في 'تراب الصيني' تعطلت الحكمة وحل محلها الجنون


قمة العبث وقمة الكوميديا

النقد جزء أصيل من الأدب إن لم يكن هو الأدب نفسه، فالنقد لا ينفصم عن الأدب الرفيع إذ لا يمكن التأريخ لتاريخ الأدب الإنساني دون إدراك الدور الذي لعبه النقد في تطور الأجناس الأدبية، ونحن في هذا المقال لن نتطرق إلى نوع بعينه من النقد كالانطباعي والسياقي والتعبيري وأنواع نقدية أخرى خاضعة لقواعد أكاديمية صارمة في علاقة وثيقة بالنص حيث يشرح النقد مكونات الرواية الأدبية وأساليب السرد وهو نوع من الاشتباك في غاية التلاحم حتى أن النقد والنص يكادان يكونان شيئا واحدا، وهنا يتحول النقد الأدبي إلى مهارة يحكمها الذوق والموهبة، وهو أيضا التطبيق العملي للنظريات الأدبية التي إن طبقت كما ينبغي على النص فإنها تجعلنا أمام حرفة أو صناعة لها ضوابطها وذلك كله يؤدي إلى إثارة المشاعر والعواطف خاصة عاطفة الجمال كالتصوير والشعر في المتن الروائي.

لقد حاول المختصون في الأجناس الأدبية المختلفة أن يدركوا بعضا من جوانب العلاقة بين النقد والرواية لأن النقد هو أنصع مرآة تتجلى فيها العوالم السردية حيث أضحى يشكل ضرورة كمدخل أساسي لفهم الأحداث الروائية وكل تلك العوالم الغامضة التي ينسجها خيال الروائيين، ورغم أن الرواية أقدم عهدا من النقد ربما بزمن سحيق إلا أنه ساهم في نشاط ذي طابع تجريبي علمي في نمو سيرورة الرواية العالمية وأصبح يعتبر بمثابة مهارة تساهم في إعطاء مشاهد مرسومة ومنقوشة كتلك الرسوم المنقوشة على جدران الكهوف والتي تعود إلى آلاف السنين قبل بداية التاريخ المكتوب.

إذن يمكننا القول إن النقد هو فن بالمعنى الشائع للفن لأنه أيضا وسيلة للتسجيل والتدوين والتعبير.

فإذا كان التشريح علما يعنى بتحديد ووصف تركيب الجسم وعلاقة هذه المكونات ببعضها البعض فإن النقد أيضا هو تشريح للنص الروائي يستعين بمجهر أدبي له وسائله الخاصة لتنفيذ دخول موفق إلى أحشاء النص وذلك لتقطيعه رغم أن هذا التقطيع يتسم في كثير من الأحيان بالقسوة.

فكما يتم إعمال المبضع أو السكين في جسد كائن ما بعد موته وهو ما يتطلب قدرا من الانفصال النفسي عن المفعول به، فإن النقد الهادف له أيضا سكاكينه الخاصة التي تطعن النصفي مواقع معينة لإبراز القيم الجمالية في اللغة والسرد ومحاولة السفر بعيدا إلى ما وراء السطور لمعرفة خبايا الإسقاطات التي يريد أن يصل إليها النص رغم أن بعض النقاد يحاولون الدخول في صراع شرس مع النص الروائي وينتهي هذا الصراع بانتصار الرواية وفشل النقد.

في رواية "تراب الصيني" للكاتب محمد نادر فهمي، يحاول نذير وهو رجل أحمق أن ينذر حاكم المدينة بطوفان وشيك، والنجاة من هذا الطوفان لا تتأتى إلا برد المظالم وإعطاء الحقوق لأهلها وإشاعة قيم الخير والمحبة والسلام. والعجيب في الأمر أن نذير كان مخبولا ومن مشاهير الحمقى في المدينة، يعيش في المزبلة ويقتات على الدجاج الميت والحشرات وفجأة يصبح من أصحاب الرسالات السامية حيث رأى شيئا مجهولا لا يعرف ما هو؟ أو من هو؟ وهو جالس في جرف يطل على البحر، يأمره بالذهاب إلى قصر الأحدب وتحذيره من خاتمة الغرق في طوفان وشيك.

"جلس فوق الجرف كتمثال من العصور الوسطى يعزف عزفا متقدما ومستنيرا، فأدرك أنه يحمل عبئا عظيما، لكن إيمانه كان قاطعا بأن شيئا ما سيحدث. جاء إلى الدنيا في غياب العدل، ولم يجد أمامه سوى الجنون، لكن رسالة سامية ستكون في انتظاره، وسيفتح لها صدره بكل ترحاب.

في هدأة الليل انسابت أنغام نايه المسحور التي تدخل القلب كأنها بضعة من كل قلب. وفجأة رأى شبحا يخرج من بين الصخور المحيطة به، وكان صوت خروجه قويا يكاد يكون مدمرا. كاد ذلك الرعد الغاضب أن يشق صماخ أذنيه. وقف شعر رأسه من الذعر، وكاد يتمزق منه جلده، فالتهب جسمه وتصبب عرقا، لكنه جمد قلبه بصبر نادر، وشجاعة لا تصدق. حدق في ذلك الشيء الذي خرج من الباطن: لا أنفَ له ولا عينين، ولا أذنين ولا يدين ولا رجلين، ولا صورة له واضحة تنطبع في الذهن. سمعه يقول له: سيحدث شيء رهيب.. ستغرق المدينة.. قم وانذر الأحدب.. أنقذ نفسك وأنقذ الناس".

وبسبب هذا الصوت الجبار في قسوته خامرت الطمأنينة قلبه واستعسل حلاوة الإيمان، عرف أنها رسالة خير لإنقاذ رقاب تائهة، حدق بنظره مرة أخرى في تقاطع هذا الكائن الغريب القادر على أن يقضم المدينة ويجعلها طحينا، ولم يكتشف هويته المجهولة: هل هو ملاك أم عفريت؟ أم شيء آخر؟ أو قد يكون مجرد وهم من الأوهام؟

سوف يلبي هذه الدعوة شاكرا لأنه كان ينتظرها بفارغ الصبر؟ كان ينتظر قدوم المخلص، لكنه لم يكن يعلم أنه هو المخلص. كان كالأسد الرابض في جلسة إيمانية مهيبة وخشوع ووقار، وثبات عجيب.

انجذب قلبه إلى الرسالة وعقد العزم أن يفعل ما بوسعه كي تسطع كما تسطع الشمس على الناس، رسالة ستنير عيون العميان وتنفك بها ألسنة الخرس. لم تعد الأمور مشوشة ومضطربة في ذهنه لأنه سرعان ما عرف أن الطوفان قريب، فأفلت من صدره صرخة مكتومة حملت كل معاني الحزن خوفا على أولئك الغافلين الذين لم يعرفوا بعد هذا السر الرهيب. إنه القيد الذي يكبلهم استجابة لرغبة القدر، لكن هناك أمل في إنقاذهم وإن كانت قلوبهم متحجرة.

تعطلت الحكمة في هذا النص الروائي وحل محلها الجنون.. رجل أحمق ينقذ الناس بينما استسلم العقلاء لليأس والهلاك.

يقول نذير: لقد كنت مخبولا ولكن مهنتي اليوم أن أتجول في عقول الناس حتى أنقذهم من الغرق.

يقول الأحدب لنذير: أظن أن عباءتك الحقيرة جعلتك تظن أنك من أهل الحكمة.

يرد عليه نذير قائلا: "إن العباءة لا تكلمك، ولكن يكلمك من فيها، فصاحتي في لغتي ولساني، والمرء بهمته وليس بثيابه. أيها الأحدب أنا هنا لترى مدى القسوة التي أسأت بها إلى الناس، جعلتهم يعيشون في واقع مثخن بالجراح والتعاسات، حتى أحلامهم العريضة أجهضتها في مهدها. جعلت الفرد منهم فاعلا في الاتجاه السالب، في شعوره ونفسيته وسلوكه.

لقد مجدوا حضورك لكن اعتدادك الأعمى بنفسك لا يتيح لك إدراك حماقتك. سيأتي يوم تتحول فيه إلى النقمة على ذاتك. ستعيش آلاما هائلة وستدعو حالتك إلى الرثاء ويومئذ لو أن معك سما لتجرعته. لقد هوت مقصلة ظلمك على عنق الحرية، وحطمت فوق الأرض نجوما، وصيرت أمجاد الأمس رميما. إني أرى هيكلك كسيرا غائصا في وسائده، محطما وقريبا سوف يأفل نجم سعدك".

إنها فعلا قمة العبث وقمة الكوميديا الإلهية أن يخاف الظالم من رجل أحمق.

أما الأحدب فقد تمنى أن يسلب الزمن روعة بيان هذا الأحمق. أن يسلبه بلاغته ويغرق لسانه خلف الشمس. تمنى أن يصاب بالسرطان ليتشبث منه بين الفك والنحر، ويدب في مجرى الفصاحة منه لأن شمس البلاغة تطلع من بين خاطره وبيانه. يريد أن يقبض ذلك اللسان عن تدفق عبابه، ويحبس درره وإشراقاته لأنها تبرز مكنونها من حجابه.

ويقول نذير أيضا: "أيها الناس إن قانون الحياة هو الثورة على الظلم، فإما النصر أو الموت رميا بالرصاص. كفاكم من التملق الرخيص. إنه وقت التخلص من الطاغية. حطموا سفينته وعيشوا بكرامتكم، سينساب التفاح الذي تحمله في الماء وينتثر في البحر كأنه بقع حمراء. قد ينجح الدكتاتور في إخضاعكم لبرهة لكن الزمن لا يأبه به، يظن أنه باق وأنتم زائلون. جميع المحن عابرة ولا يمكن أن تبقى إلى ما لا نهاية. انتصروا على القيود والرقابات والمعتقلات. أحرقوا أرواحكم من أجل الفوز ولا تلقوا بأنفسكم إلى اليأس فإن الأمل لا يفنى ولا يناله زوال".

ويقول أيضا : "لقد هبت عليكم ريح الأسى لكنه وعد بالفرح والسلام والعدل والاستواء، سيسدل ستار الختام ويغلب هتاف المجد. لقد عبث الركام بأجساد الموتى، لكن القوة تكتمل في الضعف".

ومر نذير المخبول على رهط من السياسيين يجتمعون في ندوة يمارسون طقوس الكذب والخداع ثم قال لهم: "إن كثيرا من الكلمات تجري على ألسنتكم ولا يوجد في رؤوسكم من الحكمة إلا أقل القليل. إنكم تعلمون كل شيء عن لا شيء، تتخبطون في حجرة ظلماء تبحثون عن فأر أسود لا وجود له. جعلتم السياسة ضربا من ضروب الفلكلور. فأي منفعة تسديها للشعوب ما دامت الأمة ممزقة الأوصال، مشتتة الأهواء. كل أحزابكم الفاشلة خاضعة في تصرفاتها لمآربها الشخصية. تعوزكم الكفاءة والإخلاص وليس لكم أي تأثير إيجابي على بلادكم. أيها السياسي إن الحياء زينة النفس البشرية وتاج الأخلاق بلا منازع يلزمك بفعل كل ما هو جميل ويصونك عن مقارفة كل ما هو قبيح. إذا لم تستح فاصنع ما شئت".

وقال لجماعة من التجار: "أنتم تحبون المال ولا تتحرجون أن تصيبوه لا من دماء الناس عامة فحسب بل من دماء بعضكم أيضا. ليت خطاياكم كانت صغيرة لأن خطايا الحياة الصغيرة أسعد الله من يحظون بها. استمتع وأمتع حيثما استطعت، فليس عارا أن تمتع نفسك شرط أن تشرك غيرك في متعتك".

إنها مواجهة حقيقية بين أحمق عرف بالعته والجنون وأحدب لعين يحكم المدينة بقبضة من حديد في قمة الصراع بين الحكمة والسلطة. إنها فعلا قمة العبث وقمة الكوميديا.