في خلفية النزاع الروسي- الإيراني المستجد

بقلم: علي حسين باكير

شهدت العلاقات الإيرانية-الروسية على خلفية الأزمة النووية توترا غير مسبوق بين البلدين، مع توجيه الرئيس الإيراني احمدي نجاد في 26/5/2010 انتقادا علنيا عنيفا وقاسيا للرئيس الروسي واصفا موقف موسكو من الموافقة على مشروع العقوبات بأنه "إذعان لضغوط أميركية".
ردّت موسكو خلال ساعات فقط بموقف يعكس الغضب المتأجج، وببيان شديد اللهجة عبر سيرغي بريخودكو كبير مستشاري السياسة الخارجية في الكرملين وأبرز مستشاري الرئيس ميدفيديف تضمّن توبيخا لأحمدي نجاد ومطالبة بالتخلي عن "الديماغوجية السياسية".
ولعل مكمن الغضب الروسي يعود إلى أنّ النظام الإيراني لم يقدّر لموسكو ما فعلته خلال السنوات الماضية. لقد دعمت القيادة الروسية النظام الإيراني، وكانت أول من هنّأ أحمدي نجاد بإعادة انتخابه مجددا، ودعمه في الساحة الدولية وفي مجلس الأمن ووفروا له الغطاء المطلوب دوما لتجنّب المزيد من العقوبات القاسية من خلال تمييعها.
لم تستطع القيادة الإيرانية خلال المرحلة السابقة قراءة المؤشرات السلبية التصاعدية لموقف روسيا والصين تجاه الكيفية التي تتعامل بها طهران مع هذه الدول في الملف النووي. فتصاعد التوتر في اللهجة بين روسيا وإيران لم يأت من فراغ، وإنما جاء استجابة لتراكم المسببات الدافعة باتجاه هذا التصاعد في اللهجة الحادة بين البلدين.
إذ لم يستمع النظام الإيراني إلى النصائح الروسية الصادقة، وبدلا من ذلك حاول استغلال الموقف الروسي والصيني كورقة للذهاب بعيدا في التشدد والمماطلة وتضييع الوقت، وهو ما أشار إليه بيان بريخودكو الذي قال: "روسيا لا تقبل أي سلوك غير متوقع وأي تطرف سياسي وغياب للشفافية أو التضارب لدى اتخاذ قرارات تهمّ المجتمع الدولي بكامله وتثير قلقه… سيكون من الأفضل أن يتذكّر ذلك، من يتحدثون الآن باسم الشعب الإيراني الصديق والحكيم".
كما حاول النظام الإيراني ابتزاز روسيا عندما شعر أنّها تتّجه إلى عقد مساومات مع الغرب، من خلال استثمار شعار "الموت لروسيا" الذي انتشر فجأة في الشارع الإيراني بالتوازي مع حديث نجاد عن ضرورة تجنب أن تصبح روسيا عدوا تاريخيا لإيران وللشعب الإيراني. معطيات الموقف الروسي بدأ الخلاف الثنائي بين البلدين بالظهور إلى السطح خلال الأشهر القليلة الماضية، منذ أيلول/سبتمبر 2009 تحديدا. حيث أرسلت روسيا عبر الرئيس ميدفيديف وعبر وزير الخارجية الروسية رسائل صريحة ومباشرة لإيران عن إمكانية الموافقة على عقوبات إذا لم يتم تدارك الأمر والتوصل إلى اتفاق بين الدول الكبرى وطهران بعد العروض العديدة التي تمّ تقديمها.
في تشرين ثاني/نوفمبر 2009، أيدت روسيا قرارا للوكالة الدولية للطاقة الذرية يدين إيران. وفي منتصف آذار/مارس 2010 عبّر وزير الخارجية الروسية عن "خيبة الأمل من السلوك الإيراني مؤكدا على ما قاله الرئيس الروسي من أنّ "العقوبات نادرا ما تنجح لكن في بعض الأوقات قد يصعب تفاديها"، كما أسف ميدفيديف في نيسان/أبريل لعدم تعاون إيران مع المقترحات البناءة بخصوص برنامجها النووي.
لم تول القيادة الإيرانية هذه المؤشرات أي أهمية، فأحرقت ورقة روسيا مرّات عديدة، ووجهت إلى السياسة الخارجية الروسية والى مصداقية التحركات الروسية صفعة على صعيد معالجة الأزمة النووية الإيرانية. ومن الخطوات التي وضعت موسكو في موقف ضعيف على سبيل المثال:

- الكشف عن "منشأة قم" السريّة، الأمر الذي قوّض من حجج روسيا في الدفاع عن إيران. لسنوات عديدة كانت وجهة النظر الروسية تعتبر أنّ إيران تعمل ضمن الحدود التي تجيزها المنظمة الدولية للطاقة الذرية، وأن العمل الإيراني في المنشآت النووية يتم بشفافية وهو ما يناقض القول بإمكانية وجود برنامج سري في ظل عدم وجود أي دلائل أو براهين تشير إلى خلاف ذلك، وبالتالي فليس هناك من سبب يدعو إلى التخوّف من برنامج إيران النووي. لكنّ الكشف عن هذه المنشاة بالطريقة والتوقيت الذي تمّ به جعل روسيا تبدو في موقف المغفّل والساذج الذي تمّ التلاعب به، وهو ما دفعها إلى القول "إن المنشأة تمثل انتهاكاً لقرارات مجلس الأمن" وإنها "مبعث قلق خطير".
- صفعة أخرى وجّهت إلى روسيا، عندما رفضت طهران مسودة الاتفاق الأولي أواخر 2009 بين القوى الكبرى والوكالة الدولية للطاقة الذرية من جهة وإيران من جهة أخرى، والتي نصت على أن يتم إرسال اليورانيوم الإيراني المنخفض التخصيب إلى روسيا لرفع درجة تخصيبه أولا ومن ثم إلى فرنسا لتحويله إلى قضبان وقود. فعندما تمّ إرسال هذه المسودة من فيينا إلى طهران تعرّضت لهجوم شرس من معسكر المتشددين في النظام الإيراني. ثم تفاجأت روسيا بأنّ طهران توصلت فيما بعد لاتفاق مشابه مع تركيا والبرازيل. وهو ما أثار حفيظة موسكو على اعتبار أنّه إذا كان الاتفاق ممكنا، فلماذا تمّ رفضه عندما كان المقترح برعاية موسكو؟ لقد كان ذلك بمثابة رسالة سلبية أصابت عامل الثقة الروسي في الصميم. النظرة الإيرانية في المقابل بدا وكأن السياسة الإيرانية تجاه روسيا لا تزال حبيسة بداية التسعينيات من القرن الماضي حين كانت موسكو تتسوّل الأموال في وقت كان فيه الاقتصاد الروسي يعاني كثيرا. فقد كانت طهران تستخدم أموالها الطائلة وتسعى إلى إفادة موسكو في صفقات أسلحة ضخمة وعقود اقتصادية وتجارية كبيرة مقابل الحصول على دعمها السياسي والديبلوماسية. وقد صدّق الإيرانيون لوهلة أنّ الروس الآن سيتغاضون عن السلوك الإيراني لأنه لا يوجد بديل لديهم، ولانّ روسيا بحاجة إلى شراكة متينة أمنية وسياسية واقتصادية مع إيران في آسيا الوسطى ومنطقة بحر قزوين وفي الخليج.
ويرى النظام الإيراني أنّه تعرّض لنوع من الخيانة من قبل روسيا، ولعلّ هذا ما يفسّر اللهجة الحادة والنادرة لخطاب نجاد تجاه موسكو. والحقيقة أنّ روسيا كانت تستخدم إيران بقدر ما كانت الأخيرة تستخدم الأولى. لقد دعم الروس الطرف المتشدد في إيران لضمان إضعاف النفوذ الأميركي في الخليج وآسيا الوسطى إلى أقل حد ممكن، كما وللاستفادة من بيع حالة التوتر لبيع الأسلحة إلى مختلف الأطراف. واستفادت روسيا من موقف إيران المتجاهل لقضايا الشعوب الإسلامية في بلدان الاتحاد السوفيتي السابق وفي شمال القوقاز في قمع هذه الشعوب وعزلها. ووظّفت ورقة التشدد في الملف النووي الإيراني لعقد مساومات مع الأميركيين، وقد بدا ذلك واضحا بشكل جلي فيما يتعلق بـ:

- مفاعل بوشهر: ويشير الاتفاق الأساسي بين موسكو وطهران على أن تقوم الأولى بتشغيل مفاعل بوشهر النووي في أيلول من العام 2007. لكن إلى اليوم لم يتم تشغيل هذا المفاعل فعليا، علما انّه تمّ تأجيل عملية تشغيله مرارا وتكرارا وبحجج مختلفة منها التقني واللوجستي والمالي منذ العام 2007، مع وعد من موسكو بتشغيله في شهر اغسطس/آب من هذا العام.
- صفقة النظام الدفاعي S-300: والتي وقعتها موسكو مع طهران في عام 2007، وهي تتضمن بيع نظام دفاع أرض-جو متطور للتصدي للطائرات والصواريخ. لكن روسيا لم تنفذ العقد إلى اليوم. ففي ديسمبر/كانون أول 2008، أعلن نائب رئيس لجنة الشؤون الأمنية والسياسة الخارجية في مجلس الشورى الإيراني (البرلمان) إسماعيل كوثري بدء استلام النظام من موسكو التي نفت ذلك، وتكرر هذا السيناريو مرارا مع تبريرات تربط التأخير في تنفيذ العقد بمصاعب تقنية وتكنولوجية وهو الأمر الذي دفع المشرعين الإيرانيين في 28 فبراير/شباط 2010 إلى ضرورة أن تقوم روسيا بتحديد موعد نهائي للتسليم خاصة بعد تصريح نائب رئيس لجنة الأمن الوطني والسياسة الخارجية في البرلمان الايرانى حسين صبحانينيا الذي أكّد مرور وقت طويل منذ تم توقيع الاتفاق. العامل الأميركي لا شك أنّ للعامل الأميركي في المعادلة الروسية-الإيرانية الحالية أهمية كبرى. فمع استلام أوباما سدّة الرئاسة في الولايات المتّحدة، شهدت العلاقات بين واشنطن وموسكو تحوّلات ايجابية نتيجة لنظرة إدارة اوباما إلى الكيفية التي يجب أن تكون عليها إدارة العلاقات الدولية بما يتناسب مع موقع الولايات المتحدة الحالي في النظام الدولي. وهي نظرة قائمة على ضرورة حل المشاكل الدولية عبر التعاون ما أمكن مع اللاعبين الدوليين الآخرين، وإيجاد أرضية مشتركة للمصالح المتبادلة بما يخلق إطارا للشراكة الإستراتيجية.
فضّلت واشنطن الاستفادة من تفاهمات ثنائية مع روسيا لتخطّي عقبة طهران بدلا من مواجهة الاستحقاقات منفردة، فقامت بالتراجع في 18 سبتمبر/أيلول 2009 عن مشروع نصب الدرع المضادة للصواريخ في أوروبا في خطوة إستراتيجية لصالح كسب موسكو في الملف النووي الإيراني.
ثمّ عزّز اتفاق ستارت 2 الذي تمّ توقيعه في نيسان/أبريل 2010 من عامل الثقة بين البلدين، وقامت وزارة الخارجية الأميركية في 22 مايو/أيار برفع العقوبات المفروضة سابقا على أربع كيانات روسية من بينهم جامعة ديمتري ميدفيديف للتكنولوجيا الكيميائية ومؤسسة موسكو للطيران ومكتب تولا لتصميم المعدات بالإضافة إلى شركة "روزوبورون اكسبورت" الروسية الحكومية لتجارة السلاح.
وتشير بعض الأوساط الروسية في هذا المجال إلى أنّ المساومات الأميركية- الروسية لا تعني تخلي موسكو عن إيران مطلقا. فالمراد هو توظيف قوة التأثير الروسية على إيران لتهذيب الخطاب الإيراني وتحجيمه في وضعه الطبيعي حتى يصار إلى الوصول لاتفاق بينه وبين الجانب الأميركي. وتكون روسيا بذلك في صلب هذا الاتفاق بدلا من أن تحصل صفقة أميركية- إيرانية تؤدي إلى خروج موسكو من المعادلة خاصّة أنّها تدرك السلوك الإيراني الانتهازي الذي يسعى إلى هكذا صفقة.
صحيح أنّه من مصلحة روسيا أيضا وجود إيران قوية وحساسة تجاه النفوذ الأميركي في المنطقة، لكن يجب أن لا نخلط بين ذلك وبين تحول إيران إلى قوّة نووية وهو أمر لا توافق عليه موسكو.
وكما قال سيرغي بريخودكو "إن روسيا تسترشد في موقفها إزاء الملف النووي الإيراني، بمصالحها الوطنية بعيدة الأمد، وموقفنا الروسي يعكس مصالح جميع شعوب روسيا العظمى، ولذلك لا يمكن أن يكون مؤيداً لإيران ولا مؤيداً لأميركا". علي حسين باكير