في الإمارات، يتعقبون طائر الحباري فضائيا

أبو ظبي- من عبد الناصر فيصل نهار
اهتمام اماراتي واسع بطائر الحباري

منذ وجد الإنسان على الأرض، وهو يؤثر على البيئة سلباً بوسائل وطرق مختلفة، وذلك كنتيجة طبيعية لنشاطاته واحتياجاته المتنوعة، دون وعي كافٍ للأخطار المحتملة على التنوع الحيوي والبيولوجي لكوكب الأرض.
ولم تلاحظ تلك الأخطار بشكل واضح وجلي، إلا بعد الثورة الصناعية على الرغم مما حملته من اختراعات تقنية وتطورات علمية لمصلحة الإنسان الذي وصل بفضلها إلى قمة العلم ، إنما دون إدراك لتأثير الممارسات البشرية على مستقبل الحياة على الأرض.
وعلى الرغم من تعالي الصيحات المطالبة بحماية الطبيعة والثروة الحيوانية، فقد كان من أبرز تلك الممارسات والتأثيرات السلبية انقراض بعض أنواع الطيور تماماً، وتناقص أعداد أنواع أخرى تواجه ما نسبته 12.5% منها خطر الانقراض في القريب العاجل، وفي مقدمتها طائر الحبارى البديع أكثر الطيور قرباً إلى قلوب الصقارين في منطقة الخليج العربي، حيث يتنافسون على استخدام مهاراتهم التقليدية في الصيد بالصقور لتعقب هذا الطائر الخجول الذي تمرسوا في صيده ومعرفة سلوكياته.
ومن أهم العوامل التي تهدد الحبارى بالانقراض اليوم الصيد الجائر في مناطق إشتائها، وعمليات الأسر الواسعة لاستخدامها في تدريب الصقور، بالإضافة إلى التجارة غير المشروعة بها، وتزايد الصيد في مناطق تكاثرها في أواسط آسيا خلال الأعوام الأخيرة.
لقد أدت علاقة الألفة الخاصة التي وجدت منذ القدم بين الصقارين وصقورهم إلى خلق إرث تراثي لرياضة الصيد بالصقور على امتداد منطقة الخليج بأسرها، حيث تفوق أعداد الصقارين الخليجيين أعدادهم في أي منطقة أخرى من العالم.
وتعتبر الحباري هي الطريدة التقليدية المفضلة لهذه الرياضة العريقة، لذلك فإن الحفاظ على الموروث التراثي للصقارة هو أمر مرهون بمدى المحافظة على هذا الطائر.
ويتوقع مراقبون ان تنقرض الحبارى في عام 2027 ما لم تنفذ استراتيجية للتنمية المستدامة بشكل سريع، ويتحمل الصقارون مسؤولية الانقراض كعامل أساس في تناقص أعداد الحبارى.
وقد قام المركز الوطني لبحوث الطيور بدولة الإمارات خلال عام 2001 بإشراف هيئة أبحاث البيئة والحياة الفطرية وتنميتها، بتطوير استراتيجية شاملة للمحافظة على الحبارى الآسيوية، وذلك عبر المراقبة العلمية السليمة للتغير في أعداد الحبارى وبيولوجيتها ومعدل زيادتها والضغط الناجم عليها من الصيد، وتنظيم مناطق وفترات الصيد، وفرض حماية مشددة لتكاثر الحبارى وأماكن تواجدها، والحرص على إعادة تأهيل المصادر منها، والعمل على تفعيل برنامج التكاثر في الأسر لإطلاقها محلياً وتعويض النقص في أعدادها، فضلاً عن تقديم المشورة وإجراء بحوث التعاون الدولي من أجل حماية البيئات الطبيعية للحبارى.
وقد حقق المركز سبقاً عالمياً هاماً باعتباره الأكثر نجاحاً في مجال تتبع مسارات الحبارى باستخدام الأقمار الصناعية.
ويقوم نادي صقاري الإمارات بدور فعال لأجل الحفاظ على هذا الطائر من الانقراض بحيث يتم توفير المعلومات الكافية للصقارين للمساهمة في الحفاظ عليه، ومحاربة الاتجار غير المشروع بالحبارى.
ويمكن للصقارين العرب المساهمة في تقليل الضغوطات التي تعاني منها طيور الحبارى البرية، وذلك بواسطة استخدام الأنواع الأخرى التي يمكن إكثارها في الأسر لتدريب صقورهم.

ابحاث حول الحباري

ومنذ العام 1993 يجري المركز الوطني لبحوث الطيور في أبو ظبي يُجري أبحاثه حول بيئات طيور الحبارى، ويهدف هذا العمل الطموح إلى فهم العلاقات بين طيور الحبارى في آسيا والبيئة المحيطة بها، وبالتالي عمل دراسات إحصائية لتحديد معدل الوفيات والمواليد، والتكاثر والهجرة والمخاطر التي تهدد تواجدها.
ويسعى المركز إلى تقليص عمليات الاتجار غير القانونية بطيور الحبارى داخل دولة الإمارات، والقضاء على الاتجار الدولي بها مستقبلاً (يقدر عدد الحبارى الآسيوية التي تدخل الإمارات فقط لأغراض التدريب إلى ما يقارب 6000 إلى 7000 حبارى سنوياً).
ومع سعة نطاق الانتشار لطيور الحبارى في آسيا وطبيعة هجرتها أصبح من الواضح أن الجهود التي تبذل في دولة الإمارات للحفاظ على طيور الحبارى وزيادة أعدادها، ستكون بلا جدوى إذا وجدت العوامل التي تحدّ من أعداد طيور الحبارى في مكان آخر.
ومن هذا المنطلق أنشأ المركز الوطني لبحوث الطيور الذي يتبع هيئة أبحاث البيئة والحياة الفطرية وتنميتها، شبكة من المتعاونين ضمن أماكن انتشار الحبارى للمساعدة في وضع الخطة المثلى للحفاظ على هذا الطائر في المنطقة الواقعة من الصين شرقاً وحتى الجزيرة العربية غرباً.
ويتعاون المركز في آسيا بنشاط وفاعلية مع كل من جمعية إنتاج أبحاث مكافحة الآفات الزراعية في كازاخستان وهيئة زينجيانغ للبيئة والجغرافيا في الصين والمركز الوطني لأبحاث الحياة الفطرية في السعودية ومكتب المستشار للحفاظ على البيئة في سلطنة عمان وجمعية الحبارى الدولية في باكستان.
وينظم المركز الوطني لبحوث الطيور رحلات استكشافية طويلة الأمد في مناطق تكاثر الحبارى بوسط آسيا، وخلال هذه الرحلات يتم تقييم التغيّرات في كثافة طيور الحبارى عبر السنين وجمع المعلومات حول نجاح التكاثر ونسبة الطيور التي تبقى على قيد الحياة.
ولاستطلاع مستوى أعداد طيور الحبارى عمل المركز في السنوات الخمس الأخيرة على مراقبة الخطوط البيانية لأعداد طيور الحبارى في كافة أنحاء آسيا، وبدأت شبكات المراقبين التي أنشأها المركز الوطني لبحوث الطيور في كازاخستان والصين ودولة الإمارات بالحصول على معلومات هامة ومباشرة حول تغيّرات أعداد طيور الحبارى عبر السنين.
وتتيح المعلومات التي يحصل عليها المركز الوطني تقدير حجم تكاثر طيور الحبارى في آسيا، وهذا أمر هام لأنه من الواضح أن طيور الحبارى تبقى في الوجود فقط إذا كان حجم تكاثرها على المدى الطويل (ويقاس بنجاح التكاثر) مساوياً أو أكبر من حجم خسائرها على المدى الطويل (ويقاس ببقاء الأفراد على قيد الحياة).

برنامج رائد لتتبع الحبارى بواسطة الأقمار الصناعية

وباستخدامه التقنيات المتطورة للتعقب بواسطة الأقمار الصناعية أكد المركز أن دولة الإمارات هي الأولى في العالم التي تتعقب طيور الحبارى أثناء هجرتها شمالاً وجنوباً.
فبين عامي 1994 – 2000 قام باحثون من المركز بإعداد برنامج تتبع بواسطة الأقمار الصناعية، وذلك من أجل دراسة معدل الوفيات في المجموعات البالغة من الحبارى الآسيوية المهاجرة.
وتم أسر الطيور في مناطق تعشيشها في كل من كازاخستان " صحراء تكوم و شبه جزيرة بوزاش" والصين"حوض جيانجر" والمناطق الشتوية في كل من باكستان "صحراء شولستان" والإمارات "منطقة بينونة".
وقد تم أيضاً تتبع 41 طائراً مزوداً بأجهزة فضائية لمدة 10965 يوماً، بينما تمت مراقبة الأنواع الآسيوية الأخرى أرضاً وذلك بسبب تعذر انتقال البيانات من جهاز التتبع الفضائي المثبت على الحبارى إلى القمر الاصطناعي.
وتم التوصل أيضاً إلى أن نسبة مجموع معدل الوفيات كان 0.283 بالمائة فيما أرجع ذلك إلى صيدها وسهولة تعرضها لفقد بيضها، وهو ما يفسر نسبة الوفيات الملاحظة التي تبلغ 73.5 بالمائة. أما نسبة معدل الوفيات في الشتاء حين تكون أكثر عرضة للصيد إضافة إلى معوقات التفقيس فقد بلغت أكثر بـ11.2 مرة منها في فترة التكاثر (التزاوج).
ومن المؤكد أن نتائج هذا البرنامج ستؤثر في إجراءات الحفاظ على طيور الحبارى الآسيوية، لأنها تساعد في تحديد مواقع مناطق تكاثرها ومناطق قضائها لفصل الشتاء ونقاط توقفها أثناء هجرتها، وبالتالي يصبح من الممكن حمايتها بصورة مؤثرة.
ويقول الخبراء ان اذا ما استمرت الممارسات الخاطئة تجاه الحبارى، فإنها ستنقرض بالتأكيد وبشكل كامل في مَواطِنها الأصلية وحتى مَواطن هجرتها.