في جنوب العراق، كنوز من الذهب الأسود تحت بيوت فقيرة

حي ليس له من النفط الا اسمه

الكوت (العراق) - ما بين آبار حقليّ الأحدب الصيني وغازبروم الروسي يقع حي النفط، وهو حيٌّ ناءٍ عشوائي بامتياز يفتقر لأبسط مقومات الحياة، لا يعرف من النفط إلا اسمه، فوجوه من يقطنون في هذا الحي تعكس اثر البؤس والعوز والفقر المدقع.

وجوه شاحبة لفحتها حرارة الشمس صيفاً من كل جهة، وزادتها برودة الشتاء قسوة، عراقيون من محافظات شتى تقطعت بهم السُبل، فاضطروا للعيش في هذا الحي العشوائي.

على عتبة حي النفط تتحدث الستينية أم علي وهي قلقة على مستقبل أولادها الأربعة، تقول المرأة التي غزت التجاعيد بشرتها السمراء "جئنا إلى هذا المكان بعد أن هجّرنا في العام 2006، ومثلما تشاهد فالنفط يحيط بنا من كل مكان، لكننا لم نستفد منه سوى الدخان والأمراض، وما يقلقني فعلاً هو أن أموت دون أن أجد مكاناً يحفظ كرامة عائلتي في العيش الكريم". (نقاش)

يختصر حي النفط هذا حكاية عائلات فقيرة أنهكتها الفاقة وأخذت منها الحاجة مأخذاً عظيماً، اذ تنعدم فيه ابسط الخدمات، تجزئه شوارع تقسمها برك لمياه آسنة، يختلف عرضها وطولها من شارع لآخر.

بيوته طينية مسقفة بألواح خشبية قد تطيح بها الأمطار والعواصف في أي وقت، ومن هذه البيوت المهترئة يقتطع الساكنون جزءاً يسيراً ليحولوه إلى مطبخ ومكان للاستحمام.

بمزاج حاد يتساءل عراقي آخر يسكن في حي النفط "حقول النفط ومستودعاته مليئة بالبترول، وتدر أموالاً طائلة، ونحن نعيش الكفاف، فهل يجوز ذلك".

ويضيف "بيوتنا بنُيت بشكل عشوائي، ولا يوجد فيها ما يدل على الحياة، والأمراض تحيط بنا من كل جهة".

ويعيش أكثر من خمسين ألف شخص في حي النفط الذي أنشئ بعد العام 2003، تنحدر أكثريتهم من المحافظات التي شهدت أحداثاً طائفية خلال السنوات الماضية، وسبب تسميته تعود لقربه من حقول النفط، فضلاً عن إمكانية وجود آبار غير مكتشفة لحد الآن تحت منازل سكان الحي.

وبحسب معاون محافظ واسط الحقوقي جاسم الأعرجي فإن سكان الحي يواجهون تحدّيات كثيرة في مختلف المجالات. ويعدّ نقص الخدمات، وشحة فرص العمل وتضاعف نسب البطالة بين السكان، أبرز تلك التحدّيات، خصوصاً بعد الأزمة المالية التي يعيشها العراق حالياً".

يؤكد الاعرجي "لا يمكننا تنفيذ أي مشروع خدمي في هذا الحي لأنه ببساطة حي عشوائي ويقع خارج حدود البلدية".

لعل المآسي المتعددة التي تعصف بالعائلات الفقيرة في العراق توفر تساؤلاً منطقياً تمس الحاجة إليه، لإلقاء الضوء على طبيعة مشكلة هذه العائلات في بلد من البلدان المصدرة للنفط، فالعراق ليس هو البلد الوحيد الذي يعيش تفاوتاً طبقياً، ولكنه البلد الذي يشكو أبناؤه من انعدام العدالة الاجتماعية.

ويتحدث معاون المحافظ عن شحة الخدمات المقدمة للحي، قائلا "لو وزعت الثروات النفطية في البلاد بصورة عادلة على الناس لما عانى سكنة هذا الحي وغيرهم من ظروف معيشية عصيبة".

ويخلص الاعرجي إلى القول "لعله من المضحك المبكي أن تعيش هذه العائلات معاناة حقيقية، والذهب الأسود يتسرب من تحت بيوتها".

وتترامى قصص المعاناة لعائلات تركت قراها ومدنها هرباً من الموت الذي زرعته العصابات الإرهابية في بعض المحافظات العراقية، فعلى الرغم من اختلاف أشكال المعاناة من بيت إلى آخر، إلا أنّها تتشابه في الأسباب والمسببات، فحي النفط يشهد حالة من الاكتظاظ الشديد في البناء بسبب ضيق المساحة، مقارنة بالنمو السكاني المتزايد، ويخلو من أي مرفق خدمي وصحي.

هناك بالقرب من المدافئ المستعملة المركّزة وسط البيوت تجتمع الأُسر طلباً للدفء، خاصة خلال ساعات الليل المتأخرة حيث تزداد درجات البرودة، وفي الصباح تلوذ العائلات بأشعة الشمس طمعاً ببعض الدفء.

يقول سعدون هادي وهو موظف حكومي "مشكلتنا هذه قائمة منذ سنين".

وبحسب سعدون فأن مشكلة سكان هذا الحي لم تقف عند العشوائية وشظف العيش فحسب، فهناك ما هو أكبر منهما، وبهذا الصدد يقول "مشكلتنا الأصعب تكمن في عائدية الأرض التي أنشأنا عليها بيوتنا المتواضعة، فملكيتها تعود للدولة ويمكن للسلطات مطالبتا بإخلالها في أي وقت".

يقول الناشط المدني منير كمر "في كل شتاء ممطر يشهد هذا الحي انهياراً لبعض بيوته التي تغزوها الحشرات، وتحاصرها الأمراض من كل جهة ويموت تحتها بعض الأبرياء". ثم يصمت ويضيف "ليس بعيداً عن حقول آبار النفط تقف حكاية هذا الحي شاهدة على سنيّ الحرمان والقحط، تلمحها في عيون سكّان الحي الذي سمّي باسم النفط، لكنّه لم يحظ بشيء من مغانمه غير الاسم".

ووفقاً لما تقول مديرة قسم الصحة العامة في محافظة واسط سندس عبد الحسين فالحي يصنف من المناطق ذات الخطورة العالية في ما يتعلق بالجانب الصحي بسبب الكثافة السكانية الهائلة وتدني الاهتمام بالجانب الصحي فضلاً عن انعدام البنى التحتية خصوصا ما يتعلق بالصرف الصحي والنفايات ووصول الماء الصالح للشرب".

وتقر عبد الحسين بان المؤسسة الصحية تقف مكتوفة الأيدي أمام مثل هذه الظروف "بسبب قلة التمويل المالي وعدم توفر وسائط نقل لتقديم خدمات التلقيح ورعاية الأم والطفل والسيطرة على الأمراض الانتقالية".