في الحب وأحواله

بقلم: السيد نجم
التلقائية تفسر الحب الشديد

.."قبل هذا الكتاب، كان العشاق العذريون فى تصورنا أنقياء كالملائكة، معصومين كالقديسين. ويأتي صادق جلال العظم فى هذا الكتاب ليمزق القناع عن وجوه العشاق العذريين، وليكشف بالمنطق والفكر الفلسفى العميق، أنهم كانوا فى حقيقتهم نرجسيين وشهوانيين.." تعليق نزار قباني حول كتاب "في الحب والحب العذري".
فى مقدمته الهامة أشار الكاتب الى أن موضوع "الحب"، أنه من الموضوعات الشائكة..سواء بالنسبة للفلاسفة والمفكرين وقد درسوا طبيعته منذ أقدم العصور. وبالنسبة للعامة ويظن الجميع أنهم قادرون على وصفه وتحليله، ربما أفضل من كل الفلاسفة. وان قال الامام "ابن حزم" حول هذا الموضوع عن الحب: "دقت معانيه لجلالتها عن أن توصف، فلا تدرك حقيقتها الا بالمعاناة".
يرى الكاتب أن البحث عن تعريف مقبول وشامل عن الحب، يعد من باب المستحيل، ومع ذلك بدأ الكاتب رحلته فى محاولة للاقتراب من معنى الحب وأحواله.
.. ليس الحب البحث عن الحقيقة المجردة أو حب المثل الأفلاطونى السرمدى. كما أنه ليس حب الوطن أو المال..أو الأخ لأخيه أو الأم لولدها..وان جمعت المحبة بينها وبين الحب الذى نعنى.تشير كلمة "الحب" الى المشاعر والأحاسيس والانفعالات المتقاربة المتشابهة فى النفس.
.. بصرف النظر على التناول السلبي أى باستخدام النفى، يمكن القول أن الحب هو الشهوة والحاجة والنزوع والميل الى الامتلاك للمحبوب، بصورة من الصور. والاتحاد به بغية اشباع هذا النهم، لتحقيق الشعور بالاكتفاء. ومع ذلك فالحب غير الشهوة الجنسية..الحب أشد تعقيدا، لأن الرغبة على أهميتها ليست الشرط الكافى للحب أو اللازم. لأن الحبيب يختار من سيركز عليه عواطفه (على العكس من الرغبة التى اشباعها بشكل ما دون الحب الحقيقى) أى أن الحب يميز ويختار. وللتفرقة بين الحب والرغبة، أنه فى حالات الكبت الشديدة قد يظن المرء (رجل أو امرأة) أنه وقع فى حب طرف آخر لمجرد تبادل الحوار أو انفراجة ما من أحد الطرفين الى الآخر، وسرعان ما يكتشف الحقيقة أن ما كان فيه ليس حبا. وبمعنى آخر يزدهر الحب بعد مرحلة الانجذاب الجنسى. لأن الحب حالة عاطفية مركبة تشمل كيان الانسان كله:عقله وجسده وروحه.
وقد عبر "سوفوكليس" الأديب اليونانى القديم عن ذلك بقوله:
"الحب ليس وحده الحب
ولكن اسمه يخفى ثناياه أسماء أخرى متعددة
انه الشهوة المحض، الجنون العاصف والنواح"

.. من أهم الخصائص التى يجب ذكرها عن الحب، كونه انفعاليا تلقائيا وعفويا بالنسبة لمصدره وبواعثه، يجيش فى القلب بدون تكلف. وهو سر حيرة الجميع لتفسير الكثير من حالات الحب الت نراها أو نسمع عنها، مهما أوجدنا من مبررات اقتصادية أو اجتماعية..الخ. وهو ما شاع بمقولة "الحب أعمى". وهو ما عبر عنه أحد الشعراء بقوله:
انى أحبك حبا ليس يبلغه فهم ولا ينتهى وصف الى صفته
أقصى نهاية علمى فيه معرفتى بالعجز منى عن ادراك معرفته
وتلك التلقائية هى التى تفسر الحب الشديد الذى لا يتناسب مع محاسن المحبوب. يبدو أن الجمال الجسمانى ليس فاصلا فى الهوى والعشق. أما الحسن الجسدى فيصلح للتذوق الجمالى والاستمتاع الفنى.
.. ممن مميزات الحب أنه ليس كونه انفعالا سلبيا يطرأ على الانسان مثل الحزن أو الانشراح أو التأثير الوجدانى. زبل يتصف بطابع حركى ايجابى والسعى نحو المحب بغية تحقيق الاتصال به والاتحاد معه. أى السعلا لارضاء المحبوب واسعاده والتضحية لتحقيق رغباته.
ويفترق فى ذلك عن الصداقة التى تحمل أغلب تلك الخصائص..مع فارق أن الأحبه يستسلم كل منهما الى الآخر على العكس من الصداقة التى يحمل فيها كل صديق خصوصيته ورفضه وقبوله.

.. كما يتميز الحب بكونه شقيا تعيسا يائسا، انه الحب الذى لا يعرف النهاية السعيدة. بل قرين الموت والدمار والخراب.لعل قصص الحب الشهيرة تبرز هذا المعنى.."روميو وجولييت"، "آنا كارنينا".. الخ.
وفى التراث العربى ما يؤيد تلك الفكرة، وكلنا نعرف الحديث المأثور :"من أحب فعف فمات، مات شهيدا". وفى كتاب "مصارع العشاق" قال "أبوبكر السراج":
"أنت التى عرقتنى بعد القضا لو تعلمينا
لا خير بعدك فى البقا والموت ستر العاشقينا"

وفى خاتمة تناول هذا الموضوع أضاف الكاتب أن حالة الحب تلك وبكل ما تحملها من أوصاق وحالات، يستوي عندها الرجل والمرأة وان بدت المرأة أقل درجة فى التعبير عنها، لأسباب فطرية ثم أنثوية اجتماعية بعدها. السيد نجم Ab_negm@yahoo.com