في حكاية الصراع، لا لم تحسم القضية

ظهر جلياً أن أكثر تبعات الربيع العربي تصب في مصلحة إسرائيل. زالت جيوش ودُمرت دول، كانت ترى فيها إسرائيل خطراً ولو نظريا. تقاربت بلاد كثر في المنطقة مع تل أبيب، بعد أن إفترضت أن أخطاراً أخرى تستعدي التحالف أو حتى التقارب مع إسرائيل. ومع إكتشاف الغاز في شرق المتوسط، هرولت عواصم لإصلاح ذات البين مع إسرائيل في حين بدأت الأخيرة تقرع أبواب أفريقيا وغيرها من المناطق بعد أن انشغل العرب في قضايا رأوها وجودية. صحيح أن إسرائيل سجلت نقاطاً كثيرة في الآونة الأخيرة، ولكن السماء الملبدة بالغيوم، تبشر بمطرٍ قريب قد يفرج عما في القلوب. فظهر طرف بغير علم يخدم القضية، يحمل فكراً، يطارد حلماً، ينشد تغييراً هو نتنياهو بحكومته اليمينية. وفي بحر البحث عن الخيارات، إستلزم تقييم الأوضاع في دولة الإحتلال، فبمراجعة مواقف كتاب ومحللين إسرائيليين وأجانب، وبالحديث مع الكثير من الأصدقاء الأوروبيين والأميركيين، بات واضحاً أن هناك تغيراً غير مسبوق في رؤية العالم نحو إسرائيل، وهي تطورات تستدعي إستغلالها بما يخدم الأهداف الوطنية الفلسطينية.

نتنياهو، وهو ثاني أكثر رؤساء وزراء إسرائيل بقاءً في السلطة بعد بن غوريون، لا يؤمن بواقعية خيار دولة فلسطينية، وكان قد عارض إتفاق أوسلو إيماناً منه بأن هذا الصراع حقيقة دائمة يمكن التعامل معها أو إدارتها، ولكن لا يمكن حلها. وتمثل قيادة نتنياهو الحالية لإسرائيل مرحلة إنتقالية تنهي مرحلة الحرس القديم لبن غوريون مثل رابين وشامير وشارون ووايزمان وحتى يعلون (المستقيل) أو باراك (الذي بدا قريباً من مغادرة المشهد السياسي)، وهي الأسماء التي كان لها بصمات واضحة في التاريخ الإسرائيلي.

صحيح أن نتنياهو تقلد عدة مواقع عسكرية كضابط في وحدة الكوماندو الخاصة (استخبارات القيادة العامة أو ساياريت ميتكال) ووصل لرتبة كابتن، وشارك في عدد من العمليات العسكرية مثل حرب الإستنزاف ومعركة الكرامة في الأردن عام 1968، وعملية الهدية في لبنان في نفس العام، وعملية مطار اللد عام 1972 والتي أصيب فيها بكتفه وكان باراك قائداً لهذه العملية، إلا أنه لم يصل لأي مرتبة عسكرية كبرى كقائد للآركان ولم يحقق جزءاً مما حققه الحرس القديم والذين خاضوا معارك وخدموا وقادوا لسنوات طوال في جيش الإحتلال وهيئة أركانه.

يضاف لذلك غياب نتنياهو المتكرر عن الساحة أفقده كثيراً من المعالم التي تميز بها أولئك من الحرس القديم، بداية أثناء دراسته في معهد MIT بالولايات المتحدة ودراسة الماجستير بعدها، ثم العمل في بوسطن كمستشار إقتصادي حتى عام 1978 حين قُتل شقيقه في عملية عنتيبي في أوغندا وعاد على إثرها لإسرائيل، ثم المغادرة عام 1984 ليعمل ممثلاً لإسرائيل في الأمم المتحدة، وكانت آخر مغادرة له نحو القطاع الخاص عقب خسارته في إنتخابات 1999 أمام بارك حتى عاد مرة جديدة في 2002.

ورغم أن الغياب المتكرر أفقد نتنياهو قدراً من عوامل الصمود أمام المنافسات السياسية، إلا أنه لم يفقده طموحه ليس فقط في قيادة إسرائيل، بل في تغيير معالمها وفقاً لرؤية فشل في تطبيقها حين تولى رئاسة الوزراء كأصغر رئيس وزراء عام 1996. وتتعارض رؤية نتنياهو لإسرائيل مع رؤية بن غوريون اليساري غير الليبرالي وحرسه القديم، الذين يؤمنون بأن يسارية-علمانية إسرائيل أكسبها قبول وصداقة الكثير من القوى حول العالم. وعليه، فلم يعر بن غوريون للدين أهمية كبرى حيث اعتقد بأنه يتعارض مع حداثة الدولة. ومنه، فقد تأثر نتنياهو برؤية بيغن القومي المحافظ والمؤسس الحقيقي لليمين في إسرائيل، الذي إستهل مشواره في الحكومة الإسرائيلية بتحالف مع أحزاب دينية تم تهميشها في السابق، وبناء إستيطاني في الضفة الغربية، وتقديم تنازلات ومن بعدها حوافز ودعم للتعليم للمجموعات الدينية في إسرائيل.

يقول ألوف بين رئيس تحرير صحيفة هآرتس في مقال نشرها بمدورية الفورين أفيرز بأن نتنياهو يطمح لإتمام ثورة بيجين غير المكتملة، ففي مقابلة مع صحيفة هآرتس عام 1996، عبر نتنياهو عن إمتعاضه من محاولات نزع شرعيته من قبل النظام القديم، مضيفاً بأن المشكلة تقبع في أن البنية الفكرية للمجتمع الإسرائيلي غير متوازنة، مشدداً أيضاً على ضرورة خلق مؤسسات جديدة محافظة وإعادة صياغة الثقافة الوطنية في إسرائيل. إذاً، يضحى وصف نتنياهو بالسياسي فقط وصفاً منقوصاً، فهو سياسي يحمل رؤية حيال إسرائيل، بمجتمعها، ومؤسساتها ومستقبلها.

فشل نتنياهو في تحقيق مآربه إبان فترة رئاسته بين 1996-1999، وعاد إلى الواجهة كل من باراك وشارون ومثلت عودتهما إحياء النموذج التقليدي- نموذج بن غوريون في الحكم. وبعد فترة من الإعتزال، عاد نتنياهو يلبس عباءة الإعتدال، فتقلد وزارة المالية في حكومة شارون عام 2003، وبدت الفرصة سانحة لنتنياهو لتحقيق ما فشل في تحقيقه في السابق باستقالة أولمرت عام 2008 على خلفية قضايا الفساد.

تزامنت عودة نتنياهو الجديدة مع عدة ملامح أولها إكتسابه خبرة سياسية كان يفتقدها حين كان يقود الحكومة، فعبر عن قبوله لفكرة دولة فلسطينية شريطة الإعتراف بيهودية إسرائيل، وثانيها ظهور منبر إعلامي جديد – صحيفة إسرائيل هايوم (إسرائيل اليوم) التي أصبحت منصة دعائية لنتيناهو، تمتدح "إنجازاته" وتشن الهجوم على معارضيه، وثالثها تراجع دور اليسار والمعارضة حتى داخل حزب الليكود ورابعها تحول الشارع الإسرائيلي نحو اليمين أكثر خاصة بحلول ما يسمى بالربيع العربي، وهي الأسباب التي أزالت أي سببِ يدعو نتنياهو للتمسك بعباءة الإعتدال والعمل على تحقيق سلام مع الفلسطينيين.

وفقاً لألوف بين، بهذه التطورات أصبحت الظروف مواتية لنتنياهو كي يحقق رؤيته، فبدأ يُظهر الوجه الحقيقي الذي ساهم كثيراً في تدعيم شعبيته في الشارع الإسرائيلي المنحرف يميناً في الأصل. وكما فعل بيغن في السابق، إكتملت تحضيرات نتنياهو بتحالف "أيديولوجي" حكومي مع أحزاب صغيرة تتقاطع أجندتها مع رؤيته في إعادة بناء البنية المجتمعية والمؤسساتية الإسرائيلية، وإكتمل النصاب تماماً بإنضمام ليبرمان لهذا التحالف الذي شكل- وفقاً لمعظم المراقبين الأجانب- أكثر تحالف يميني عرفته إسرائيل.

باتت حكومة نتنياهو مسيطرة على مجريات الأمور، وأضحت الرؤية بتغيير المجتمع والمؤسىسة، من أجل إسرائيل يهودية يمينية محافظة، قابلة للتطبيق. فبدأت الحكومة في تعيينات لمحافظين ومتدينين في جميع مرافق الدولة، وبتركيز شديد على المواقع الحساسة كالوزارات والقضاء والتعليم والجامعات، كما عكفت الحكومة على الترويج لثقافة السيفارديم، وسارعت في تقديم حوافز للمجموعات الدينية التي نُبذت في السابق، وأصدرت قرارات لتغيير المناهج التعليمية لتتجه أكثر نحو التطرف الذي ينشده نتنياهو، وتشجيع الإنتقال والعيش في الضفة الغربية المحتلة، ومهاجمة معسكر السلام وأنصارهم وتصويرهم بأنهم أدوات أجنبية – حيث تهدف جميع هذه السياسات لتدعيم وزيادة شعبية نظام الحكم الديني المحافظ وترسيخ الفكر المحافظ الجديد وحشد التأييد لسياساته المتطرفة.

ولأن نتنياهو ورفقائه يرون في التعددية الثقافية خطراً وجودي، أظهرت الحكومة الإسرائيلية قسوة في التعامل مع المواطنين وأعضاء الكنيست العرب، وشرعت بإلقاء القبض على أي مواطن عربي يعارض سياسة الحكومة خاصة وإن تعلق الأمر بالعمليات العسكرية ضد قطاع غزة، وعكفت على تهديد آخرين بالفصل من أشغالهم إن أظهروا أي تعاطف مع الفلسطينيين على صفحات التواصل الإجتماعي. وبدأت الحكومة بالضغط لتحجيم دور القضاء والكنيست خاصة فيما يتعلق بالأداء التنفيذي للحكومة، وقدمت الحكومة مشاريع قرارات عنصرية جديدة (لم تقر بعد) للكنيست تسمح بفصل أي عضو (عربي بطبيعة الحال) لدعم ما أسمته بالإرهاب أو لرفض يهودية دولة إسرائيل أو التحريض العرقي، وإدانة أية جمعية لحقوق الإنسان تتلقى أكثر من نصف موازنتها من حكومات أجنبية، ووسم المنظمات غير الحكومية اليسارية بـ"عملاء أجانب"، وقرار آخر يضاعف عقوبة حبس من يحرق العلم الإسرائيلي. ليس غريباً أن تبدأ الكثير من المنظمات الحقوقية والمؤسسات الإنسانية في مغادرة إسرائيل أو تجميد عملها كما حدث مؤخراً مع مؤسسة بيتسيليم.

قد تكون تبعات حادثة إعدام الشاب الجريح عبدالفتاح الشريف خير دليل على التحولات المجتمعية في إسرائيل، ففي إستطلاع للرأى الإسرائيلي أيد 68% من الإسرائيليين عملية الإعدام، ورأى 57% أنه لا يجدر محاكمة الجندي القاتل. أما وزير الدفاع السابق يعلون، اليساري في الأصل بيد أنه ألصق لنفسه السمة اليمينية ليصل إلى مطامعه، آمن دوماً بأهمية علمانية دولة إسرائيل وسيادة القانون – وفقاً لألوف بين– الذي وصفه كآخر عناصر الحرس القديم. ولقد واجه يعلون انتقادا حادا في وسائل التواصل الإجتماعي لأنه صمم على التحقيق في حادثة إعدام الشاب الشريف، ومع تأييد نتنياهو لمنتقدي يعلون، أعلن الأخير إستقالته قائلاً: حاربت بكل قوتي التطرف والعنف والتعصب التي تهدد تماسك المجتمع الإسرائيلي.

يقول ألون بن مائير السياسي الإسرائيلي السابق في رسالة كتبها إلى نتنياهو أن التكوين المجتمعي في إسرائيل بدأ في التمزق، وأن إسرائيل تمر اليوم بمنعطف تاريخي، بعد أن أصبحت منبوذة، معزولة دولياً ومحاصرة بالجدران والأسوار، "مذمومة من الأصدقاء وملعونة من الأعداء". وتساءل بن مائير عن المستقبل المجهول لإسرائيل التي بدأت في التفتت تحت قيادة نتنياهو ووزراء وصفهم بالفاسدين المتطرفين الذين لا يتورعون عن إظهار معاداتهم للفلسطينيين ويخنقون حرية التعبير ويسخرون من المؤسسات "الديمقراطية" في إسرائيل.

ويضيف بن مائير بأن جُل ما فعله نتنياهو هو خديعة الشعب الإسرائيلي وإظهار مخاوف أمنية وهمية من أجل إبتلاع المزيد من أراضي الفلسطينيين وتوسيع الإستيطان والتضييق على السكان العرب في إسرائيل. ويشير بن مائير إلى حالة الركود الإقتصادي الكبير وتراجع مستوى الإنتاجية لأقل مستوى بين دول أعضاء منظمة التعاون والتنمية (OECD)، وأن أكثر من مليون و700 ألف إسرائيلي يعيشون في فقر مع إتساع الفجوة بين أغنياء وفقراء إسرائيل، وبالتوازي مع تراجع في الإستثمارات الأجنبية والسياحة وخاصة مع تزايد التأييد لحملات مقاطعة إسرائيل، إضافة لتزايد متسارع في أعداد المهاجرين من إسرائيل.

إذاً، يمكن القول بأن نتنياهو إستطاع أن يحقق الكثير في فترة حكمه هذه. أصبحت العلاقات بين السكان اليهود والعرب في أدنى مستوياتها، وإتسعت الفجوة بين سكان إسرائيل. كما أدى دعم الحكومة المتواصل للتعليم الديني وإغفال العلوم "العلمانية" إلى تراجع واضح في مكانة إسرائيل العلمية مقارنة بما كانت تحققه في السابق. أما دولياً، فنظرة العالم لإسرائيل كدولة "ديمقراطية" علمانية تقدمية إنتهت، وأصبحت كلمة يهودية تسبق ديمقراطية في خطب ومكاتبات مسؤولي الدولة، وخير دليل التشبيه الأخير لزعيم حزب العمال البريطاني إسرائيل بداعش. أما التقارب بين إسرائيل وبعض الدول في المنطقة فما هو إلا توافق حكمته ظروف آنية، يرتبط بمصلحة بعينها وينتهي بتحقيقها.

وعلى الرغم من أن بيان اللجنة الرباعية الأخير أجحف بحق الفلسطينيين، إلا أن الأمر المؤكد هو أن إسرائيل بدأت تبتعد رويداً رويداً عن حلفائها التقليديين، فالدعم السياسي الأميركي أصبح محل شك مع تباين المواقف حيال العديد من القضايا، وعدم تردد إسرائيل في إنتقاد أو حتى إهانة أي مسؤول أميركي يجرؤ على الإختلاف مع سياسات إسرائيل. وهو ذات الحال مع الأوروبيين الذين بدأوا يضيقوا ذرعاً بالتعنت الإسرائيلي خاصة فيما يتعلق بالإستيطان، وأضحت المطالبات الأوروبية بمعاقبة إسرائيل أمراً عادياً، بعد أن قررت وسم بضائع المستوطنات. لم تقف الهوة بين المواقف الأوروبية والإسرائيلية عند حد المستوطنات، فتململت العديد من العواصم الأوروبية من التعنت الإسرائيلي، وبدأت تتشكك في صدق نوايا إسرائيل في السلام، خاصة مع رفضها للمبادرة الفرنسية. أما على مستوى الشارع الغربي بشكل عام، فتشهد إسرائيل تراجعاً في شعبيتها بشكل غير مسبوق، إنعكست وفقاً للعديد من المراقبين على الزخم الكبير لحملات المقاطعة والتزايد المضطرد لحوادث ما يسمى بمعاداة السامية.

إذاً، ورغم صعوبة الأوضاع الداخلية والإقليمية والدولية إلا أن الأمر لا يبدو قاتماً تماماً. هناك تغيرات قد تصب نتائجها في مصلحة القضية، وإن كان هناك ما يجب فعله من قِبل الفلسطينيين فهو إستغلال هذا الصدع في الجدران الإسرائيلي، وعدم الإقدام على أمرٍ قد يحيد مفعول التطورات آنفة الذكر على الساحة الإسرائيلية- محلياً ودولياً.

بين الفينة والأخرى، يظهر بصيص من أمل بنجاح دبلوماسي أو بإعتراف جديد أممي، لكن سرعان ما يخفت هذا البريق ليتسحب الإحباط بإخفاق أو بتراجع دولي. ثم يعود الأمل من جديد، بإختراق أو بتقدم سياسي فريد، فيظن الجميع بأننا بدأنا نسير في الطريق السديد...تخفق الأفئدة فرحاً وتعم الغبطة في القلوب أملاً، وكأنها فرحة أم بطفلها الوليد أو سعادة طفل بهدية يوم العيد....ولكن سفينة السياسة تأتي دوماً من بعيد... محملة بأخبار أغلبها بغيض. نعم، فالواقعية لا تمهل الكثير، ولا تدع للعدالة مكاناً بعد أن جعلت لها من المصلحة أسير، فتعود هذه الآمال لتصطدم بصخرة الواقع المرير، حين تختطف المشهد بإنتكاسة داخل البيت أو بتخاذل شقيق أو صديق. هذه هي الحكاية في فلسطين، أمل فإحباط، خلاف فاتفاق وهذا ما نحن عليه منذ سنين، ولكن حتى وإن ظهر تخبط لدى الأعداء، وأبدى التردد بعض الإخوة أو الأصدقاء، يجب أن نشيد لمستقبل بلدنا البناء، تكون أولى لبناته وحدتنا ووأد الإنقسام... فويل لأمة إستبدلت أيام نضالها الغرّاء تفكك وإنقسام وتشرذم لا يعني إستمراره إلا مزيداً من الشقاء.