة التي كانت، ولا تزال تعلن انحيازها المطلق لإسرائيل، لا تزال روسيا تحظى بقبول عند شرائح من العرب، لا يعترفون بالفروق الكبيرة بين الاتحاد السوفيتي وروسيا، من حيث القدرة، ومن حيث التوجُّهات، مع أن الاتحاد السوفيتي كان يحظى بتلك المكانة بالقياس النسبي، وإلا فإنه أول دولة اعترفت بإسرائيل، حتى قبل الولايات المتحدة. كما أن روسيا أول دولة تعترف بأجزاءٍ من القدس عاصمةً لإسرائيل.

مع أن الحقيقة التي لا مناص منها أنَّ القبول بالبقاء في ملعب الرهانات والمقايضات الدولية هو انتحارٌ سياسي، وهو يكرِّس الشعور بالعجز والتبعيَّة، مقابل عدم الاستلاب الكامل. إلى درجة أنَّ بعض العرب يدافعون عن روسيا وطُهوريَّتِها، ويتجاهلون أطماعَها ومواقفها المُنسِّقة في سوريا مع إسرائيل- نتنياهو، فيرفعونها إلى مكانة لم تدَّعيها، يحشرونها في أفقهم الخاص، ويداعبون أحلاما أخفقوا في تحقيقها، ذاتيا.