في الإسكندرية .. زوجات يضربن أزواجهن

بقلم: مصطفى نصر
مشاكل نفسية

كنا نسكن بيتاً في حي "سوق عقداية" المشهور بتجارة المخدرات في الإسكندرية، كانوا يسمون بيتنا؛ بيت الصعايدة، خمسة أخوة جاءوا من الصعيد، واشترى أقاربهم الذين سبقوهم إلى الإسكندرية؛ هذا البيت، دون أن يعلم أبي وأخوته شيئا عن هذا الحي. صعايدة يتحكمون في زوجاتهم، يسبونهن ويضربونهن إذا اقتضى الأمر ذلك، أحدهم ضرب زوجته في الصباحية دون سبب لكي تعرف طبعه وتتعود عليه. وأصغرهم كان يسكن حجرتين في الشقة التي نسكنها، كنت أراه من حجرتنا وهو ينادي زوجته، وهي خائفة منه، كطفلة صغيرة خائفة من أبيها.
نشأت في هذا الجو، وعرفت أن الرجل له حقوق على زوجته، لكن فجأة حدثت مشاجرة في البيت المقابل لبيتنا، رجل يتشاجر مع زوجته، ضربها فردت عليه بالضرب هي الأخرى، والظاهر أنها أقوى فقد فازت عليه، وكانت مفاجأة غريبة بالنسبة لي. أهناك امرأة تستطيع أن تضرب زوجها؟!
إنني لا أذكر اسم هذه المرأة الآن، وقد حاولت أن أتذكره دون طائل، استعرضت في ذهني الجيران الذين كانوا يسكنون البيوت حول بيتنا، أم حسين المرأة الصعيدية الطويلة العريضة المتزوجة من القط عامل المخبز، والذي يصغر ابنها حسين، وكان ابنها يبيع الفاكهة، وكان أبي يرسلني إليها لشراء البطيخ الذي كانت تضعه تحت السرير ذي العمدان العالية، وأم إبراهيم سوسو التي كانت تعمل في كار العوالم، والمرأة الجميلة الطويلة العريضة، التي كانت مسيحية وأسلمت وتزوجت من تحبه.. إلخ.
تذكرت هذه الحادثة التي مر على حدوثها ما يزيد على الخمسين عاماً عندما وصلني إيميل لا أدري من أين جاءني، رجل يحكي عن مشاجرة حدثت في أحد البيوت، امرأة تصرخ وتسب، فدخل مع بعض الرجال ليروا ما يحدث، ظنوا أول الأمر أن رجلا يضرب زوجته، وهي تصرخ وتستغيث، فرأوا أطفالا صغارا ملتصقين بالحائط في ذعر وينظرون في هلع إلى باب حجرة موارب، يأتي منه صوت المرأة، فدفعوا الباب ودخلوا الحجرة، فإذ بامرأة تمسك خرطوم مياه وتضرب به زوجها القابع في ركن الحجرة في خوف، نظرت الزوجة إليهم غاضبة، وصاحت فيهم:
- ما الذي أدخلكم الشقة دون استئذان؟
فأسرعوا خارجين من الشقة في دهشة.
وتذكرت المرأة التي اتصلت من سوريا، لتتحدث مع مذيع برنامج "القاهرة اليوم"، لتدلي برأيها في الموضوع الذي طرحه المذيع عن ضرب الزوجات لأزواجهن، فقالت:
- كنتُ وأنا صغيرة مدعوة مع أسرتي لزيارة أسرة تعيش في الإسكندرية، ورأيت الزوجة المضيفة تضرب زوجها بالشبشب، وهو قابع في ذلٍّ غير قادر على الرد عليها ولا حتى بالكلام، وأطفالها يهدئونها، قائلين:
- خلاص يا ماما، مش حايعمل كده تاني.
قالت إن هذا المضيف كان مديرا عاما في شركة من شركات الإسكندرية.
شعرت بالضيق من حديث المرأة السورية، لأن ما تحكي عنه حدث في مدينتي الإسكندرية. وذلك الزوج الخانع الضعيف هو سكندري.
وحكى لي أحد الأصدقاء، أنه على صلة بأسرة، رجل مسن متزوج من امرأة شابة تصغره بكثير، يزورهم ويزورونه، وفي إحدى الليالي، اتصل به الزوج وهو يبكي صائحا:
- ألحقني يا " ......" ، فلانة تضربني.
لكنها شدَّت منه سماعة التليفون، وقالت:
- لا ، ده بيهزر معاك.
ولم يكن الرجل يُهزر، إنما كان يبكي من الألم.
ما الذي يجعل رجلا يتقبل هذه الإهانة من زوجته؟! لاشك أن هناك أسبابا كثيرة لذلك. فقد عرفت رجلا ثرياً غير وسيم، يمتلك مصنعا صغيرا للعلب المعدنية متزوجا من امرأة جميلة وصغيرة، تزوجته من أجل ماله، كانت تحكم عليه بأن ينزل قرب الفجر ليبحث عن جزار فاتح ليشتري منه سجق، وكان ينزل ويركب سيارته ويدور في شوارع الإسكندرية ليأتي لها بما تريد.
ورجل كان زميلي في العمل، قال لي: كل شيء له ثمن، قد يتأخر السداد، لكنه لا بد أن يسدد، حكى لي حكايته، كان يسهر لوش الصبح مع أصدقائه، وينفق أمواله على الشرب والسهر، ولم يخطر له الزواج على بال، لكن شركتنا (شركة الورق) اشترت مصنع كرافت السويس بعد أن ضربته القوات الإسرائيلية أكثر من مرة بعد هزيمة حرب 67، وضمت شركتنا إليها العاملين في المصنع، فجاءت امرأة مطلقة تمتلك أموالا مكنتها من إيجار شقة قريبة من مكان العمل، وعرضت على زميلي هذا الزواج: "لن تغرم مليما، كل شيء على حسابي"، وفرح الرجل وتزوجها، كان وقتها شابا وسيما وقوياً، أنجب منها بنتا، ثم شاخ، وهاجمته الأمراض، فكانت تتحكم فيه، أحيلت على المعاش قبله، فكانت تضيق من إحداث الأصوات في الصباح، وهو يستعد للذهاب إلى العمل، قال لي:
- لا أستطيع أن أطلب منها كوب ماء، أنتظر عندما تطلب منها ابنتها هذا، فأقول لها، وأنا كوباية ميه بالمرة.
اتصلتْ به مرة وأنا أجلس بجواره قائلة:
- تعالى خد هدومك وسيب البيت.
فرد عليها قائلا:
- هدي أعصابك يا حاجة، عاملنا أكل إيه؟
وحكى لي أديب كبير، بأن جارا له في بيته القديم، تضربه زوجته من وقت لآخر، لأنه يطارد النساء (جاراته) ويفعل أفعالا مشينة متخفيا خلف النافذة، فتشكيه الجارات إلى زوجته التي تضطر لضربه لكي تمنع مشاكل ستحدثها الجارات وأزواجهن.
لاشك أن الأزواج الذين يرضون لضرب زوجاتهم لهم، لديهم مشاكل نفسية تجعلهم يتحملون هذا، فأعرف رجلا متزوجا من امرأة أصغر منه بكثير، جميلة وناضجة، وهو لم يعد قادرا على شيء، فأدى هذا به إلى أن يغار عليها بشكل مرضي، يتشاجر مع أصدقاء ابنها الذين يأتون للسؤال عنه، وكل يوم مشكلة من هذا النوع، مما جعل زوجته تتجرأ عليه وتسبه. وهو غير قادر على الرد عليها، ولا يستطيع البعد عنها. مصطفى نصر ـ الإسكندرية