في الاردن، رِفْقاً بحاويات القمامة!

بقلم: جواد البشيتي

الحادث في حدِّ ذاته ليس بالعادي أو الطبيعي أو قليل الشأن والأهمية، وينبغي له أن يَدُقَّ ناقوس الخطر، وأن يُسْمِع من له أُذْن تسمع، ويُري من له عين تُبْصِر، فإنها لمأساة وكارثة أن ينتهي إلى ما يدعو إلى القول: لقد أسمعت لو ناديت حيَّاً ولكن لا حياة لمن تنادي!
أمَّا في فِعْلِه وتفاعله، في وقعه وتأثيره، فهو، حتى الآن، أقام، ويقيم، الدليل على أن مجتمعنا في حالٍ سيكولوجية سيئة، بل في منتهى السوء، ففي حاوية القمامة أو الزبالة تلك لم أرَ ذلك الطفل البائس، في حياته ومماته، كما لم أرَ فيها الطفولة، كل الطفولة، فمعه، ومعها، رأيتُ ما يجب أن يرى، وهو القيم والمبادئ والمشاعر الإنسانية والأخلاقية، فـ "حوَّاء"، بكل معانيها الحقيقية والمجازية، أصبحت "حاوية للقمامة"!
والصحافة، صحافتنا، المتوفِّرة، على ما تَزْعُم، وعلى ما يُزْعم، على صناعة الرأي العام الاردني، اسْتَكْثَرت إذ تكاثر فيها الهم السياسي نشر الخبر في صفحتها الأولى، وبعنوان أحمر يمتد على ثمانية أعمدة، وكأنَّها أرادت إقناعنا بأنها قد جُبِلَت على جعل الحبَّة من القضايا قُبَّة، والقبَّة حبَّة.
الحادث يراد تصويره على أنه حادث عادي، يمكن أن نرى فيه ما بُذِل من جهد لمعرفة اسم وهوية الطفل، وذويه، ومكان إقامته قبل اتِّخاذه حاوية القمامة مأوى له، وسرير نوم، ومصدر غذاء، وطاولة طعام؛ وأن نرى فيه أيضا مأساة ذلك الشاب الجامعي الذي أراد تحاشي اصطدام سيارته بسيارة أخرى فصدم سيارته بحاوية القمامة، غير متوقِّع أن يكون فيها طفل نائم؛ وكيف له أن يتوقَّع؟!
هذا الشاب يكفيه ما عانى مع والده حتى الآن، فهو، عن غير وعي، وعن غير قصد، قام بعمل جليل حقَّاً يستحق أن يكافأ عليه، فالأفضل لذلك الطفل أن يلقى هذا "الموت الرحيم" على أن يستمر في تلك الحياة التي يكفي أن يعيشها أي إنسان حتى يحسد الموتى على موتهم!
حتى المستشفى كانت له مساهمة في صُنْع تلك المأساة، أي في صُنع بعضٍ من الأسباب التي تؤدي إلى ما يشبهها من مآسٍ، فالطفل الذي نقل إلى المستشفى وهو بين الحياة والموت لم يتلقَ علاجاً مجانياً؛ وإنَّما مدفوع الثمن؛ وقد دفعه أهل الشاب. وكان ممكنا أن يمتنع المستشفى، الذي فيه ينبغي للإنسانية أن تظهر وتتأكد، عن استقباله ومعالجته لو امتنع أهل ذلك الشاب عن دفع ثمن العلاج، أو لو كانوا غير قادرين على دفعه؛ ولقد وقعت من قبل مآسٍ كثيرة بسبب غلبة هذه الروح التجارية في المستشفيات والعيادات الطبية.
أهل المنطقة، التي فيها وقع الحادث، كانوا يعلمون، على ما أفاد به بعضهم، أنَّ في حاوية القمامة تلك كان طفل يقيم، يعيش ويأكل وينام، منذ بعض الوقت؛ ومع ذلك لم يحرِّكوا ساكنا، ولم يفعلوا شيئاً، وكأن "اللهم نفسي" هو المبدأ الذي لا يعلوه مبدأ في تقرير سلوكنا وموقفنا!
وقد نسمع، في معرض التبرير، أنَّ كثيراً من المتسولين ليسوا بمتسولين حقيقيين، ويتخذون التسول تجارة ومهنة، فأساءوا، بالتالي، إلى من هم في حاجة إلى العيش بالتسول إذ أصبح من الصعوبة بمكان أن نميِّز هؤلاء من أولئك. وقد نسمع أيضا أن ذوي ذلك الطفل، وأمثاله، هم المذنبون والمجرمون، والذين يتحمَّلون وحدهم مسؤولية ما حدث.
إنَّنا جميعاً شركاء في تلك الجريمة التي ارتكبناها في حق أنفسنا، وفي حق الإنسان، أو ما بقي من الإنسان فينا، إذ ارتكبناها في حق ذلك الطفل مع ما يمثِّله من الطفولة؛ ولن يفيد القول بـ "القضاء والقدر"، في هذا المقام، إلاَّ في إقامة مزيد من الأدلة على أننا شركاء متساوون في ارتكاب تلك الجريمة.
وإذا أردتم مزيداً من الأدلة على أننا كذلك فلتتذكَّروا أنَّ 100 مليون دينار قد أنفق المرشحون للانتخابات النيابية لتأليف قلوب الناخبين من حولهم، ولإقامة الولائم التي نصفها يذهب إلى البطون، ونصفها إلى حاويات القمامة، التي طالما رأينا بعضا من بَشَرِنا، ومن مواطنينا المساوين لنا في الحقوق كافة، يبحثون فيها عن طعام أكثر فساداً بقليل من بعض ذلك الطعام الذي نشتري!
ولتتذكَّروا، أيضاً، ما يُسْتَجْمَع من مال في صناديق البر والإحسان، وما يشبهها في قيمها وغاياتها الإنسانية والأخلاقية، وما يُسْتَجْمَع من ضرائب في سبيل التنمية الاجتماعية، والرعاية الاجتماعية، وحماية ورعاية الأطفال، ومكافحة التسوُّل، وغيره من الآفات الاجتماعية، فانتهى قولنا وعملنا، في هذا الصدد، إلى طفلٍ، كانت له حاوية القمامة، المهد واللحد!
هذا الطفل أساء إلينا كثيراً إذ عاش كما عاش، وإذ مات كما مات، فلنغفر له ولو رفض هو أن يغفر لنا ما ارتكبناه من إساءات في حق أنفسنا إذ قَبِلْنا حياته ومماته على أنهما أمر عادي، أو يمكن اعتياده! جواد البشيتي