في حرب 73: الناس تريد أن تموت بلا ادعاء

بقلم: السيد نجم
أيام لها ذكرى

صدمني المشهد. ليس فقط لأنني محاط بتلك الأجساد المبعثرة بين أرجاء مركز تجميع المجندين الجدد بحلمية الزيتون، ولكن لسبب حقيقي شغلني، ألا وهو السؤال: كيف سيتمكن هؤلاء من تحرير الأرض، ومحاربة الإسرائيليين وجها لوجه؟ ومجابهة كل ما سمعنا عنهم من تقدم تكنولوجي في السلاح وتنظيم في الإمداد والتموين؟
وكان السؤال الذي احتواني: هل هؤلاء البسطاء هم المنوط بهم مهمة تحرير الأرض؟
كانت النكات السياسية والجنسية، وكان التهريج الشبابي، هو السمة الغالبة للحوار فيما بيننا.
يبدو أنني كنت رومانسيا أكثر من الرومانسية، فقد ظننت أنه العبوس والحماسة والاندفاع هي السمة المتوقعة. نكات سياسية أشهر النكات السياسية التي ترددت فيما بيننا، منها "أحدهم يسأل آخر: عرفت نمرة التليفون الجديدة. يرد الآخر: لا. يتابع الأول: 48- 56 – 67... ها ها ها".
وأخرى تقول: كانت مجموعة الضباط الكبار في استقبال الجنود العائدة من سيناء أثناء حرب 67، شد انتباههم أحد الجنود يحمل جوالا ممتلئا بالرمال. فسألوه: ما هذا؟ رد قائلا: لأن عبد الناصر قال إننا لن نتنازل عن حبة رمل من سيناء" وثانية نضحك.
كانت أول تجربة حقيقية لي، فور أن عدت إلى المنزل أن شعرت بألم شديد "مغص كلوي". كانت توصية الطبيب أن أتناول المأكولات المسلوقة، وأن أنال قسطا من الراحة، ثم والأهم، أن أشرب المياه حتى ترجع من فمي من كثرتها.
والحقيقة أنني لم أنفذ منها شيئا واحدا منذ عدت إلى الوحدة في الصباح الباكر وقد تعلقت بالمخلة. القدر الأسود للجندي.
وما أن وصلنا مقر المركز الجديد حتى أمرنا الشاويش سليمان أن تقوم كل مجموعة بحفر حفرة مربعة خمسة أمتار في خمسة أمتار وبعمق متر تحت الأرض الرملية. الطبخة السوداء نفذت مع مجموعتي المهمة، انتهينا من شد الخيمة وتجهيزها، توجهنا إلى المطبخ لاستلام وجبة الغداء "الطبخة السوداء" أو الباذنجان المطبوخ بقشرته.
الشيء الوحيد الذي لم يتم ونسيته: هو أن أتناول الدواء الذي أحمله في جيبي، ولم أنفذ النصائح الطبية كلها.
الطريف أنني نسيت موضوع المغص الكلوي ذاك، ومنذ ذلك اليوم وحتى انقضاء أربع سنوات هي فترة تجنيدي، وإن عاودني في الحياة المدنية فيما بعد.
انتهت فترة الأربعين يوما "الأساس" كما يطلقون عليها. وجاءنا الخبر المفرح، من أجل تطوير القدرات الفردية لأفراد القوات المسلحة، تقرر تحويل كل الجنود الأطباء (غير الأطباء البشريين) المجندين إلى رتبة "رقيب طبي". إذن سوف أصبح "شاويشا".
انقضت الشهور، وعلينا أن نحتفل بانتهاء الفرقة التخصصية. كان تقليدا جديدا على قيادة المركز وأفراده، أن نقدم الدعوة للجميع بالمشاركة في هذا الاحتفال الفقير في كل شئ، كل شئ إلا من المشاعر.
وزعنا أكواب الشاي على القائد وضيوفه مع قطعة الجاتوه الرخيصة، ألقينا بعض الكلمات الحماسية. ثم بدأ الاحتفال الحقيقي بالغناء. لم نكن أعدادنا برنامجا بالمعنى الصحيح. وقفنا معا نحن المجموعة التي تحملت مسئولية تنفيذ الفكرة، لم نجد سوى كلمات الكابتن غزالي وفرقة "ولاد الأرض" كي نتغنى بها: "وعضم ولادنا نلمه، نلمه،
ونعمل منه،
مدافع
وندافع
نكررها ونزيد بل ونضيف في اللحن، ثم نصرخ ونصرخ: "وعضم ولادنا، نلمه ونعمل منه، مدافع وندافع..." لا أكثر غير البكاء. نعم بكينا جميعا حتى قائد مركز تدريب الخدمات الطبية شاركنا البكاء والغناء.
وبدأ توزيعنا على الوحدات بالجبهة، لم نشعر بالحزن كما شعرنا في تلك الأيام. يبدو أن الإحساس بالجماعة هون علينا الكثير.
تسلمني العريف أحمد الصعيدي، أنا ومختلى وزميلنا طبيب الأسنان بطرس ومخلته، وقع على الاستمارة المخصصة بذلك، وخرج بنا إلى أرض الله التي لا نعرفها.
عند بوابة المركز عرفنا أن توزيعنا سيكون إلى مستشفى السويس العسكري القريب من القاهرة، على بعد حوالي أربعين كيلومترا (الروبيكى).
ومن موقع ألماظة علينا اعتلاء أية سيارة ميرى في اتجاه السويس. وقد تكون محملة بالجنود، أو حتى محملة بالطوب والزلط.
ما كان يدهشني، أن نعتلي السيارة في الظلمة، وفجأة يأمرنا بالهبوط لأنه وصل إلى مدخل وحدته، أي جن هذا. فلا أرى بوابة ولا أرى وحدة عسكرية في تلك الرمال المتشابهة. الفيلسوف نوفل أخيرا وصلنا وحدتنا، سرعان ما انضممنا إلى مجموعة خيمة الرقباء الطبيين، محمد نوفل بشعره الأشهب على صغر سنوات عمره مع طوله الفارع وشخصيته الوقورة التي تعكس قدر الثقافة الذي يتحلى بها، فأطلقنا عليه لقب الفيلسوف، مع نقيضه محمد الإمبابي الذي لا يتحلى إلا بالشراهة وحب المطبخ، ثم أندريا صاحب الملامح الفرعونية النحيف إلى حد ملفت، وأخيرا الصامت الذي نسيت اسمه مع الأيام.
تحولت الخيمة إلى مكتبة وندوة مفتوحة، إلا أن الثقافة لم تجمع بيننا كما جمعت العاصفة الهوجاء في الخريف. لنهار كامل قضيناه تحت الخيمة الهندي المنهارة، ولا نملك القدرة على التنفس المخلوط بالرمال ولا بالحركة لشدة الهواء بالخارج وبسبب عامود الخيمة الذي ركب على أجسادنا المحشورة تحت الأسرة.
صبرنا حتى جاءتنا المساعدة الإلهية من مجموعة المعمل، وهم أكثر منا حنكة في أسرار الصحراء وتمرد الطقس على هذه الأرض. فورا بحثوا عنا وبشهامة أخرجونا وأعادوا نصب الخيمة.
ومن جديد "المخلة" قدرنا الأسود، حالا وردت الإشارة بسرعة ترحيلنا في الصباح للالتحاق على قوة المستشفى الجراحي تحت الأرض رقم 5 بموقعها عند الكيلو 105 طريق القاهرة السويس.
وللمرة العاشرة نفترق إلا من بطرس طبيب الأسنان الذي ألحق معي. الجديد أن تقرر عودة المستشفى العسكري إلى مدينة السويس.
في الموقع الجديد اكتشفت أنه يخص أكثر من وحدة بالإضافة إلى المستشفى، معنا الكتيبة الطبية الثانية التي تخدم الفرقة 19، وكذلك أفراد المراكز الطبية المتقدمة، وهى مجموعة أفراد مع سيارة إسعاف بقيادة طبيب ملازم أول للتحرك السريع، واحتلال المناطق المختلفة على ضفة القناة فور إعلان الحرب التي لا تأتي، ولن تأتي كما اعتقدنا. سلاح الكعب العالي لولا تلك الإصابات على الطريق الإسفلتي، وبعض إصابات المناورات العسكرية التي لا تهدأ مع العرض والعمليات الجراحية للجنود بالوحدات القريبة لنسي الأطباء الطب. وهو سر ما أطلقه جنود الجبهة على أفراد "الخدمات الطبية " بلقبهم "سلاح الكعب العالي".
كلام في كلام، هو كل ما يدور بيننا خلال تلك الفترة، ولا إجابة شافية للسؤال الأهم: هل ستندلع الحرب فعلا، هل يمكن أن نعود لرؤية مبارايات الكرة على شاشة التليفزيون؟ تسريح سائقين وعمرة رمضان وجاء خريف 73، وكثرت الإصابات هذه المرة بنسبة أعلى من كل المناورات السابقة.
صدر القرار بمنع الإجازات الميدانية، صدرت الأوامر بالاستعداد للحرب الكيماوية، كثرت الأوامر وتنوعت التفسيرات إلا من إجابة واضحة على السؤال الأبدي: هل ستندلع الحرب فعلا؟
حتى أعلنوا عن تسريح دفعة السائقين (السائق من أهم عناصر القوات المسلحة) ثم الإعلان عن رحلة عمرة رمضان للضباط وأسرهم. فخاب ظن القلة القليلة التي اعتقدت باندلاع الحرب.
أما أن يحضر إلى الوحدة أطباء مدنيون مكلفون للعمل بالقوات المسلحة، من خبراء وزارة الصحة وأطقم هيئات التدريس بكليات الطب. وهو ما لم يحدث من قبل. ثم ما سر بقاء القائد بمكتب اللواء عبد المنعم واصل طوال هذه الأيام من الصباح حتى منتصف الليل، هل هي خطة الفرقة 19 القابلة للتنفيذ في أية لحظة.
تجدد التساؤل من جديد. اكتشفنا أن خلاصة اجتماع قائدنا مع قائد الفرقة، عبارة عن مظروف مغلق لا يفتح إلا بالأمر.
أما وقد جاءت الساعة العاشرة صباح في السادس من أكتوبر/تشرين الأول، فتح المظروف. التعليمات أن ننتشر في أرض الوحدة في وضع الدفاع إلى حين إشعار آخر، تابعنا الإذاعة ولم نسمع جديدا.
وفي لحظة غامضة لا يمكن وصفها استقبلناها ببرود وتشكك كانت الطائرات على شكل أسراب تندفع من اتجاهات مختلفة في اتجاه العمق، عمق سيناء، استر يارب.
الطائرات لم تعد والإذاعة لم تعلن الحرب، وصوت دانات المدافع يأتي صداها بقوة! جاء البيان الأول، ليس أكثر من اشتباك عادى، وغارة عادية، وعملية عسكرية سمعنا عن مثيلتها كثيرا.
مللنا حبست الخنادق والحفر البرميلية التي حفرناها بعدد أفراد الوحدة خلال الشهور القليلة الماضية.
دخلت الدشمة الخاصة بي، أنا الرقيب الطبي المسئول عنها. مهمتي هي الإسعافات الأولية مع تحويل الحالات الحرجة إلى دشمة الجراحة.
مللت أيضا وقفتي في الدشمة، فالراديو لا يضيف جديدا، ولم يصلنا مصاب واحد، يوحد الله كي نعمل ونتأكد أنها الحرب.
في الرابعة بعد الظهر اقتحمت الوحدة سيارة إسعاف، أسرعنا جميعا نحوها، نهرنا القائد بضرورة أن تلتزم كل مجموعة مع رقيبهم بالدشمة الخاصة بهم.
كانت حالة مغص كلوي. أما الحالة التالية فقد كانت سقوط صندوق ذخيرة فوق قدم أحد الجنود، وأيضا لا تعنى أنها الحرب. الرقيب بطرس يعد وجبتي الإفطار والسحور اعتاد زميلنا الرقيب بطرس أن يجمعنا خلال فترة الإفطار والسحور، وأجده سعيدا أن يبدي اهتماما خاصا بإطعامنا على الرغم من أن لكل منا طعامه الخاص.
اعتاد التقابل معنا، فرصة للحديث والتفسير والبحث عن إجابات لأسئلة تتوالد. خصوصا بعد أن أعلن رسميا عن عبور قواتنا وارتفاع العلم المصري على الضفة الشرقية في البيان السابع.
هناك مشاكل مع وحدات الجيش الثالث، بينما نجح الجيش الثاني في العبور، يا خبر أسود، ما السر في ذلك؟
القوات متراصة أمام المواقع المحددة للمعابر ولم تعبر. أية طائرة ترمى حجرا سوف تقتل الآلاف. جاءنا من المصابين العادين، أعنى الإصابات العادية من يخبرنا بأن المهمة ليست سهلة، وأن الدفاع الجوى يقوم بدوره على أكمل وجه، حتى أن العدو كف دفع طائراتهم إلى خط القناة. مضخة مياه تسقط الساتر الترابي ثم علمنا بنجاح أحد الضباط المهندسين الشباب في تنفيذ الفكرة البسيطة جدا في أساسها، باستخدام المدفع "الألماني" (هو مضخة مياه) في إسقاط الساتر الترابي على الضفة الغربية.
بعد ثلاثة أيام من بداية المعارك، ومع اشتراك الدبابات في المعارك، بدأنا نعرف جميعا معنى الحرب وأشكالها. وصلتنا الإصابات الثقيلة ومصابي المعارك كما نراهم في أفلام السينما.
كل العزاء مع تلك الأخبار التي نسمعها من المصابين. الانتصار في جبل المر حيث قيادة المنطقة العسكرية الإسرائيلية، السيطرة على النقط الحصينة الواحدة بعد الأخرى، إلا حصن بور توفيق الذي عسكر على مقربة منه زملاونا في الكتيبة الطبية الثانية، وأخبرونا عن مدفع "أبو جاموس" وعمايله الطائشة معهم ومع غيرهم. حديث حسين الشافعي وكان لحديث حسين الشافعي في خطبة الجمعة والأرقام الذي أعلنها عن عدد الشهداء أثناء العبور، فعل السحر فينا.
ضمن المصابين ذاك المصاب الذي تهشمت عظامه، يرفض الترحيل إلى مستشفيات القاهرة، وكل ما علق به: كيف أترك زملائي في تلك الظروف؟ كأن الحرب عنده ليست أكثر من مشاركة للزملاء في مهمة، وكأنه في معاونة لري الأرض قبل أن يقفلوا المياه عن الترعة.
أما هذا الجندي المحترق من الدرجة الثالثة، ومع كل الألم الذي يعرفه الجميع عن الحروق، طلب منى رعاية زميله، فهو أولى بالرعاية. والاثنان على درجة واحدة.
وهذا الضابط الذي أصيب في رأسه إصابة مباشرة، أخبرني قبل أن يلفظ أنفاسه أنه خطيب ابنة أحد التجار المشهورين بوكالة البلح، وقد عرفته فعلا، طلب مني أن أبلغهم عما حدث. ها أنذا أبلغهم بعد تلك السنوات.
تعددت الإصابات، واستشهد الكثيرون فور وصولهم المستشفى، وصدق الجميع في مقولة يمكن أن أوجزها "الناس في حرب 73 كانت عايزة تموت بلا ادعاء والأجر والثواب عند الله". حساسية بنسلين هل أذكر نادرة حدثت خلال تلك الأيام، والرأي الطبي فيها أنها نادرة قد لا تتكرر أبدا، لكنها حدثت (في اليوم العاشر من بداية المعارك)، يوم أن وصل مصابان، وطلبت من الجندي التومرجى حقنهما بمضاد التيتانوس ثم بالبنسلين المائي، كما الحال مع كل المصابين. تركته يعد الحقن وذهبت إلى العنبر الثاني، داخل الدشمة. ليس أكثر من دقيقتين ورأيت الجندي أمامي يخبرني بالمصيبة، أن المصابين يحتضرا.
أسرعت عائدا إليهما. عرق غزير، البشرة محتقنة إلى حد الزرقة في كليهما، رعشة مجنونة حتى لم يستطيعا شرح ما بهما. ولم أجد تفسيرا سريعا لما أرى، ولا أعرف ماذا أفعل؟
طلبت من الجندي سرعة إرسال الدكتور أحمد الشيخ المكلف من وزارة الصحة، وقد وثقت في خبرته كثيرا، ثم توجهت إلى المنضدة التي أرص عليها الأدوية. ما أن رأيت أمبولات مضاد الحساسية، حتى انتبهت، وقلت لرأسي ربما تكون حساسية بنسلين. لم أتردد وحقنتهما، وشفيا بعد قليل ومع حضور الطبيب الذي سمع مني الموضوع، قال "ربنا بيحبك، حساسية البنسلين حالة في كل مليون بني آدم أو أكثر. أما أن يأتي المصابان وهما حالة حساسية من البنسلين. حالة نادرة فعلا. "، الصحيح أن الله يحبني أنا وليس الجنديين، وإلا لعشت عمري متألما لهما لو كانا أصابهما مكروه.
الطريف أن الاثنين لم يستشهدا في معركة اقتحام دشمة حصينة للعدو، وسيموتان على حقنة بنسلين. قالها أحدهما ساخرا مني ومن ميتته التي لم تجئ. دبابة تمر على كتفه وهكذا بدت الكثير من الحالات غير تقليدية، مثل ذلك الجندي الذي بقي جالسا على السرير (ليس نائما) ويقسم أن الدبابة قد مرت فوق كتفه اليمنى، وهو داخل الحفرة البرميلية. وقد تأكدت لي الواقعة من أحد زملائه، وانتاب الجندي صدمة نفسية شديدة. أحرج خمسة أيام حتى كانت أحرج خمسة أيام في حياتي (بعد الثغرة).
خرجت سيارة المياه لتزويد الوحدة بالمياه، وصلت والمياه تتسرسب من التانك بعد أن أطلق عليها الجنود الإسرائيليون رصاصهم. كما خرجت إحدى سيارات الإسعاف في اتجاه القاهرة لنقل بعض المصابين، سرعان ما عادت وهى محملة بمصابين آخرين من وحدة مجاورة، وشاسيه السيارة مرشوق بالرصاص.
كانت أحداث الثغرة، واحتل الاسرائيليون حتى الكيلو 101 طريق القاهرة – السويس.
خرجنا للاطلاع على الأمر، عرفنا الحقيقة المرة. حصار إسرائيلي للوحدة الطبية (المستشفى الخامس تحت الأرض رقم 5)، وسيطروا على الطريق الإسفلتية الموصلة للوحدة.
لم تعد هناك مياه للشرب ولا لغسل الجروح ولا لأي شيء ألبته، علينا بإسعاف الثمانين مصابا بأقل خسائر ممكنة. لم يعد يصلنا مصاب جديد، ولم يعد يخرج أحد.
هكذا قضينا الأيام، والمصابون تساء حالات البعض منهم بدرجة كبيرة، خصوصا إصابات الحروق، من الممكن أن أترك العنبر لعشر دقائق وأعود لأجد أحدهم يخبرني باستشهاد زميله على السرير. ولا حول ولا قوة إلا بالله. خشب اسكو كل ما أمكننا أن نفعله، أن نسد رمقنا باستخدام زجاجات الجلوكوز 5%، تولى بطرس المهمة بإخلاص. كان يحضر الجلوكوز ويرش اللبن البودرة الذي اكتشفه بعد ضرب مخازن الوحدة ثم يبس فيه البسكويت الذي أطلقنا عليه "خشب اسكو" بدلا من "بسكو مصر". يا له من نعمة سدت الرمق وجعلتنا نتنفس بانتظام لعدة أيام.
كانت أوامر قائد المستشفى، الانتظار حتى يتضح الأمر أكثر. أما وقد انقطع الاتصال بالقيادة الأعلى وبالوحدات المجاورة، وتأكدنا من عدم القدرة على تقديم خدمة طبية. فلا حيلة إلا التحرك السريع عن طريق جبل عتاقة، نحو القاهرة.
الشرط الوحيد، بل المشكلة الوحيدة: كيف سنتصرف مع المصابين؟
انتهى الأمر بإصلاح سيارة نقل عاطلة بالوحدة المجاورة، بالإضافة السيارة الزل التي بوحدتنا مع سيارة الإسعاف التي مازالت قادرة على الحركة. يمكن إذن نقل المصابين الستين إلى السويس وعن طريق جبل عتاقة أيضا.
كان ذلك في ظهيرة اليوم الرابع من الحصار. كل شئ معد للتنفيذ، إلا نقل المصابين إلى السيارات.
بدأنا المهمة، وهى حمل المصابين إلى السيارات. استمرت تلك العملية منذ الثانية عشرة ظهرا حتى الرابعة والنصف. فلا نحن بقادرين على الحمل السريع، ولا المصابون يملكون القدرة. لكننا انتهينا من المهمة على كل حال.
فجأة وعلى غير توقع رأيت طائرتين، أحدهما في تلابيب أخرى تتصارعان في السماء، وقد عبرا أجواء الوحدة على ارتفاع منخفض. أسقطت رأسي، وإذا بالستين مصابا على الأرض!!
نعم، مجهود الساعات الماضية على الأرض.
رفعت الخوذة عن رأسي، وضعتها على الأرض، جلست فوقها، ربما أستطيع التفكير.
لم أجد سوى القائد الذي حضر حالا وأمر الجميع بضرورة تحميل السيارات بالمصابين، على أن يسعى كل فرد بقدر طاقته على معاونة نفسه ومساعدة أفراد الوحدة.
انتهينا في الثامنة مساء. تحركت السيارات ناحية جبل عتاقة، وصنعنا علما من الشاش العريض الأبيض، ورسمنا بالميكروكروم الهلال، لعل الأعداء لا يعتدون عليهم. إن لم يقتلني اليهود فسوف يقتلني المصريون بدأنا مرحلة جديدة إذن: على كل من يرغب في التحرك الآن عليه بالتحرك، ومن لم يرغب عليه الانتظار حتى الفجر. قلت في نفسي إن لم يقتلني اليهود سوف يقتلني المصريون في تلك الظلمة، خصوصا أننا الآن في ليلة بلا قمر. الغالبية فضلت الانتظار حتى الفجر.
منذ تلك اللحظة وحتى الفجر كانت الأحداث غريبة وغامضة، ومرعبة في بعض اللحظات. لن أذكر منها إلا ذلك الموقف الذي يصيبني بالقشعريرة كلما تذكرته ولكنها الحرب أيضا. وللموقف دلالته لكل من ينساه. دفن الشهداء في الظلمة ما أن تجمعنا معا أمام دشمة الجراحة، وقد غلبنا الصمت من الإجهاد وقلة الأكل والنوم، وقلة كل شئ، حتى صاح الدكتور نبيل مسيحه، وكنا نرى أنفسنا أشباحا بلا ملامح، قال: تعالى ياسيد معي. سألته إلى أين؟ ببساطة قال: حتى ندفن الشهداء!!
لم أجد ما أعقب به، لم يحدث أن شاركت في مثل تلك التجربة، وفى الظلمة.. يا خبر أسود.
انتظر الدكتور نبيل طويلا ولم يسمع ردا. لماذا اختارني هذا الصديق، نحن أصدقاء على الرغم من الحياة العسكرية، لأنه من الضباط الاحتياط. لكن ليس معنى هذا أن يقتلني. حقيقة لا أستطيع تنفيذ تلك الفكرة. لا أقدر. لكنني لم أستطع أن أبوح بضعفي علنا هكذا.
انتبه أخونا بطرس طبيب الأسنان، وتقدم أخونا أحمد الجندي غير المؤهلات (يحمل لقب حامل نقالة كتخصص في العمل). قالا معا "نحن معك".
تابعتهما في الظلمة. وقد بدءا تنفيذ العملية، بينما تلبستني القشعريرة من رهبة الموت وليس الخوف منه. فلا الموت مخيف ولا هو مطروح عند الجندي المقاتل، هذه حقيقة وليست نتيجة وديباجة للإنشاء. في الحروب الكل لا يفكر إلا في الحياة، وكيف يحقق هدفه ولا يموت، وليس العكس.
آخر ما تابعته حتى غافلني النوم بعدها. أن سمعت أحمد يلقي بالشهيد في الحفرة معهم ثم يردد "الفاتحة"، بينما أسمع نبيل وبطرس يرددان "أبانا الذي في السماوات". كلمة أخيرة لعلها كلمة أخيرة، قبل تجربة حرب 73 لم أكن أعرف الكثير مما قرأت عن حقيقة معدن الإنسان المصري، وماذا تعنى مقولة إنه يحمل تراث حضارة عمرها سبعة آلاف سنة.
والآن وبعد تلك التجربة عرفت المعنى، المعاني الغامضة كلها.
لذا كان اهتمامي بالدراسات في "أدب الحرب"، وكذلك حول "أدب المقاومة".
وبالفعل نشرت كتاب "الحرب: الفكرة، التجربة، الإبداع" ضمن سلسلة "أدب الحرب" بهيئة الكتاب. كما نشرت كتاب "المقاومة والأدب" عن مديرية ثقافة القاهرة الكبرى التابعة لهيئة قصور الثقافة، وكتاب "المقاومة في الرواية العربية"، و"المقاومة والقص في الأدب الفلسطيني.. الانتفاضة نموذجا" وتحت الطبع الآن كتاب "المقاومة في الأدب العربي" وغيره.
أما عن الإنتاج الإبداعي، فقد نشرت مجموعة قصص قصيرة "أوراق مقاتل قديم" عن هيئة الكتاب، ثم رواية "السمان يهاجر شرقا" عن الهيئة أيضا، ثم قسم كامل من مجموعة قصص "عودة العجوز إلى البحر" بمناسبة مرور 25 سنة على معارك 73. وغيرها بمجموعة "غرفة ضيقة بلا جدران".
أظن أن أدب المقاومة لم يلق الاهتمام الواجب، فليس فيه دعوة للحرب بقدر أنه يكشف لنا عن ذواتنا وذوات الآخر المعتدي، مما يكشف ويجعلنا نفهم، وهو المهم أن نتسلح بالفهم لأنفسنا وللآخر. السيد نجم abnegm@gmail.com