في اثناء الزوبعة: حيث لا يسمع أنين الضحايا احد

بروكسل ـ من د.طاهر علوان
المختلفون هم الضحايا دائماً

عالم ماثل هناك، عالم مغلق على ذاته، ضحيته الانسان بل ضحيته البشرية كلها، عالم موغل في القهر والماساة، ومهما قيل ومهما كتب وما انتج من صور ستبقى غيض من فيض لعالم تتسع فيه الماساة باتساع الزمان والمكان والتاريخ.
في ذلك الزمن القاتم كان هنالك المثقفون الروس، وكان هنالك ستالين في مقابلهم، لم يكن هو الا شاهدا وفاعلا على ثورة تاكل ابنائها، والصعود الى المجد لابد وان بمر عبر سلالم من جماجم الابرياء وغير الابرياء ولابد من الطقس السلطوي الوحشي بالاغتسال اليومي في بحيرات من دماء الضحايا، اصداء الوحشة في الاركان في كل مكان من الاتحاد السوفيتي في حقبتي الثلاثينيات والاربعينيات، كان السوط الشيوعي الستاليني يجلد الضحايا ليل نهار ويستخدم قوة امبراطورية مرهوبة الجانب من اجل سحق افراد قلائل كثير منهم شبهته وتهمته هي انه يفكر بطريقة مختلفة.
هذه هي كارثة كل زمان ومكان، والضريبة القاسية التي يجب ان يدفعها كل من يفكر بطريقة مختلفة، المختلفون هم الضحايا دائما، اشباحهم تقض مضاجع الطغاة وتقض مضاجع الحاسدين والحاقدين والكارهين، حتى على مستوى حياتنا اليومية العادية.
منذ ممات لينين - الدولة السوفيتية الامبراطورية في سنة 1924 بدأ نجم ستالين بالسطوع الدامي، يتنكر اولا كما يفعل كل العتاة، يتنكر تحت غطاء القيادة الجماعية وانه جزء ممن الكل في تلك القيادة ثم لتتسلل افعى الشيطان خلسة، ينظم الى كامينيف وزينوفيف مكونا ثلاثيا للقيادة وسرعان ما يمتد اخطبوطه بوصوله الى السلطة المطلقة في 1930 وهناك بدأ حمامات الدم؛ اباد اعضاء اللجنة المركزية البلشفية ولم يبق غيره ووزير خارجيته مولوتوف واعقبها بابادة كل من عبر عن فكر مغاير او حتى من شك بمعارضتة، وقتل مئات الالوف تحت شبهة وتهمة الاختلاف.
رحل ستالين مليون ونصف مليون انسان ليموتوا هناك..بعيدا متجمدين جوعى مشردين في سيبيريا لا يسمع صرخهم احد وكانت التهم شتى من بينها التعاطف او التعاون مع النازيين او معاداة مبادئ الثورة.
اعدم ستالين مليون نسمة بين 1935 و1938 وبين 1945 و1950.
وفي العام 1940 وقع على اعدام 25 الفاً من المثقفين وفي المجمل بلغ عدد ضحاياه ما بين 18 الى 22 مليون انسان خلال مدة حكمه التي امتدت إحدى وثلاثين سنة.
وسط هذه الفظائع كانت قصته مع تروتسكي، رفيق دربه واحد المع رجال الثورة، لكنه هو الاخر حمل راية الاختلاف فحلت عليه اللعنة تشريدا ونفيا من بلاد الى بلاد، تنكيل واغتيال لكل المقربين منه؛ اسرته، اصدقاءه، ملاحقة واعتقال كل من يتعاطف مع فكره وهو الشيوعي وابن الثورة ولم يكتف ستالين بكل انواع التنكيل والملاحقة بل عمد في الاخير الى اغتيال تروتسكي نفسه في منفاه في المكسيك عام 1940..قصة هذا الفيلم تتحدث عن هذه المرحلة.

مختصر القصة ايفيجينا جينزبورغ (الممثلة ايميلي واتسن) هي استاذة للادب الروسي وعضو نشيط في الحزب الشيوعي السوفيتي في حقبة الاربعينيات وزوجها هو الاخر شخصية مثقفة مرموقة وعضو بارز في الحزب الشيوعي الستاليني ويرأس تحرير احدى الصحف اليومية.
هي امراة مرهفة وشاعرية تترنم مع تلاميذها باشعار بوشكين وليرمنتوف وروائع تشيخوف وتولستوي وغيرهم هي التي تتفاعل مع الابداع الانساني وتجد فيه ذروة للرقي والتحضر ويشاركها ذلك الحس زميلها سيدروف (الممثل جيمي يول) - الذي ينشر مقالات تعبر عن رؤاه تلك ولكن يجري تفسير تلك المقالات على انها مساس بالثورة والحزب القائد والزعيم الاوحد ستالين وانها تاثر وتواطؤ مع التروتسكيين وتكون النتيجة هي القاء القبض عليه وزجه في السجن بسبب ادانته بتلك التهم دون ان يقوى اي شخص على مد يد العون له ولا تتوقف القصة عند هذا الحد بل تتعدى ذلك الى الطلب من جميع زملائه اعلان البراءة منه وادانته ولكن البروفيسورة زميلته ترفض التوقيع على ورقة بهذا المعنى وترد على المسؤول الحزبي للجامعة انها لم تلحظ سلوكاً غريباً من زميلها تستوجب ان توقع على ادانته وما كان يكتبه كان طبيعيا.
ويترتب على رفضها التوقيع على ورقة الادانة ان تساق الى التحقيق ويتقرر ايقافها عن التدريس لاتهامها بانها تحمل افكارا متاثرة بالتروتسكيين ويعجز زوجها ذو المنصب الرفيع عن مساعدتها فتقرر ان تلجأ الى مسؤول حزبي كبير في موسكو يعرف عنها ولاءها للحزب ونشاطاتها فيقرر ايقاف معاقبتها لكن ما يلبث ان يتراجع بتأثير مسؤول امني كبير ويتقرر سحب عضويتها من الحزب ثم القاء القبض عليها وتحكم تالياً بالسجن لعشر سنين مع الاشغال الشاقة في سيبيريا وهو ما لم تصدقه بل هي مفاجاة كبير بالنسبة لها متسائلة "هل حقا ساعيش..هل حقاً انني لن اموت؟".
وهنا تتجسد مأساة اكبر بسبب الاعداد الغفيرة من المغضوب عليهم من السلطة الستالينية الدكتاتورية الظالمة والذين يتعرضون للتعذيب ووحده تعذيب الطبيعة والترويع كاف في تلك البيئة المتجمدة وسط الغابات يجري اضطهاد المئات ناهيك عن الاغتصاب الذي تتعرض له النساء.
وتصل الى هناك رسالة من امها تخبرها ان زوجها قد تم اعتقاله ثم تعلم انه قتل، مات في السجن وان ابنها الصغير اليوشا مات جوعاً في احد مخيمات الاطفال ولم يبق الا ابنها الكبير الذي يعيش مع جدته.
هي تشهد الموجات اليومية للاغتصاب الجماعي للنساء، يتعرف عليها الطبيب "انطوان والتر" (الممثل اولريك توكور) ويطلب ان تعمل مساعدة له في المستشفى وتتوثق علاقتها به بعد ان تعلم انه من اقلية المانية تعرضت هي الاخرى للاضطهاد فتتعاطف اكثر معه لتربطهما علاقة حب لكن التقارير السرية تذهب الى السلطات بان الاثنان يقيمان علاقة في اثناء العمل وتتم معاقبة الطبيب بنقله الى معتقل اخر وتنتهي القصة بمرور عشر سنوات وخروجها من السجن ولقائها مجددا مع الطبيب ليبدان معا حياة جديدة.

المعالجة السينمائية والبناء الدرامي لعل الوقائع التاريخية التي سقناها والمعروفة والمتداولة بصدد ستالين وحقبة حكمه الرهيبة كافية تماماً للنسج تحت اجوائها ولتقديم وقائع واحداث مؤثرة وانسانية، لكن كيف اذا كانت القصة حقيقية وليست نسيجاً روائياً؟
تلك هي قصة هذا الفيلم ومعالجته الدرامية المبنية على مذكرات "اوجينيا جينزرغ" التي هي نفسها من سطر فصول تلك الماساة الرهيبة وعاشتها بكل دقائقها وفصولها لتتولى نانسي لارسن كتابة السيناريو.
لعل ميزة الفيلم من جهة معالجته الدرامية هي حرصه على الخروج من معطف التاريخ والوقائع التاريخية الى الاقتراب من الحس الانساني والجرح الانساني والهم الانساني اليومي وتلك الحياة المنسية التي ترزح تحت وطاة قوة البطش الجبارة، لم يكن هنالك ارشيف ولا وثائق ارشيفية ولم يظهر ستالين ولا سمع صوته في اي مشهد وذلك مايتعكز عليه مخرجو افلام من هذا النوع على الاغلب، كانت صورته وصوته واشباحه تملأ كل ركن وتلاحق الناس.
وابتداءً من المشاهد التي تظهر فيها ايفيجينا استاذة للادب الروسي، وبالرغم من كونها شيوعية وعضواً نشيطاً مدافعاً عن الحزب الا انها كان تبحث في وسط المعمعة عن الانسان ووسط سطوة الاجهزة السرية كانت تجد في الشعر والادب بديلا، لم تكن تعطي محاضرات في الادب بل تم تقديم شخصيتها على انها تعيش اللحظة الانسانية للكاتب والمبدع، وكأنها في عالم آخر، فهي لا تعلن تمجيد الثورة، ولايظهر في كل ماتقوله وتعلمه لطلابها اثراً ما للستالينية، لكن اصداء تروتسكي واتباعه تطل برأسها وكأنها بالنسبة للستالينيين وباء سرطاني خطير اذ لا مكان في موسكو مملكة ستالين للاختلاف.
وبموازاة ذلك تشعر ان الواقع برمته مغلف برهبة وخوف من المجهول سرعان مايتفجر من خلال ملاحقة اتباع تروتسكي والمؤمنين بفكره، وفي لقطات سريعة يظهر البوليس السري وهو يلقي القبض على الخصوم بالمئات.
اما هي، فعلاوة على انها ظهرت بهذا المستوى الرفيع من الوعي والحس والثقافة الا انها ايضا ام طيبة، تحنو على اطفالها، بينما وجه السلطة الصارم هو زوجها، الذي يلقي بمقالاتها التي تقدمها لغرض النشر في الصحيفة في سلة المهملات، هو زوج لكنه مدافع مخلص عن الستالينية.
لعل ميزة هذا القسم من الفيلم هي تلك الحوارات المكثفة المعمقة المكتوبة بلغة ادبية رصينة، حوارات تحوم حول كوكب تلك العبقريات والقمم الشامخة في الحياة الثقافية الروسية، ولعلها مسالة ملفتة للنظر في المعالجة السينمائية اذ كانت هنالك حاجة وسؤال مهم وهو : بأي لغة ستتكلم الشخصيات؟ اي فصام ستعيشه بين عشقها للادب، وجله ادب واقعي وانساني ذلك الذي ميز الادب الروسي، وبين الواقع المرير المحيط بالكلمات والافكار والدوافع.
والمسالة بالنسبة لايفيجينا تتلخص في الاخلاص الشخصي المجرد، اخلاص للثقافة والوعي وللفكر وللانسان واخلاص للطريق الذي اختارته هي وهو الدفاع عن الثورة والولاء للحزب ولم يكن يدور في خلدها ان هذه الصورة وهذا الحزب ماهو الا غول هائل يتغذى على ماساة الشعب وينمو ويكبر بكبر عدد الضحايا وينتعش بصراخ المظلومين والمعذبين والقابعين في قعر السجون ويفاخر بكثرة الاعداء وانهار الدماء.
هذا ما لم يكن واردا في وعي تلك الشخصية المبنية دراميا بشكل ملفت للنظر، من ناحية سعيها الى المحاججة العقلية وعدم التسليم بظواهر الاشياء وان الاختلاف في الهوامش والتفصيلات الجزئية لايغير من الولاء للثورة ولستالين وللحزب، لكنها كانت افكارها هي وحلولها وافتراضاتها وامنياتها هي، اما على ارض الواقع فالقصة تكتسب شكلا آخر ومعاني اخرى.

عالم الاقبية السرية بدا واضحا ان الفيلم بني دراميا على اساس ثلاثة مراحل الا وهي: مرحلة ما قبل الاعتقال، وتمثل في الحياة المسالمة الطبيعية والمرحلة الثانية هي مرحلة الاتهام ثم التحقيق والاعتقال والمرحلة الثالثة هي مرحلة السجن في اصقاع سيبريا المتجمدة.
في القسم الثاني، في عالم الاقبية السرية كان هنالك محققون شرسون ولاؤهم يدفعهم الى ادانة المتهم وايقاع العقاب به ما دامت قدماه قد وطئتا ذلك المكان، فالداخل مفقود وماكنة القتل البشعة لا بد ان تطاله، لكن مفاجآت وسخرية القدر تظهر من خلال اكتشافها ان كل من حققوا معها وهم الذين كانوا يعبرون عن اشد صور التطرف والولاء لستالين وللثورة بمن فيهم زوجها، كلهم كانت نهايتهم السجن او الاعدام، لان هذه هي حقيقة "ثورة" لا رحمة فيها ولا رافة والمخلص لها هو مشروع خائن، هذا ما كان ستالين يؤمن به، ومن سخرية الاقدار انه في اجتماعات حزبه كان يخرج في كل مرة بقائمة من مساعديه ليتم اعدامهم لمجرد النظر الى عيونهم والشك في ولائهم.
في الحوار معها وفي اثناء التحقيق لم تكن ايفيجينا تعرف باية لغة يمكنها الحديث مع جلاديها، يمارسون معها في البدء حربا نفسية، في اللحظة الاخيرة قبيل احالتها الى المحاكمة يطلبون منها التوقيع على تقرير الفرصة الاخيرة لتخليص نفسها، هي ادانة صديقها سيدروف وادانة واتهام عدد من اصدقائه واصدقائها ايضاً، ولكنها تأبى ان توقع، وعندها تجد نفسها وهي تساق مع العديد من السجناء والسجينات في قطار يقلهم الى سيبريا.
هنا ثم واقع كابوسي بالكامل، المكان هو الشاهد، اذ لا معنى احيانا لكثير من الكلام الذي يفصح عنه المكان الذي يمكن تلخيص ملامحه من الوجهة الاخراجية بحسب مايلي:
اولاً: المكان الشخصي، يتم ايجاد مكان محدد للشخصية تكشف فيه عما يجول في داخلها، وماتفكر فيه وماتعانيه، هو المكان – المراة، الذي لابديل عنه في ايجاد فضاء تعبيري بديل، والمكان الشخصي بالنسبة الى ايفيجينا ليس هو المعتقل في معناه الجمعي بل تلك المساحة الصغيرة التي تجد نفسها فيها وهي تحاور صديقتها لينا (الممثلة اجاتا بوزيك) وهي ضحية أخرى، لكن السرير المتداعي في ذلك العنبر المزري للسجينات كان هو الذي يشهد تدفق افكار ايفيجينا في الليل خاصة..هو المساحة الوحيدة التي تجد فيها ايفيجنا امكانية للعودة الى الذات والسؤال: لم كل تلك السنوة جيء بهن الى هنا؟
ثانياً: المكان الكابوسي، وهو المكان الذي يجري فيه اما اذلال وقهر السجينات بالاشغال الشاقة بقطع الاشجار وسط الثلوج او ضرب من يعترض منهن او قتل اي منهن.
هي تصرخ في وجه الحارس: انه مكان كابوسي بالنسبة لك انت..انت تتعذب مثلنا وترتجف برداً، كل ما ترتديه لا يحول دون البرد الذي يجمد قدميك..انها درجة ثلاثون تحت الصفر لكنه يرد بل انها عشرون تحت الصفر..ويتحول الكابوس الخانق الى دافع لديها للتحدي ثم الموت ربما ولهذا يضربها الحراس حتى تفقد الوعي لينتهي بها المطاف الى المستشفى.
ثالثاً: المكان الوسيط بين عالمين: وهو المستشفى، فهو مكان بامكانها ان تشرب حساءً ساخناً، وان ترتدي ملابس نظيفة وتأكل طعاماً افضل وتتكلم عن ذاتها وعن الشعر والادب والتاريخ مع الطبيب الالماني الاصل والتر، وهو ضحية اخرى، المكان الوسيط بين عالمها الماضي وبين المكان الكابوسي، هذا المكان الوسيط يتحول الى فردوسها بعد ان تتوطد علاقتها مع الطبيب...هي لم تشاركه السرير غير مرة لكنها مرة توجت وعياً مختلفاً يشتركان فيه في نقطة الحس الانساني، وحيث يرقبون اغتصاب السجينات وتعذيب من يعترض منهن كما هو الموت التراجيدي للينا التي حملت من احد الحراس ثم عوقبت بدعوى انها تمارس البغاء في السجن. المخرجة مارلين جوريس واحدة من اهم وابرز مخرجي السينما الهولندية (من مواليد 1948) هي سينمائية دخلت ميدان الاحتراف: من كتابة النقد الى كتابة السيناريو الى الاخراج منذ منتصف السبعينيات وهي علاوة على ذلك تعنى اشد العناية بقضايا الحقوق المدنية وحقوق المراة في العالم،ولهذا تبرز في اغلب افلامها المراة موضوعا محوريا، اخرجت وكتبت سيناريو الافلام الاتية: سؤال الصمت: 1982، المراة المكسورة 1984، الجزيرة الاخيرة 1991،خط انطونيا 1995 الفائز بجائزة اوسكار احسن فيلم اجنبي، السيدة دالاواي ـ عن رواية فرجينيا وولف 1997، دفاع لوزن 2000.

الممثلة ايميلي واتسن اما الممثلة المعروفة ايميلي واتسن التي قامت بدور البطولة في هذا الفيلم فهي ممثلة انجليزية من مواليد 1967، درست المسرح والدراما وقدمت عشرات الاعمال المسرحية قبل ان تعرف نجمة سينمائية ابتداءً من مطلع التسعينيات حيث مثلت في العديد من الافلام منها: كسر الموج 1996 الذي رشحت عندورها فيه الى الاوسكار، هيلاري وجاكي 1998، رماد انجيلا 1999، جوسفورد بارك 2001، التنين الاحمر 2002، اكاذيب متفرقة 2005، العمق 2007، ارواح باردة 2008...وغيرها.