في بروج التقيت بنفسي، لعلا حمامة

مدينة بروج كما صنعها فنانون عبر الرمل

بلجيكا ـ بروج
يا ألله
كأنك عدت بي إلى يوم من أجمل أيام عمري.
أتعرف شيئا .. في ذلك اليوم كنت أتوسل لعقارب الساعة ألا تتحرك لتلدغ لحظات سعادتي النادرة.
كأنني التقيت بروحي، بسر وجودي بين جنبات النهر الصغير ببروج.
تلك المباني القديمة الرائعة الجمال، المشغولة والمرصعة بعناقيد الزهور الفاقعة الألوان.
تلك المدينة الصغيرة الصامتة.
ولكن اقتربت الساعة السادسة. كل شئ يغلق حتى عربة الآيس كريم.
رفض الصغير الذي يعمل عليها أن يأخذ الفرنكات القليلة ليعطيني الآيس كريم.
لم يكن أمامي إلا المحل الصغير الخاص بالشيكولاته.
ولكن تخيل يا أستاذ أحمد الفرنكات القليلة المتبقية، لم تكمل سوى ثمن قالب صغير من الشيكولاته السوداء ولذلك لم أشترها.
ولكنني جلست أنا ومصطفى (أخي) على الكراسي القابعة أمام بيتزاهات مع باقي رفقاء الرحلة وظللت أرقب الحناطير المجلجلة تتهادى على الأرض المكعبة الحجرية المرصوصة بجمال فائق.
كم سعدت بالمباني القديمة.
شعرت أن تلك اللحظات هي لحظة " تنهيدة " من عمري اللاهث.
لا أنكر أنني ربما شعرت بتلك اللحظات الاستثنائية من قبل حينما كنت في "سترادفورد" في إنجلترا عام 1998 مدينة شكسبير ـ و أخذت أستغفر الله في سري وقتها ـ و قلت: يا رب ما هو شكل الجنة إذن؟
في بروج وجدت الإوزة تسبح في البحيرة بهدوء.
تمنيتُ أن أغمض عينيَّ وألقي بجسدي المتعب على الأرض الخضراء، وأغيب عن دنيا الواقع.
تمنيتُ أن تَسدل الشجرة الكبيرة ستائر فروعها الملقاة على النجيلة، على وجهي الحقيقي. الوجه المتسائل عن الحقيقة.
تمنيتُ أن ألقي جميع الوجوه التي أرتديها كل يوم لاستقبال بني البشر.
تمنيتُ أن ألقيها بلا رجعة، فلتذهب بعيدا عني إلى اللا مكان.
تمنيتُ لو يتوقف الزمن قليلا. بل توسلت إليه أن يتركني برهة.
أليس من حقي أن أستريح قليلا .. وألتقي بنفسي ؟
أليس من حقي أن أسمع صوتي الحقيقي .. صوتي الضعيف الخافت الذي اشتركت مع الجميع في خنقه بنبرات عالية .. عالية .. تدعي القوة و السعادة.
هناك في بروج التقيت بنفسي.
هناك في بروج عرفت حقيقتي.
إنني ببساطة لا أنتمي لهذا العالم الذي نصَّبني بعض سكانه نجمة، أو ربما زعيمة، أو قائدة على بعض أحيائه الراقية أحيانا، أو الثائرة في أحيان أخرى.
هل تصدقني ـ يا أستاذ أحمد ـ لو قلت لك إنني لم ألحظ في تلك البلد أي وجوه.
ربما كان هناك بائعات وبائعون .. و لكن أين السكان ؟؟؟ لا أتذكر.
بعد الرحلة الرائعة بالقارب، وجدتني أسير مع الجماعة في طريق الـ c&a
وجدتُ أصابعي لا تمسك إلا بالمعاطف الوثيرة بالـ "كابيشون"
صرفت كل نقودي عدا فرنكات قليلة في شراء المعاطف و الجاكتات الوثيرة
تعجَّب أخي مني: "لماذا كل تلك المعاطف ؟؟؟"
ربما اشتريت عددا قليلا من البلوزات الحريرية، ولكنه لم يفهم لماذا؟
قال: ماذا بك يا علا؟ ألا يكفيك المعاطف الجلدية التي اشتريتها من لندن وباريس، ومن الإسكندرية أيضا ؟؟؟
قلت له: أحبها يا مصطفى ببساطة لأنها "تحتويني".
وبالطبع لم يفهم .. لأنه اعتقد أنها مجرد دعابة !!
إنني في الواقع أعشق الشتاء، وألتقي بنفسي فيه. أشعر بمنتهى الصلح على نفسي في ذلك الفصل الرائع.
ووووووووووووووو .. عموما لو ظللتُ اكتب عن المعاطف لن أنتهي يا أستاذي الفاضل.
أشكرك على مقالك.
فأنا أعشق الترحال، وتعجبني جدا ملاحظاتك الذكية. المقال تعقيب من الأديبة علا سمير حمامة على مقال "يوم في بلجيكا" للشاعر أحمد فضل شبلول والسابق نشره في ميدل إيست أونلاين.