في العلاقات العراقية التركية: الكرة في ملعب الأتراك

بقلم: فاروق حجي مصطفى

كان واضحا من الزيارة التي قام بها الرئيس جلال الطالباني الى تركيا ان العراق أراد ان تطوى صفحة الخلافات وتزال الغشاوة التي كانت تحكم العلاقات بين البلدين طيلة الأشهر المنصرمة. وأصر الطالباني ان ينقل الى الأتراك حقيقة مفادها بان مسألة تواجد حزب العمال الكردستاني ليست بيد العراق خصوصا وان الموقع الجغرافي الذي يتخذه العمال ملاذا هو مكان خارج السيطرة في منطقة جبلية وعرة ليس بمقدور الجيوش النظامية السيطرة على هذا الجبل العاصي. ثانيا كان ضروريا ان يبدي العراق بادرة حسن النية تجاه الجار التركي وربما لهذا السبب استطاع الطالباني القفز على تعامل دبلوماسي "برتوكولي" سيء تعاملت به تركيا مع الطالباني عن قصد. ولا نستغرب ان الطالباني تعامل مع الموقف ومع هذا الأفق السياسي التركي الضيق بسعة الصدر وأبدى تفهمه لمجريات العلاقة السيئة غير المتوازنة التي تحكم الجيش والحكم السياسي التركيين. ولا نستغرب بان الطالباني (ذاك الرجل الاستثنائي) استطاع ان يمسك بالإصبع التركي المؤلم وليقول للطبقة السياسية أمرين: أولا؛ ليقول للحكم السياسي بأنه على علم بما يجري من الخلافات بين الأقطاب الحكم في تركيا واستطاع توجيه الرسالة للرئيس التركي عبدالله غول ورئيس الوزراء رجب طيب اردوغان في ان العراق يقدّر عاليا الدور الذي يلعبه حزب العدالة والتنمية سواء أكان في داخل تركيا او مع دول الجوار ولذلك أراد الطالباني القول للأتراك بأنه يجب ان لا يترك العلاقة بين العراق وتركيا ان تبقى أسيرة الجيش والأخير ينظر الى العراق على انه جزء من حقوق تركيا الوطنية. ثاني؛ المقصد من وراء قيام الطالباني بزيارة قبر أتاتورك أب الأتراك وباني دولتهم الحديثة - على عكس زيارات العمل - انه أراد ان يقول للأتراك إذا لم تلتزموا ولا تريدون ان تكون زيارتي الى بلدكم برتوكولية فانا سأقرأ الزيارة كما يحلو لي! والحق، فان الوفد الذي رافق الطالباني كان دليلا على ان العراق يريد ان تكون العلاقة مع تركيا على أحسن الحال. فهو أراد تعزيز العلاقات الاقتصادية وان يحقق لتركيا ما لا يحقق لدولة أخرى. ولعل رفقة عدنان الدليمي احد ابرز القيادات السنية ذي المواقف المعارضة لتواجد الأمريكان في العراق كما انه احد الذين يحرصون على العلاقة مع الأتراك، هي توجيه رسالتين الى تركيا الدولة والمجتمع، الأولى: هو انه لا يجب ترك العراق ان يتحول من دولة سنية الى دولة شيعية، وان التعامل التركي الفج وغير المسؤول مع التطورات العراقية يدفع العراق ليكون لقمة سائغة لإيران ولغيرها .والثانية: ان التعامل التركي المسئول وحده يجنب العراق لكي لا يكون تابعا لإيران بل سيكون فيه نفوذ تركيا منسجما مع نفوذ إيران. والجدير بالقول ان تركيا وإيران هما الدولتان اللتان تقتسمان النفوذ في المنطقة في ظل غياب عربي واضح، الأمر الذي دفع بالدولتين (إيران وتركيا) الى ان تتقاسما النفوذ والأدوار في بلاد العرب الواسعة، بينما انصب اهتمام الدول العربية على القشور وبقيت أسيرة للمواقف المسبقة والمواقف الكيدية. بيد ان عراق اليوم صار يدار من ثلاث دول - الولايات المتحدة وإيران وتركيا. أما دور العرب فهو غائب ولعلهم عجزوا على ان يعززوا نفوذهم وتطلعاتهم حتى من خلال الجامعة العربية.
ثمة من يرى بان الدول العربية غيّبت في العراق عندما عجزت عن إقناع صدام حسين بالتنحي لتجنب الكارثة في العراق، وعندما تركت العراق كجثة مهترئة تتقاتل عليها الذئاب أو كساحة لصراعات النفوذ والحرب بين الأميركان وإيران. ولعل دليل الغياب العربي في العراق يكمن في عجزها عن معارضة الاجتياح التركي لكردستان العراق وهي جزء لا يتجزأ من السيادة العراقية ولا نستغرب انها عجزت حتى عن ان تصدر أي بيان إدانة للاجتياح التركي. وتكمن المفارقة ان هذه الدول تلوم الأكراد على إنهم انفصاليون وإنهم يسعون الى تقسيم العراق ومن جهة أخرى تتعامل مع كردستان العراق وكأنها جزء منفصل ومستقل ولا شأن العرب بكل ما يجري هناك من التحديات. والسؤال، الم يحن الوقت ان تتحرر الدول العربية من عقدتها تجاه كردستان العراق وتتعامل معها على انها جزء لا يتجزأ من النسيج السياسي والمجتمعي العربي؟ ولماذا تصر الدول العربية ان تبقى مواقفها بصدد كردستان العراق مزدوجة ومتناقضة؟
والحال، ان العرب ومواقفهم كانت سببا لقبول الطالباني رئيس العراق الكردي والذي يقود حزبا قوميا كرديا ان يكون شكل زيارته خجولا وغير لائق بأي رئيس. لكن الطالباني استطاع ان يبتلع كل الإهانات التي وجهت له من قبل الأتراك واستطاع ان يكون صريحا الى درجة المبالغة معهم.
استطرادا .. كان جليا ان الطالباني حرص على ان تسير علاقة العراق مع تركيا بخطى ثابتة، وان لا تستغل تركيا ثانية مسألة وجود العمال الكردستاني وتقوم بتهديد العراق فان لدى العراق وأكراد العراق نية جادة ان يكونا الى جانب تركيا وسيعملان بإقناع العمال الكردستاني بترك السلاح وتهيئة نفسه لخوض خيار السلام والحوار، وحرص ان يقدم للأتراك تطمينات عملية مثل قبوله تخصيص 5 مناطق أمنية للأتراك وتجميد صيحات أكراد العراق التي تطالب تركيا بخروج قواعدها الأربعة من كردستان العراق. لكن الى جانب ذلك حرص طالباني ان يقول للأتراك:
• ان مسألة تواجد العمال الكردستاني لا تحل إلا عند زوال مبررات وجود الحزب. فمبررات وجود العمال الكردستاني وبالرغم من تقدم الأتراك نحو أوروبا ما زالت تشكل عاملا مهما لان يبقى العمال الكردي كعامل مهدد لتركيا، ان لم يكن من "شمال العراق" فسيكون من إيران او أرمينيا او من داخل تركيا حيث لا تقل الجبال فيها وعورة ويجب ان نعرف او ان نذكر ما قاله اردوغان قبل اشهر وكان ردا على المعارضة التركية عندما قال "هل انتهينا من العمال الكردستاني حتى نقوم بارسال جنودنا الى خارج الحدود بحثا عن 500 عضو من العمال الكردستاني؟" هذا يعني بان حجم تواجد العمال الكردستاني في داخل تركيا اكبر بكثير من تواجده في العراق وان مركز التهديد التركي يكون من الداخل.
• أراد الطالباني ان يضع الأتراك في الصورة بأنهم لا يستفيدون من الهجوم البري في داخل العراق وان التهديد سيبقى قائما إذا بقي الأتراك متمسكون بمواقفهم السابقة. فالمسألة تحل عبر سلة من الإجراءات تبدأ بالتنمية في كردستان تركيا وانتهاءا بصدور العفو الشامل الذي يشمل عبدالله أوجلان أيضا. تركيا ستكون قوية ومطمئنة عندما تكون صادقة مع ذاتها وتعترف بحجم التحديات ومكمنها.
• ان التفكير في إيجاد الحل لهذه المسألة يساعد تركيا أوروبيا وإقليميا وداخليا: أوروبيا ستتحرر من عقدة سوء احترامها لحقوق الإنسان. إقليميا ستساهم في خلق مناخ إقليمي عبر إيجاد الحل للقضية الكردية. وداخليا ستساهم في بناء دولة المجتمع/لا جماعة قوية ومنعشة عبر إتاحة الفرصة لكل المكونات لتمارس حقها السياسي طبيعيا سواء أكانت عبر المعارضة السياسية المقتنعة بأهمية التوازن السياسي والاجتماعي، او عبر السياسة الرسمية التي تتحرر جزئيا من هيمنة العسكر.
ولا نستغرب بأنه بامكان الطالباني اللعب بدور مساعدة الأتراك في إنجاز هذه المهمة الصعبة وهو صاحب الخبرة الطويلة في التوسط بين الأكراد والأتراك –كان وسيطا بين توركوت أوزال رئيس تركيا الراحل وبين عبدالله أوجلان رئيس العمال الكردستاني المسجون الآن في جزيرة إيمرالي التركية- وكما انه يحظى باحترام من قبل كل الأكراد سواء أكان في العراق او في الدول أخرى مثل سوريا وايران وحتى تركيا. ونحن رأينا كيف كان استقبال نواب الأكراد في مطار انقرة له.
ان العراق اراد ويريد ان يكون علاقته مع تركيا على احسن الحال وكما انه لا يرضى بان يكون ممرا ومنطلقا لعمليات ضد الجارة فهو يريد من تركيا ايضا ان لا تتدخل في شؤون العراق الداخلية، مستغلة وضع التركمان او تصريحاتها التي تثير الانتباه مثل قولها بان لها حقوق قومية في العراق او ان من حقها ان يكون لها نصيب من نفط العراق. فالعلاقات الطبيعية والجيدة تبنى عبر احترام كل دولة لارادة الدولة الاخرى وهذا مهم ولعله شرط لازم وكافي لتحقيق العلاقات الجيدة والهامة بين الدول.
والسؤال، ترى هل بوسع تركيا التحرر من مواقفها السابقة، وتشاطر وتتبادل مع العراق المخاوف والهواجس، وتتفهم موقف العراق ووضعه وتختار معه علاقات حسن الجوار؟ وبعد زيارة الطالباني والتصريحات الايجابية بالنسبة لتركيا، انتقلت الكرة الى ملعب الأتراك، فهل سنرى مواقف ايجابية منها يا ترى؟ فاروق حجي مصطفى
كاتب وصحافي سياسي كردي سوري، وخبير في الشؤون الكردية التركية