في العراق، طريقان لا ثالث لهما

سيمضي وقت طويل قبل أن تتوضح الوقائع الحقيقية، وليس المُتحدث عنها، لما حدث في الساعات القليلة قبل ظهيرة الرابع عشر من آب، ودور القوى الخارجية ذات التأثير على الوضع العراقي، وكذا القوى الداخلية من كتل وتنظيمات وأفراد، ومرجعيات دينية. ونعتقد أن صفحة كهذه سوف لن تُطوى بسرعة، ولا بسهولة ويسر، وستكون مُغرية، ولأمد بعيد للباحثين، والدارسين، ومحبي فك الألغاز، خصوصاً وأن الأطراف التي أسهمت بها أطراف متشعبة وواسعة، داخلية وأقليمية وعالمية، حتى لكأنها واحدة من القضايا الكونية التي تهم العالم كله، وليس العراق وحده، أو الإقليم وحده. لقد حضر العالم كله، وغاب صوت المواطن العراقي وأهمل صوته، وهذه حقيقة لا يمكن القفز عليها، وهو أمر ينبغي أن يستوقف الدارسين، ويدفعهم للتعليل والتبرير، بالإضافة لحقيقة أخرى تأكدت أكثر فأكثر وهي أن التأثير الخارجي على الوضع العراقي، ليس كبيراً فقط، بل ساحقاً ومدمراً، وهو يشكل إهانة للكرامة الوطنية.

ستتحدد بعض خيوط اللعبة عندما نعرف مرشح أي من الكتل المكلف برئاسة الوزراء، هل هو مرشح دولة القانون، أم مرشح التحالف الوطني، أم مرشح الإئتلاف الوطني، أم مرشح توافقي، كما يحاول بعض مريديه، وبالأخص مكتبه، إشاعته؟

نعم توافقت عليه كل الكتل تقريباً عند التكليف، كل لغاية في نفس يعقوب، ولكن من يضمن أن كل الكتل هذه ستبقى على نفس الرأي عندما يتم توزيع المكاسب والمغانم؟

هنا سيضطر المكلف برئاسة الوزراء إلى الإتكاء على كتلة، وكلما كانت هذه الكتلة متماسكة وقوية كلما كان إكمال المهمة أكثر سهولة ويسراً.

الحقيقة أن كتلة التحالف الوطني لم تعد منسجمة، لقد أصابها الشرخ منذ أمد بعيد، وكذلك كتلة دولة القانون بعد الأحداث الأخيرة، ويمكن القول نفسه فيما يتعلق بحزب الدعوة، الذي بدا وفي الأيام القليلة الماضية كأنه حزبان، حزب المالكي، وحزب العبادي.

يعرف الشركاء هذه الحقيقة، ومخطيء من يتصور أن هؤلاء الشركاء يمثلون الطوائف والأثنيات، بل هم يمثلون أنفسهم ومصالحهم، لذا فهم سيرفعون سقف مطالبهم، ربما لحدود تعجيزية، وهم غير مستعجلين من أمرهم، وإن صرحوا بعكس هذا، فماذا يعني بالنسبة لهم إنقضاء المهلة الدستورية في تشكيل الحكومة، وهي 30 يوماً، وكأني بهم، أو ببعضهم على الأقل يتمنون في دواخلهم حصول هذا، حيث سينتقل التكليف للكتلة الثانية من حيث العدد، وبما أنه لم تحسب كتلة القانون كتلة قائمة بذاتها، بل هي جزء من التحالف الوطني، وعلى هذا الأساس تم تكليف العبادي، فإن الكتلة الثانية من حيث العدد ستكون كتلة التحالف الكردساتي، وهنا سيتم خلط الأوراق كلها..

صحيح أنه لا يمكن أن يمر أي رئيس وزراء من دون موافقة التحالف الوطني الذي لديه 180 مقعداً، ولكن من ذا الذي يقول أن التحالف هذا سيبقى كتلة موحدة، ولا حتى بإعتبار تمثيل الطائفة، فهو لم يكن هكذا مطلقاً، على الأقل منذ صولة الفرسان ولحد الآن. فكيف إذا لوّحوا لبعضهم بمنصب رئاسة الوزراء، خصوصاً إذا كان هذا البعض قليل خبرة وطامح بهذا المنصب؟ ومن ذا الذي يقول أن أعضاء هذه الكتل بمجملهم يفكرون بمصلحة من يمثلونهم أكثر من مصالحهم الذاتية، شأنهم في هذا شأن غيرهم من ممثلي الكتل الأخرى.

إستمالة جزء من التحالف سيغيّر الأرقام، سيجعل من كتلة التحالف الوطني أقلية، ومن التحالف المستحدث أغلبية، ولا يتصورن أحد أن هذا مجرد تحليل بعيد عن الواقع، بل هو تحليل مُستنبط من الواقع، وهو أمر ممكن تماماً، لا بل متوقع، بعد أن بينت الأحداث أن لاغريب بالنسبة لفرسان العملية السياسية.

ليس التحالف الوطني كتلة صلدة، أو على الأقل لم يظهر بهذا المظهر، لذا فإن إغراء البعض وارد، وشقه وارد، لقد تم فعل هذا بمن هو أكثر تماسكاً وصلابة، بدولة القانون، التي أثارت دهشة المراقبين لتماسكها رغم الضغوط التي فاقت كل تصور، لكنها في الأخير إنقسمت. ليس هي فقط، بل شمل الإنقسام الحزب الدعوي العقائدي، صاحب التأريخ الطويل في العمل السياسي والدعوي، وصاحب الخبرة التي راكمها الحكم المستمر لعقد من الزمان، فكيف يكون الأمر بالنسبة لتشكيلات ظهرت فجأة بعد التاسع من نيسان عام 2003، وجل قياداتها شباب لم يتمرسوا بالعمل السياسي، وليس لها أطر تنظيمية معتبرة، ولا نظام داخلي تحتكم إليه، ولا أسس تنظيمية، وتحركها في الأغلب الأعم العواطف المشبوبة أو ردات الفعل؟

بالتاكيد الوقت يضغط على رئيس الوزراء المكلف، الذي سيصب جهده على مسألة تشكيل الوزارة ضمن الزمن القانوني المحدد، ولا أحد يلومه في هذا، ولكن لا يمكنه تجاهل الأرضية التي يقف عليها. إنه لمبكر ومبكر جداً الحديث عن أن السيد الرئيس سيفعل كذا وكذا، فكلام مثل هذا لا نفع فيه، إذ عليه أن يقدم ومنذ الآن برنامجه، فالبرنامج هو الذي سيحدد لنا توجه الرئيس الجديد، لا ترشيق الوزراء، ولا تشكيل حكومة تكنوقراط، ولا إلغاء الألقاب العثمانية، فهذه تفاصيل رغم أهميتها، لكنها ليست الأساس.

عليه أن يبدأ من حزب الدعوة الذي تعرض لثلم كبير، ليس من المفيد تجاهله، وأن يحدد هذا الحزب ماذا يريد فعلاً، هل له برنامج وأهداف يسعى لتحقيقها، أم أنه يتكل على من هم خارجه، وعليه أن يجيب على سؤال هام: هل الصدف هي التي جاءت به إلى الحكم، وما هو إلا حزب دعوي ليس إلا، أو أنه جاء إلى الحكم ليحقق برنامجه، الذي لم نر أي تطبيقات له على أرض الواقع مع مزيد الأسف، اللهم إلا إذا كان هدفة فرض الأسلمة على المجتمع، وبالشكل المظهري الطقوسي الذي شاهدناه؟ هل يعمل الحزب لإرضاء قناعاته أم لإرضاء قناعات غيره، وعندما يختار أحد الخيارين عليه أن يتصرف وفق هذا، فإما أن يكون غيرالذي كان، أو يظل مثلما كان.

هل حزب الدعوة الآن جزء من التحالف الوطني، أم جزء من دولة القانون؟ عندما يكون جزءاً من التحالف الوطني، من دون أن يكون جزء من دولة القانون، فإن وزنه سيكون "شيء "، أما إذا كان جزءاً من دولة القانون، المنتمية للتحالف فإن وزنه سيكون "شيء" آخر.

ثم هل الأطروحات التي نادت بها دولة القانون، كالأغلبية السياسية التي لا تتعارض مع إشراك كل المكونات، والتي جعلتكم الكتلة الأكبر والأقوى بين الكتل إنتخابياً، هل هي نتاج طبيعي لتطور الفكر الوطني لهذه الكتلة، أم أنها قناعات رئيسها السابق، وأنتم غير معنين بها ولا ملتزمين بعد رحيل المنادي بها والداعي لها، أم إنها لم تكن سوى وسيلة لحشد الناس خلف هدف نبيل تبين أن الناس بحدسها الفطري إلتفت حوله، ووجدت فيه الطريق للخلاص من الفساد، والتخندق الطائفي، وتقاسم المنافع والمصالح بين الفرقاء الذين لا يذكرون ناسهم إلا في وقت الإنتخابات؟.

لقد إنتخبت الناس كتلتكم التي أنت منها، بناءا على برنامج بذلتم جهوداً مضنية لإقناع الناس به، فما اذ أنت فاعل اليوم، بعد أن أصبحت في مركز القرار، هل ستعمل على تنفيذه، أم تعمل على تنفيذ برامج الآخرين؟ عسى أن تكون الوقائع والنكبات، وتراكم الخيبات، قد أكدت حقيقة واضحة وضوح الشمس، إلا وهي أن الطوائف لا تبني دولا عصرية متحضرة.

العراقيون يطمحون بأن تكون لهم هوية واحدة جامعة، ألا وهي الهوية العراقية، لا يريدون أن يذبح بعضهم بعضاً بتشرذمهم وإصطفافهم وراء هويات ثانوية، ليست هي في أحسن الأحوال سوى تنويعات وتفسيرات لنص واحد، فهل هذا كثير عليهم، وهل تعذر بفعل الإحتلال وجود الساسة القادرين على تأكيد هذه الهوية وتكريسها.

كلما يندرج بعيداً عن تكريس الهوية الموحدة، الهوية العراقية، لا يعدو أن يكون لهواً ولعباً وتخريباً، وإصراراً على المضي في درب الآلام والخيبات والنكسات، والدمار الذاتي الشامل.

طريقان لا ثالث لهما، فإيهما ستختار؟