في إعادة فلسطين شأنا عربيا

في خضم الاعجاب الشعبوي تغيب حقيقة الدور البغيض الذي لعبته إيران وتركيا في تدمير لبنان وسوريا والعراق واليمن وأخيرا ليبيا.


هل من تناقض بين تعلق المرء عاطفيا بفلسطين وكره العرب؟


تنقلت حركة حماس بين إيران وتركيا بخفة تسمح بها خلفيتها


تحولت فلسطين إلى ما يشبه منضدة للقمار واللاعبون ايرانيون واتراك

سأوافق جدلا على أن الرئيس التركي كان ولا يزال صادقا في دفاعه عن الحق الفلسطيني. وفي الوقت نفسه ولنفس السبب أوافق على أن خامنئي هو الآخر كان ولا يزال صادقا في رغبته في الصلاة في القدس.

ولكن الإثنين يكرهان العرب. ذلك ما يؤكده سلوكهما وأقوالهما. هل هناك من تناقض بين أن يتعلق المرء عاطفيا بفلسطين ويكره العرب؟

ربما يعتقد البعض أن لدى اردوغان وخامنئي موقفا مناهضا للأنظمة السياسية العربية وهما لذلك يظهران عدم رضاهما عن تلك الأنظمة. ذلك ليس صحيحا. لقد فعل الأثنان كل ما من شأنه أن يغيب أسباب الحياة في دول عربية عديدة ويحول شعوبها إلى مجموعات مشردة من النازحين ويدمر الأمل في المستقبل.

تلك معادلة لم تمنع تركيا من الاستمرار في إقامة علاقات قوية واستراتيجية مع إسرائيل كما أنها لم تقف حائلا بين إيران والبحث عن طرق لاسترضاء اللوبي اليهودي في واشنطن من أجل رفع العقوبات الاميركية.

ما يقع في السياسة لا يمكن الأخذ به باعتباره نوعا من الحقيقة.

يكذب اردوغان وخامنئي من أجل مصالح بلديهما التي هي عبارة عن أطماع استعمارية. فهما يبتزان إسرائيل ومن وراءها الولايات المتحدة بلغة ثورية، غير أنهما في الواقع ينفذان أجندة إسرائيلية، صارت إسرائيل في غنى عن تنفيذها بنفسها.  

واقعيا استفاد اردوغان وخامنئي كثيرا من الورقة الفلسطينية في حربهما المفتوحة على العرب. من خلالها دخلا إلى الخلافات العربية ـ العربية وصارا مشاركين في الحوار العربي ــ العربي كما أنهما استطاعا أن يستثمرا في تلك البقعة الرخوة ونجحا أيضا في أن يغطيا على مشاريعهما التوسعية بغلالة من الشعبية الرخيصة التي زادت من أسهمهما في المزاد السياسي.

فلا غرابة ان نجد عراقيين وسوريين ولبنانيين يظهرون اعجابهم بالعثماني اردوغان والفارسي خامنئي لا لشيء إلا لانهما يشنان بين حين وآخر حروبا كلامية ضد الدولة العبرية.

في خضم ذلك الاعجاب الشعبوي تغيب حقيقة الدور البغيض الذي لعبته إيران وتركيا في تدمير لبنان وسوريا والعراق واليمن وأخيرا ليبيا.

وفي ذلك تبدو فلسطين كما لو أنها مسألة منفصلة عن العرب تماما.

لقد انصب مسعى النظامين الإيراني والتركي على أن يحيطا قضية فلسطين بجدار يعزلها عن تاريخها باعتبارها قضية عربية ويتقدما إلى إسرائيل باعتبارهما ممثلين للشعب الفلسطيني. وفي ذلك الموقف المريب ما يمكن أن يشكل أساسا لما صار يتم الحديث عنه من أن هناك ثلاث قوى تتحكم بمستقبل الشرق الأوسط هي إيران وتركيا وإسرائيل ولا وجود للعرب في ذلك المستقبل.

ذلك هو هدف اللعبة التي كانت فلسطين ورقتها الرابحة.

مما يؤسف له أن الفلسطينيين كانوا ولا يزالون طرفا ثانويا في تلك اللعبة غير أن تأثير مشاركتهم فيها لا يمكن التغاضي عن تأثيراته على مستويات عديدة ومنها بل وفي مقدمتها ضياع البوصلة الفلسطينية.

وهنا يذهب النظر إلى حركة حماس التي هي جزء من جماعة الإخوان المسلمين والتي استطاعت بعد قطاع خطف غزة أن تنفرد بخيار فلسطيني يعادل خيار السلطة في رام الله من جهة قدرتها على تعطيل أي قرار فلسطيني مستقل.

تنقلت حركة حماس بين إيران وتركيا بخفة تسمح بها خلفيتها. أضرت بالعرب غير أنها لم تضر بحليفيها. علينا هنا أن نتذكر ما حدث في مخيم اليرموك بدمشق حين انقلبت حماس على إيران.

كانت حماس هي الأخر قد لعبت بالورقة الفلسطينية من أجل الحصول على مزيد من الأموال التي كانت تذهب إلى أرصدة قادتها في مكان ما من العالم.

لم يكن في ذلك ما يضر اردوغان وخامنئي ما دام الطرف الذي يمول المغامرة الحماسية عربيا.    

لقد تحولت فلسطين إلى ما يشبه منضدة للقمار. وكان من الطبيعي أن لا يكون حضور للعرب على تلك المنضدة. ففلسطين هي قضيتهم المصيرية. لذلك صار من واجبهم أن يعيدوا إلى المعادلة توازنها بعيدا عن المزاد الذي أقامه الثنائي اردوغان وخامنئي.