في القضية الكردية واستمرار المأساة

السوريون بصدد حلحلة مشاكلهم مع الاميركيين، وهذا يعني ضمنا ان تنتهي مشاكلهم مع الاسرائيليين. فقد ذكر موقع هاآريتس الالكتروني يوم الخميس 8-3-2007 ان السيد إبراهيم سلمان وهو بروفسور أميركي من اصل سوري وصديق مقرب للسيد وليد المعلم وزير الخارجية السورية والسفير الاميركي السابق في الولايات المتحدة سوف يقوم بالاجتماع مع لجنة الامن والاستخبارات في الكنيست الاسرائيلي. وهي المرة الاولى التي تجتمع فيها هذه اللجنة بشخص غير اسرائيلي، والأكثر اهمية انه ممثل لسوريا الدولة العدوة لاسرائيل التي يعاقب قانونها على اي اتصال بها. طبعا علينا ان نضع هذا مع مؤتمر بغداد الذي سوف ينعقد السبت. وكلنا نعرف ان التصريحات الاميركية هي من باب حفظ ماء الوجه. وان وصول حاملات الطائرات منذ اسابيع الى الخليج إنما يندرج ضمن اطار التحضير لهذا المؤتمر. وان الغرض الاساسي الا تدار المفاوضات مع سوريا وايران فيه على اساس ان الولايات المتحدة قد خسرت الحرب نهائيا. فالرسالة التي تحدث عنها وزير الدفاع الاميركي الجديد هي ان الولايات المتحدة ما تزال تمتلك من عناصر القوة التي على ايران وسوريا الا يتجاهلا حدودها بالمطلق.
نحن نعرف ان الايرانيين ليسوا صدام حسين وأنهم لن يتورطوا في حرب مع الولايات المتحدة تطيح بكل الذي صنعوه منذ عقدين من تطوير للمنشآت العسكرية، فقط لان احمدي نجاد مؤمن بان الله سوف يساعده في اللحظة الحاسمة. الايرانيون، وبغض النظر عن رأينا في دولتهم الثيوقراطية، يمارسون ديمقراطيتهم الخاصة. والديمقراطية لا يمكن ان تقود البلاد الى التهلكة. هم دائما يحتفظون بالحل، وهو اسقاط احمدي نجاد وطرح رئيس معتدل يدخل في مسيرة مباحثات تستمر سنوات تعطي ايران فرصة افضل.
تركيا هي بدورها حليف اميركي، نعم يحكمها حزب اسلامي، ولكن الكل يعرف ان المؤسسة العسكرية ممسكة بالأوراق النهائية وان الحزب الحاكم لا يتحرك الا ضمن الحدود التي تتيحها اصلا هذه المؤسسة، وان قدرة الحزب على الاستمرار ناشئة اصلا من عدم توافق المؤسسة العسكرية على بعض الخطوات الحاسمة وعلى رأسها التغيرات التي يطلبها الاتحاد الاوربي في القوانين التركية وفي مقدمتها القضية الكردية هناك. اي ان المؤسسة العسكرية تجعل القضية الكردية بالنسبة لها مقدمة حتى على وصول حزب اسلامي للسلطة وحتى على مشروع الدخول الى الاتحاد الاوروبي.
السعودية فصلت مستشار سفارتها الامني في واشنطن لأنه افصح عما يدور في الكواليس: دعم السنة بما يعنيه من دعم لعروبة العراق خيار استراتيجي سعودي ِ. السعودية لن تقامر بخسارة مكانتها كزعيم للعالم السني وكأكبر دولة عربية مؤثرة في القرارات المصيرية من اجل خاطر عيون المتطرفين الاكراد في كردستان. نعم هي احتملت التجاوزات التي فاحت رائحتها ولكن الكل يعرف ان كل تلك التحركات لم تكن قريبة البتة من قيام دولة كردية.
هل تعرفون من هي السعودية؟. انها طلائع المواجهة العالمية مع الشيوعية. من يريد ان يعرف المزيد عليه ان يقرأ اوراق الصراع بين الاتحاد السوفيتي والسعودية في افريقيا. نعم افغانستان اسقطت الدب السوفيتي، ولكن الضربات الموجعة التي دفعت السوفيت الى غزو افغانستان تلقوها في افريقيا. هناك فهم السوفيت حجم الخطر الذي يقوم به السعوديون، هناك تنامى شعورهم بالهزيمة، وهو الذي دفعهم الى احتلال افغانستان قبل ان يسحب البساط من تحتهم. البعض يعتقد ان الهزيمة وقعت هناك في افغانستان ولكنني اقول لهم انتم مخطئون. السوفيت كانوا يحتضرون. احتلال افغانستان اجل اعلان الوفاة بضعة سنوات.
مصر والاردن على محدودية قدراتهم المادية والعسكرية الا ان كلتاهما فاعلة جدا في المجال الاستخباراتي، ونحن نعلم ان الزرقاوي وقع بيد الاميركين بناء على جهد اردني خالص.
تركيا، ايران، مصر والاردن، السعودية، سوريا، من هي هذه الدول؟ انها الطوق القريب والبعيد الذي يطبق على الاكراد في شمال العراق بل وفي كل الجغرافيا التي يعتقدون انها كردستان. جميع هذه الدول اما حليف قريب للأميركيين او هو على طريق حلحلة مشاكله معهم تمهيدا لمرحلة جديدة من التوافقات الاقليمية الكبرى.
الطالباني، وبلا ادنى شك هو الرجل الاذكى بين الاكراد، فهم اللعبة. ولذا حاول مغازلة العرب والإسرائيليين والأميركيين في حركة واحدة هي اجتماعه بجبريل الرجوب من اجل دراسة وضع الفلسطينيين في العراق. وربما التمهيد لنقل اعداد منهم من لبنان الى كردستان. انه مشروع قديم طرحه بعض اعضاء الكونغرس الاميركي قبل غزو العراق بسنوات وهو من الصفقات السرية التي بموجبها قدم الاميركيون للاكراد مساحة واسعة من العمل في العراق. خطوة اجتماع الطالباني بالرجوب سبقتها خطوات اخرى بينها نقل الاف الاسر العربية الى كردستان شمال العراق. ولكن للمتطرفين هناك رأي اخر عبروا عنه بمظاهرات لم تلقى زخما الا حين ربطوا بين طول ساعات انقطاع التيار الكهربائي وبين وجود الاسر العربية التي تستهلك حصة الاكراد. بين شح مياه الشفا وبين وجود تلك الاسر. بين جامعة المستقبل وبين النشاط الاستخباراتي الذي قد يهدد الامن في كردستان. مع ان الضربة الموجعة تلقتها مدينة السليمانية حيث انشئت جامعة المستقبل جاءت من عناصر ارهابية كردية.
المتطرفون يرون ان السليمانية تحديدا كمنطقة من كردستان يجب ان تبقى خالية من اي وجود عربي، هم يؤمنون بنظرية مكة التي يجب ان تبقى نقية، وان العرب نجس فلا يقربون تراب السليمانية بعد يومهم ذاك. يوم ضمن لهم التحالف الاميركي البريطاني حماية جوية اسست لدولتهم الناشئة هناك. المتطرفون فهموا الامر بسذاجة المتطرفين عادة: التصميم الذي يصنع النصر. اغرتهم التصريحات الاميركية ووصفوها بالمحبة التي يلقيها الاميركيون على الديمقراطية الكردية المفترضة. اللعبة اكبر من ذلك. الدولة الكردية لا يمكن ان تقوم. انه المستحيل السياسي. كل دول الطوق الكردي والدول الفاعلة على الساحة الدولية لن تقبل. انها سذاجة ان تعتقد انك ان قدمت خدمات للسيد فانه سوف يكرمك بتعريض مصالحه للخطر. هو ينظر اليك على انك خادمه، انت تصبح سيدا هو امر انت تحدده، هو لن يعطيك السيادة، لان اي سيادة تحصل عليها هي في الاساس انتقاص لسيادة هو حائزها. الطالباني يفهم اللعبة السياسية جيدا، ويعرف ان الحكم الذاتي او الفيدرالي او الدولة الناشئة، ايا يكن التعبير المستخدم لتوصيف الحالة الكردية في العراق، له ثمن. وهو قد قبل الثمن سابقا. هو يعلم كذبة دخول القائد المظفر كوسرت رسول لمدينة كركوك. هو يعلم ان كوسرت رسول ما كان ليجرؤ على الاقتراب منها لولا ان دك الاميركيون الجيش العراقي. حتى والجيش العراقي مهزوم ما كان له ان يقترب من كركوك. الطالباني يذكر جيدا ان كوسرت رسول كان اول الذين فروا من السليمانية يوم دخلتها قوات الرئيس العراقي الراحل صدام حسين مدينة السليمانية حتى بعد قيام منطقة الحظر الجوي. فرقتان من الحرس الجمهوري دفعت آلاف البشمركة الاسطوريين الى الجبال تاركين مدينة السليمانية لقمة سائغة للقوات العراقية. مئات من القيادات البشمركية البطلة هربت الى اوروبا وتركت الطالباني وبعض المخلصين من رجاله في خيم على الطرف الايراني من الحدود العراقية. الطالباني يدرك جيدا ان دور البشمركة التاريخي لا يتعدى ابقاء النار مشتعلة، وان النصر العسكري لم يكن على الاطلاق من بطولات البشمركة. هو يعرف حجم الاكاذيب التي بثت عن تلك البطولات، هو لم ينس ولم يخدع نفسه، المشكلة ان المتطرفين نسوا وخدعوا ذواتهم. مشكلة الطالباني انه تاريخيا من حرض على الكراهية ضد العرب وانه من ربط القضية الكردية في العراق بفصل كل ما هو كردي عن كل ما هو عربي. حتى الأسماء، محمد صار في السورانية لغة اكراد السليمانية حمى، ابراهيم صار بلا، عبد الله اصبح احا. الكلمات العربية ازيلت من الشوارع ومن النصوص الادبية. التلفون الارضي اصبح اسمه نورمال اشتقاقا من الانكليزية ولكن باستخدام خاطئ. الشريحة في الهاتف الجوال صار اسمها سيمي. نعم ان العربية ليست من اوجد هذه المخترعات اساسا ولكنني هنا اتحدث عن النية السياسية. الكرد صارت تكتب حتى من قبل اكراد سوريا الكورمانج بـ "كورد". السورانية ليس فيها ضمة، يستعاض عن الضمة فيها بالواو، والكورمانج السوريون نسخوا الخطأ أو ربما تقصدوه مع ان الكورمانجية تكتب باحرف لاتينية اساسا. ولكنها نفس النظرية التي قامت في السليمانية قبل عدة عقود والتي اساسها: لكي تكون كرديا عليك ان تكره كل ما هو عربي.
الشخصية الكردية التاريخية غائبة ومحدودة الاثر اسوة بشعوب كثيرة لم يكن لها اسهامات فاعلة في الحضارة الانسانية، سواء على مستوى الاختراع العلمي او الفتح الامبراطوري أو حتى وجود الدولة. هذه من حقائق التاريخ. ولكن في السليمانية، وبفضل توجيهات وتنظريات السيد جلال الطالباني، فإن الامر سببه العرب. العرب هم من منعوا قيام الدولة الكردية. انه خلق للـ"أنا" او الـ"نحن" عبر ايجاد الـ"هم". كي يتمكن الكردي من تحديد ذاته لابد له ان يحدد اخر يميز نفسه عنه، وهكذا كانت صناعة العداء نحو العرب.
اليوم الظروف الدولية تغيرت. الحقائق على الارض تغيرت. بغداد لم تعد دولة بل ميلشيات. وهنا برز السؤال بقوة: ان كان العرب العائق امام قيام الدولة الكردية فما الذي يمنع اعلانها اليوم؟ لا وجود لصدام ولا للبعث في العراق ولا لجيش عراقي. بل ان بغداد نفسها يديرها وبقوة الاكراد. لماذا لا تقوم الدولة الكردية اذن؟
الطالباني اليوم يدفع ثمن خطأه التاريخي. قد يقول قائل ولكن لربما لو لم يفعل ذلك لما وصل الاكراد حتى الى دويلتهم او حكمهم الذاتي اليوم. الجواب في اوراق كتبها معاصرون لعبد الكريم قاسم. كل ما وصل الاكراد اليه اليوم كان قد عرض عليهم قبل خمسين سنة ولكن الاميركيين تخوفوا من امرين: التقارب بين عبد الكريم قاسم وبين الشيوعيين في العراق مما جعلهم يظنوا بانه تقارب مع السوفيت والامر الثاني هو انتهاء مشاكل العراق ولم تبسط السيادة الاميركية عليه بعد. لذا اوعزوا الى القيادات الكردية والتي كان يمثلها يومها الراحل ملا مصطفى البرزاني وكان السيد جلال الطالباني احد عناصره الفاعلة كرئيس لتنظيم طلبة كردستان أن يقوموا بنسف كل الاتفاقات المبرمة مع حكومة الراحل عبد الكريم قاسم وان يصعدوا النشاط العسكري. للأسف لقد دفع الكرد، كما العرب، ثمنا باهظا للقرارات الخاطئة التي اتخذتها القيادة الكردية تاريخيا. فوضع الاكراد في العراق كان على الدوام ومنذ تأسيس الدولة العراقية الافضل بين اكراد العالم، ان من حيث الاعتراف بهم في الدستور، او من حيث تدريس اللغة الكردية واصدار الصحف والمجلات، او تنظيم الاحزاب. بل ان عددا غير قليل من الوزراء وقادة الجيش العراقي كانوا من الاكراد القوميين خلال العهد الملكي، والذي لم يخلو بدوره من تمردات كردية متكررة.
اليوم الطالباني يقف حائرا امام نار ما زرع عبر التاريخ من كراهية واجهته بها الكوادر الشابة في حزبه فقد نقلت (هآرتس) 28/2/2007 عن زعيم سياسي كردي قوله في خطبة بعدد من انصاره: الطالباني يريد تحويل كردستان الى ولاية عربية فلا تتركوه.
من حق كل سياسي ان يغير استراتيجيته، ومن حق كل تنظيم سياسي ان يسعى بكل ما يستطيع لتحقيق اهدافه، ولكنه يبقى من البغيض والمؤسف ان تزرع الكراهية بين الشعوب من اجل مصالح سياسية عارضة. الاكراد سواء في العراق او تركيا او سوريا او ايران، من شعوب المنطقة. هم ليسوا غرباء كالاسرائيليين وصلوها على ظهر السفن وبدأوا بطرد السكان الاصلين من ارضهم. الصراع بين الاكراد وبين شعوب المنطقة هو صراع مصالح وحدود، ومن المثير للألم والاشمئزاز ان يحول هكذا صراع الى صراع كراهية وحقد. هنا لست انفي دور القوميين العرب المتطرفين سواء بممارساتهم الساذجة او بخططهم المقصودة، ولكن وبنفس الدرجة التي احمل فيها القوميين العرب المسؤولية التاريخية عن الظلم الذي لحق بالشعب الكردي احمل ايضا المسؤولية للقيادات الكردية التي تريد ان تهرب من قضايا التنمية والتطوير في كردستان عبر ترك المواجهة مع العرب مفتوحة الى ما لانهاية. الدولة الكردية لن تقوم. هذه واقعية سياسية تساوي حلم عودة كامل فلسطين. الاغبياء وحدهم هم الذين يجعلون الحلم يسيطر على الواقع. بإمكانك ان تحلم، فالحلم اساس الكينونة الانسانية، ولكنك تصبح مجنونا ان جعلت الحلم سيدا على الحقيقة. حسام مطلق
كاتب كردي سوري مقيم في الأردن