في تونس: فكّر في مشروعك والدولة تتكفّل

مجتمع يقظ

تونس - في وسط المكتب وقف سامي الذي لم يتجاوز بعد عقده الثالث. ألقى السلام ودعا زملاءه الذين لا يبعدون عنه في السن إلى الاجتماع.
بصوت جهوري وثقة في النفس وبلغة عامية تشوبها من حين لآخر بعض المفردات الفرنسية بدأ سامي يستعرض مكونات المشروع الجديد الذي تمكنت مؤسسته حديثة العهد من الحصول عليه.
سامي هو شاب تونسي تخرج من كلية الهندسة سنة 2006 اشتغل في عديد مكاتب الهندسة المعمارية. كان يحدوه حلم وحيد ألا وهو انشاء شركته الخاصة حيث يتمكن من توظيف أفكاره ومشاريعه التي طالما رسمها على أوراقه ووضع لها مجسمات صغيرة.. آملا أن يجعلها في يوم ما حقيقة ملموسة.
يقول حول بداية مشروعه «الصدفة وحدها هي التي قادتني إلى انشاء مشروعي الذي طالما حلمت به.. ففي احدى المرات وعندما كنت أترشف قهوة الصباح رفقة زميلي في العمل حدثني عن صديق له تمكن من انشاء مشروع زراعي وحقق إيرادات مالية ضخمة وقد كانت بدايته بقرض من بنك التضامن لم يتجاوز 15 ألف دينار – قرابة 12 ألف دولار- لينطلق بعد ذلك في تكبير المشروع وتشغيل أصدقائه من حاملي الشهائد العليا».
يضيف سامي «بدأت أفكر بجدية في بعث مشروعي الخاص.. قصدت البنك، استقبلني أحد المرشدين وفسر لي نظم القروض التي يسندها البنك وكيفية ارجاعها والمساعدات التي يقدمها طيلة فترة بعث المشروع وحتى بعد احداثه ومن ثمة طلب مني تقديم ملف كامل يتضمن كافة تفاصيل المشروع والتمويلات المطلوبة».
ويستحضر سامي وعلامات الفخر بادية عليه «لقد كان تاريخا مفصليا في حياتي يوم رن هاتفي الخلوي وأعلموني أن البنك وافق على تمويل مشروعي» وقد تمكن سامي من الحصول على قرض بـ10 ألاف دولار إضافة إلى توفير كافة المستلزمات من حواسيب ومكاتب. وفتح مكتب دراسات هندسية في احدى ضواحي العاصمة كما شغّل معه 7 خريجين من جامعة الهندسة.
سامي هو عيّنة من جيل الشباب التونسي الذي نشأ خلال العقدين الماضيين في مجتمع بات يشجع على إنشاء المشاريع الخاصة ويزرع لدى الناشئة روح المبادة الفردية مستفيدا من الفرص التي تتيحها مؤسسات تمويل المشاريع.
وينحدر سامي من عائلة تونسية تنتمي للطبقة الوسطى التي تمثل ثلثي المجتمع التونسي، يسكن في أحد الأحياء الشعبية المتاخمة للعاصمة تونس وهو كغيره من الشباب التونسي مولع بالإنترنت التي يقول عنها أنها فتحت له أبوابا جديدة للتحاور مع أصداء له من تونس ومن خارجها.
ولا تعتبر تجربة سامي فريدة من نوعها في تونس حيث تتعدد تجارب الشباب الذين قاموا باحداث مشاريعهم الخاصة مستفيدين من دعم الدولة لهذه المشاريع التي تمتص البطالة في صفوف حاملي الشهائد العليا وتساهم في تعويد الشباب على تحمل المسؤولية.
وتضع الحكومة التونسية عديد الآليات والبرامج وتوفر عديد المنح والتسهيلات لهؤلاء الشباب حتى يتمكنوا من تحقيق حلمهم، فالشباب التونسي لا يميل الشباب إلى العمل المؤجر رغم الامتيازات بقدر ما يسعون إلى بعث مشاريعهم الخاصة التي تمكنهم من الاستقلالية والتعويل على الذات مستفيدين من نظام القروض الصغرى الذي ساعدت حاملي الشهادات الجامعية على إحداث مشاريعهم الخاصة.
ويعد البنك التونسي للتضامن الذي أحدث عام 1992 أحد أهم الآليات التي تساعد خريجي الجامعات على تحقيق حلمهم من خلال إسناد القروض الصغرى قصد بعث مشروع أو توسيعه. ولا يطلب البنك شروطا مجحفة غير الضمانات المتعلقة بالمشروع.
وتصل القروض العادية للبنك التونسي للتضامن إلى 25 ألف دينار بنسبة فائض لا تتجاوز 5 بالمائة وبمدة إمهال مختلفة حسب حجم المشروع. كما يمكن أن تصل إلى حدود 100 ألف دينار بالنسبة لأصحاب الشهائد العليا.
ويرى محللون أن سياسة القروض الصغرى التي تنتهجها الحكومة التونسية تقوم على اشراك القوى الضاغطة من الشباب والعاطلين عن العمل الذين يمثلون تحديا كبيرا يواجه الدولة عبر التشجيع على الاستثمار وتطوير قيم العمل والمبادرة بما يجعل هؤلاء الأفراد يسهمون في تنمية البلاد والمساهمة في تطوير المجتمع إلى مراتب متقدمة من جهة ويحسّنون أوضاعهم العائلية والاجتماعية بما يسمح لهم بتحقيق الارتقاء في سلم المكانات الاجتماعية من جهة ثانية.
ويعتبر ملف التشغيل من أهم الملفات المطروحة على الحكومة التونسية التي تسعى عبر عدة برامج وخطط إلى التقليص في نسبة البطالة خاصة لدى حاملي الشهادات العلمية العليا حيث يستقطب سوق الشغل سنويا قرابة 85 ألف طلب شغل منها 50 ألف متأتية من خريجي التعليم العالي.
ويعد الصنـدوق الوطني للتشغيل، والذي يعرف اختصارا بـصندوق 21-21، آلية جديدة تعتمد التضامن الوطني وتهدف إلى تسهيل إدماج الشبان وبصفة عامة كل طالبي الشغل وقد تم إحداثه يوم 10 أكتوبر 1999.
ومن المؤمل أن يصل عدد المنتفعين ببرامج التأهيل والتكوين والإدماج المهني إلى 210 ألف منتفع خلال سنة 2010 مقابل نحو 100 مليون دينار خلال سنة 2009.
ويعتبر نظام التدريب للإعداد للحياة المهنية من أهم برامج التأهيل والتكوين والإدماج الذي من المتوقع أن يصل عدد المنتفعين به إلى 5 آلاف منتفع سنة 2010، ويستفيد من هذا النظام حاملو الشهادات العليا خلال مدة لا تقل عن ستة أشهر في إطار تربص لا يتجاوز سنة واحدة مع توفير منحة شهرية في حدود 150 دينارا.
يشار إلى أن عدد حاملي الشهادات العليا سيبلغ مع نهاية السنة الجامعية الحالية 80 ألف متخرج مقابل 70 ألفا في السنة الجامعية الفارطة.
وتولي القيادة السياسية في تونس أهمية قصوى لأصحاب الشهادات العليا من العائلات الفقيرة التي هي في أشد الحاجة إلى العمل عبر وضع برنامج خصوصي لتشغيل هذه الفئة حتى لا تقع في أتون التهميش والاقصاء الاجتماعي وبراثن التطرف والارهاب الذي يتغذى من الفقر.
فسياسة التشغيل في تونس حسب عديد الملاحظين لم تعد تقتصر على التقليص في نسبة البطالة بل تتعداه إلى غاية أعمق واشمل وهي تحقيق الحياة الكريمة لأشد الناس استحقاقا للشغل.