فيصل عبدالحسن: قدم العراقي المهاجر معلّقة في الهواء وأخرى في الوحل

العراقي في وضع قلق

للروائي والقاص فيصل عبدالحسن تجربة كتابية متميزة، شكّل المنفى جزءا واضحا من ملامحها لكنه قبل ذلك ظل في حالة انحياز دائم لمكانه العراقي الاول ومعطياته أو تداعيات ما يحصل فيه حتى هذه اللحظة. هو الذي عاش بعمق جراحات هذا المكان وتحولات التفاصيل الانسانية الصعبة فيه.

منذ ما قبل هجرته في بدايات التسعينيات الفائتة، مدونا بوعي هذه التفاصيل الحرجة من خلال العديد من كتبه ورواياته التي تناول فيها كثيراً من الهموم والمشكلات والأوجاع العراقية.

في هذا الحوار بعض ما تكشّف من اختلاجاته بشأن هذا المكان والثقافة..

يرى فيصل عبدالحسن أن المثقف ـ أي مثقف في العالم، وليس العراقي ـ وحده يشعر بأنه مسؤول عما يحدث في العالم من أخطاء، حتى وإن كان لا يعلم بها في بلاده أو حتى في البلاد التي صارت مكانا لإقامته، قال هذا جان بول سارتر بشكل من الأشكال، منطلقا من نظرة أخلاقية واجتماعية لما يفكر به كفيلسوف وأديب، ومثقف مختلف عن الآخرين، أراد أن يؤطر نظرياته بروح إنسانية متعالية على من وصف فكره، وفلسفته بالعدمية التي لا تنتج مردودا اجتماعيا، واتهمت بأنها تشجع الإنسان على الانكفاء على الذات، وأن محمولاتها الاجتماعية غامضة، لا تكاد تعرف.

• سنوات كازابلانكا

وعن روايته "سنوات كازابلانكا" يقول عبدالحسن هي روايتي الجديدة التي صدرت عن دار نشر بريطانية مؤخراً ككتاب إلكتروني، وهي طريقة حديثة في النشر، والتي حاولت فيها أن أحكي عن أجيال من العراقيين، نقلوا معهم إلى منافيهم ميثالوجياتهم، وأعرافهم وتقاليدهم وفنونهم، وما واجهوه في غربتهم في دول عربية وأجنبية، من صعوبات وقصص تشبه قصص الخيال، بعضهم غرق واختفى في مياه المحيطات وبعضهم دفن في الصحارى، وبعض أولئك المغامرين، فشلوا في قطع الصحراء الكبرى، التي تقع في دول عربية عديدة كالسودان، ليبيا، الجزائر، المغرب وموريتانيا وصاروا عبيدا لدى بعض المالكين يباعون ويشترون كالبضاعة أو البهائم في بلدان لا يزال فيها نظام الرق حتى هذا اليوم ساريا، وبعضهم الآخر نجح وعبر إلى أوربا، وعمل ثروة كبيرة في بلاد الغربة، وعاش بعضهم قصص حب سيبقى جيل الشباب من العراقيين في المنافي يتذكر أحداثها لسنوات كثيرة، لأنها فريدة لا تنسى .

ويوضح الروائي العراقي أن تلك الرواية تحاول أن تحكي حكاية 4.5 مليون عراقي خرجوا من وطنهم، لمختلف الأسباب، وانتشروا في كل بقاع الأرض بحثا عن الأمان والحياة الكريمة، والحرية أيضا، وهذا النزوح الجماعي بدأ منذ السبعينيات من القرن الماضي، ولم ينته حتى يومنا الحالي، هي إذن محاولة لرؤية تغير وجهات النظر الفلسفية أيضا لبطلها دينار أمام ما واجهه من أحداث، دراماتيكية، حملت الطرافة في أحيان كثيرة، فهو يعمل في أعمال عدة في الغربة منها العمل في شركة لنقل الموتى عبر البحار، وتناط به مهمة تصميم التوابيت حسب وصية الميتين، وفي العادة تكون تلك الطلبات غريبة، وتدلل على محبة الناس للمظاهر، وعلى خوائهم الفكري والروحي، وسخريتهم من أنفسهم بعد موتهم، وتجعل الميت مدعاة للسخرية والتهكم من أقرب المقربين له، ويعيش دينار مفارقات الحياة في مدن الغربة، فهو حين يصطدم بجيران بخلاء في هذا البلد أو ذاك أثناء رحلته الضاجة بالأحداث، لا يجد الروائي غير هجاء جرير لقوم من البخلاء، ليصفهم به:

قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم ** قالوا لأمهم بولي على النارِ

ولا تبولي فكل البول مسـرفة ** بل بولي مقدارا بمقدارِ

ويوضح عبدالحسن أنه جمع في المتن الروائي من طرف العراقيين ونوادرهم، وما وقع لهم في غربتهم من الحوادث الحقيقية، (الهزلية - الدرامية) في الوقت نفسه، التي أضحكت وأحزنت كل من سمعها، أو قرأها، فالكثير من القصص، والأحداث في المتن تروي، كيف ذلل اللاجئون العراقيون ما عاشوه في غربتهم من صعوبات، ووضحت اختلاف الرؤى بينهم، وبين مضيفيهم حد السخرية من الطرفين، في المغرب أو في دول أخرى مر ذكرها في الرواية.

ويشير الروائي العراقي أنه ما حاول أن يقوله في هذه الرواية: إن العراقي بالرغم من صلابته كإنسان أمام المحن والشدائد، فإنه شديد الحساسية، وكثير الرقة أمام المواقف الإنسانية، التي تحيله في لحظة إلى عاشق كبير، وحالم لا مثيل له، وبكاء بشكل طفولي مثير للسخرية، كما أن الرواية تؤشر مسير العراقيين إلى أوربا وتوضح حيلهم في الوصول إلى السويد، الدنمارك، أستراليا، فنلندا، إسبانيا، بريطانيا، ومعاناتهم في سلوك الدروب المؤدية للوصول إلى هذه الدول والمخاطر التي يقعون فيها.

وعن كيفية استلهام الرمزية في غربة الدينار في بلاد الدراهم يقول فيصل عبدالحسن: عندما أكتب شيئا مضحكا، وهذا ما فعلته في العديد من قصص مجموعتي القصصية "أعمامي اللصوص" التي صدرت في القاهرة عام 2002 حاولت ان أجعل القارىء يبحث داخل كل قصة عن حقيقة محزنة مختفية، فالمضحك هو مبك أيضا بدرجة ما، فالدينار المحترم في السبعينيات كعملة في العراق يصير بلا قيمة في بلاد أخرى تستخدم عملة الدرهم، وهي محاولة لكتابة النص الروائي المبني على الحساسية الجديدة، النص الذي هو رواية، وليس رواية في الوقت عينه، سيرة حياة وليست سيرة أيضا، توليفات قصصية ومتتاليات قصصية، لكنها ليست كذلك، تقارير وبورتريهات شخصية وهي ليست كذلك أيضا، الثنائية بين الدينار العراقي في نضاله اليومي للحصول على الدرهم في هذا البلد أو ذاك، يلخص القضية الفلسفية لعملي الروائي، ويعطي للحدث مغزاه الإنساني، فالفقر أسوأ أنواع الدكتاتوريات، والدكتاتورية التي فر بسببها المواطن العراقي من وطنه جعلته يقع فريسة للفقر، والحاجة في دول اللجوء التي هي سيئة أيضا بل أسوأ من جميع الدكتاتوريات قاطبة، فهو إذن هروب من الجحيم إلى الجحيم ويا أبا زيد كأنك ماغزيت! كما يقول الإخوة المصريون.

* مشوار القلم

وعن الأعمال التي وجدها أقرب إلى قلبه ووجدانه يقول الروائي فيصل عبدالحسن: هناك فارق زمني بين كل رواية وأخرى يصل إلى سنوات عدة، وهذا في اعتقادي مكنني من كتابة شيء جديد، وبقناعات جديدة، فنصي يتطور باستمرار، فحين أكمل رواية في سنة واحدة أعمد إلى إعادة كتابتها في السنة التالية فتصير شيئا آخر وبقناعات جديدة، وهكذا في السنة الثالثة، وحتى السنة العاشرة، التي يظهر عندها العمل إلى الناس، وكل عمل يحمل أحداث الفترة التي عشتها، فعندما عملت كمهندس لتطوير الأهوار في الثمانينيات في جنوب العراق، ألهمني عملي ذاك، رواية من أحب الروايات إلى قلبي "عراقيون أجناب" التي لم أستطع إكمالها في الوطن، لوجود الحكم الشمولي في البلاد، والتي صورت فيها الحركة المسلحة للحزب الشيوعي في العراق في الأهوار، التي تبنت العمل المسلح لإسقاط النظام الدكتاوري السابق، ولم أتبن بالطبع وجهة نظر القائمين بها، لكنني رصدتها كحدث كبير زلزل الوجدان الريفي العراقي، وخلق بؤرا جديدة للنضال ضد الدكتاتورية في العراق.

لقد أكملت الرواية في الشقة 64 في زنقة سوس في مدينة المحمدية المغربية، لتظهر الرواية عام 1999 واشتهرت الرواية بين المعارضين العراقيين والأوساط الأدبية المغربية والعربية، مما حدا بالسلطات العراقية أن تجعل اسمي الرابع في بيان الأدباء المرتدين عليها، وتنشر ذلك في جريدة "الزوراء" العراقية شبه الحكومية العراقية، وبتوقيع ابن رئيس النظام وقتها، وكان هذا يعني حكما بالإعدام على كل من ورد اسمه في ذلك البيان.

في "الليل والنهار" رويت ما عاناه جيل كامل من العراقيين أثناء الحرب العراقية الايرانية 1980-1988 وحاولت أن أنقل ما عشناه من كوارث الحرب الفتنة بين البلدين الجارين العراق وإيران، وهي تسجيل دقيق وصادق لتلك الأيام المحزنة، التي عشناها، ونحن بين نارين نار الجبهات الأمامية للإيرانيين، ونيران فرق الإعدام الخاصة بالهاربين من جبهات القتال.

ويحكي فيصل عبدالحسن عن تجاربه الروائية القصيرة فيقول: لي روايتان قصيرتان هما "سنام الصحراء" عام 1982 نشرت في مجلة "الأقلام" العراقية، و"فردوس مغلق" عام 1983 نشرت في مجلة الطليعة الأدبية، وهما عملان روائيان تجريبيان حاولت فيهما الكتابة عن الإنسان في المدينة والصحراء في زمن قلق، دائم التقلب، ورواية تحيا الحياة! التي نشرت قبل شهور قليلة، والتي كتبتها خلال ستة عشر عاما، فقد بدأت بكتابة هذه الرواية "تحيا الحياة"! في بغداد عام 1994 وانتهيت من كتابتها عام 2010 في الشقة 10 في حي جنان النهضة بمدينة الرباط في المغرب.

وعن رأيه في كتابات المنفى، وهل هي ترجمة حقيقية لمعاناة العراقيين تجعلها جديرة بجهد خلاق لجمعها، وتوثيق ملامحها أدبياً وتاريخياً، يقول الكاتب العراقي فيصل عبدالحسن: نعم هذا صحيح، فنحن شعب كامل في المنفى تجمعنا أوطان كثيرة، لكنها لم تصبح وطنا بديلا عن العراق بالرغم من حصول بعضنا على جنسيات الأوطان الجديدة، ولأن هذه الملايين من العراقيين، هم خيرة أبناء الشعب العراقي، وأكثرهم تعليما وتدريبا ومهنية عالية، فهم أيضا لديهم روائيوهم، وشعراؤهم وناقدوهم، ومفكروهم، وأطباؤهم ومهندسوهم، وفنانوهم، وكتاب مسرحهم الخاص بهم، وأرى وأنا أتأمل المشهد البانورامي أن المنفى بالرغم من قسوته، وصعوباته خلق صورة ثقافية للعراق في الخارج لن تمحى، وستفرض وجودها وإنجازاتها عالميا قريبا جدا.

وعن مجموعته القصصية "أعمامي اللصوص" والتي لاحظنا بها أنماطا من الأساليب التعبيرية الجامعة ما بين السخرية والتهكم والنقد والحزن المغلف بنكات مريرة، يقول فيصل عبدالحسن نعم بالتاكيد ومن المفارقات أنه بعد عام واحد على نشر هذه المجموعة القصصية "أعمامي اللصوص” التي نشرت في القاهرة عام 2002 عن وكالة الصحافة العربية، ظهر هؤلاء اللصوص في بغداد بعد 9 أبريل/نيسان 2003 وسرقوا معظم مؤسسات الدولة العراقية بعد التغيير مباشرة في ظل الخلو الأمني، وخلقوا مشاكل كبيرة للشعب العراقي، لا تزال آثارها إلى اليوم الحالي، سأحاول بكل وسائل الطرح الأدبي أن أدين التخلف، والفوضى، والفساد، والروح اللامسؤولة لدى قطاع كبير من الناس في العراق، الذين يبيحون المال العام ويشجعون على سرقته.

وعن العراقي في المغرب أو غيرها من بلدان العالم يؤكد الكاتب العراقي فيصل عبدالحسن أن هذا العراقي في وضع قلق، وخصوصا المثقف العراقي المهاجر، قدمه معلقة في الهواء وأخرى في الوحل ينتظر فرصة العودة إلى الوطن الحبيب بفارغ الصبر. هذه المشاعر، هي حقيقية بالنسبة للمثقف العراقي في المغرب أو غيرها من بلدان العالم، مشاعر عميقة نحو العراق كوطن وشعب، وإحساس دافق بالحنان لكل ما يكون العراق من جغرافية: صحراء، جبال، سهول، أشجار، عشب، عاقول يوخز الأقدام، وأنهار وأهوار، وحب غامر لكل مكونات شعبه، من قوميات وأديان وطوائف، وكلما ابتعد المثقف العراقي عن مسقط رأسه، كلما تأطرت تلك البقعة التي رأى فيها الضوء لأول مرة بالقداسة والحميمية واشتد الحنين إليها حد احتوائها في الصدر، مع القلب، جنبا إلى جنب، وفي الضمير كأمل لا بد من تحقيق الوصول إليه في يوم ما.

ويقول: أحد المثقفين العراقيين، وأنا مثله في كل صباح أتساءل، لماذا أنا هنا وليس في وطني؟! ماذا أعمل هنا وما هدف وجودي في هذا البلد؟! ومتى سيكون موعد رجوعي إلى العراق؟! هذا الوطن البعيد والقريب في ذات الوقت، هي بالتأكيد تعادلية، فلسفية، يومية بين أمل العودة، وقضاء اليوم كيفما اتفق لأجل الغد المقبل للتفكير مجددا بالعودة، وكل تلك المشاعر المتعارضة مع ما يأتي في العادة من الوطن من إشارات، وأخبار لا تشجع في الكثير من الأحيان على العودة إلى أحضان الأهل.

محسن حسن ـ كاتب صحفي مصري

mohsenhasanhasan@gmail.com‏