فوقانية المالكي وتحتانية الخراب العراقي!

بقلم: جمال محمد تقي

ارقام فلكية او خرافية تلك التي يدور بمداراتها الوضع العراقي برمته، دمارا او اعمارا او فسادا، او تحصيلا لحاصل حسابي مركب من الاصفار الناطقة بهول الكارثة وضخامة الخسارة المستدامة باستدامة فوضى الدولة وفسادها، ارقاما لا تعني للقابضين على السلطة وبالثلاثة سوى، تصفير الماضي، وشفط الحاضر، ورهن المستقبل، حيث النهب للمدخرات، والاستنزاف للريوع الطبيعية والهدر بالاموال المنقولة وغير المنقولة، والتلاعب بالموازنات والعقود المستحقة والآجلة، وبالنتيجة فان الفساد يلتهم الاخضر واليابس، الاستثماري والتشغيلي، حتى صار كالنار التي كلما لقمتها سألت عن المزيد وان كان مستدانا!

تقدر قيم الاضرار الارتكازية الفعلية التي لحقت بالعراق منذ عام 2003 وحتى نهاية عام 2011 بحوالي ترليوني دولار اي 2000 مليار دولار، واذا اضيفت لها قيمة الاضرار المتحققة والمترتبة على الحصار الشامل الذي سبق الاحتلال بأثنتي عشر سنة فان فاتورة الاضرار ستكون مجزية، لانها ومن دون مبالغة ستكون مضاعفة، كحد ادنى لهذا التقدير!

يقول د. مظهر محمد صالح قاسم، نائب محافظ البنك المركزي العراقي حاليا، في الفصل الرابع من كتابه المعنون "مدخل في الاقتصاد العراقي"، ان هناك 700 الف عامل ومهندس صناعي يتلقون اجورا ومرتبات عن مصانع حكومية متوقفة بنسبة 90 بالمئة، وان هناك ثلاثة مليون موظف حكومي، غير منتج، اكثر من نصفهم يعملون في الجيش والشرطة واجهزة الامن، وهناك مليون متقاعد ومليون يعيش تحت خط الفقر، اما عن حالة الزراعة والرعي فيذكر بانها لا تسد سوى 20 ـ 30 بالمئة من حاجة الغذاء، ويضيف بان هناك 10 مليون عراقي في الارياف يتعايشون على البطاقة التموينية، وان نسبة البطالة الفعلية تصل الى 40 بالمئة بين القادرين على العمل!

تكشف لنا الارقام اعلاه جانبا حاسما من المشهد الحقيقي للكارثة الشاخصة في البنيتين، الفوقية والتحتية معا، كونهما متماهيتين قلبا وقالبا في العراق الجديد، فالترابط تلازمي بينهما، وعلة احدهما لا بد ان تنعكس على الاخرى، خاصة وان البلاد الاسيرة لريعيها كالعراق ستكون للبنية الفوقية وما يدور فيها من دوائر القرار اهمية استثنائية في عمل وشلل مفاصل بنيتها التحتية.

في اي تعطيل او تأخير لعمل ما هو خسارة واهدار لطاقة متوفرة، واعاقة لتحقق ذاتها بالنمو الذي يفترض اولا المباشرة بموضوع العمل وبوتيرة مضاعفة وفي سياق تراكمي من الوقت الذي كلما طال كلما فقد العمل جزءا من قيمته الفعلية، وبحالة العراق فان التأخر مثلا بمشروع انتاج الطاقة الكهربائية سيؤدي حتما لشلل في دورة اقتصادية كاملة ومتشعبة وعلى كافة الصعد، لان على انجاز اولوويته يتوقف انجاز اولويات مفصلية اخرى في الدورة الاقتصادية خدمية كانت ام انتاجية، وفي كل القطاعات الصحية والتعليمية والغذائية والصناعية وحتى التجارية، ما يعني ان هناك قيما اضافية سالبة او موجبة مترتبة على توقيتات الانجاز، فكيف الامر اذا تم تعطيل بلاد باكملها وشل مقومات دورتها الاقتصادية؟ ليس هذا وحسب وانما اذا تم الاجهاز على شروط وادوات عملها وانتاجها بما فيه الريعي منها كما هو الحال مع تصفية الخبرات البشرية المنتجة في العراق وهي اثمن رأس مال يملكه العراق، وتعويضه يتطلب اموال قارون ووقتا طويلا يستغرق اجيالا قادمة!

لقد اصبح حال الداخل من الموارد كالخارج منها، وكأن مشروع النفط مقابل الغذاء مازال ساري المفعول، ولكن هذه المرة بقرار من الذين استخلفهم الغزاة لحكم البلاد، ويكفي مطالبة الاهالي بضرورة استمرار العمل بنظام البطاقة التموينية الذي استحدثه النظام السابق لتذليل صعوبات المواطنين المعيشية نتيجة الحصار الشامل المفروض على العراق وقتها وكتنظيم حضاري لتوزيع حصص برنامج النفط مقابل الغذاء، كدليل قاطع على ان هناك نوعا اخر من الحصار الشامل مازال مفروضا على العراق، وماهيته تتجسد بشيوع الفوضى الشاملة والفساد الشامل والخصخصة الشاملة والارتهان الشامل!

من المسؤول عن توقف 90 بالمئة من مصانع ومعامل العراق، بل من المسؤول عن تحولها الى خردة يصعب تاهيلها؟ وان امكن ذلك لبعضها وبفضل الكفاءات العراقية المخلصة فان اصحاب الشأن لا يحببون هذا التأهيل، لانهم يريدون بيعها ضمن مشروع الخصخصة الذي سيشمل كل شيء حتى الكهرباء والماء والنفط والتعليم والصحة، من المسؤول عن تعويق وتهجير وقتل ملايين العراقيين؟ من المسؤول عن ظهور الاجيال المسرطنة من العراقيين؟ من المسؤول عن تصفية خيرة علماء واساتذة وخبراء العراق؟ من المسؤول عن خراب الطرق والجسور والمستشفيات والمدارس والجامعات، ومن ومن؟

بعضهم اشار لاختفاء 9 مليارات دولار من النقد العراقي زمن الحاكم المدني بريمر، وبعضهم اشار لسرقات تاريخية في زمنه لا تخص النقد والذهب والاحجار الكريمة التي كانت في البنك المركزي وبعض القصور الرئاسية وانما تخص المتاحف العراقية ومن ضمنها الارشيف اليهودي الذي يعتبر كنز عراقي اصيل، وبعضهم اشار الى انفاق 18 مليار دولار اميركي خصصت لاعادة اعمار العراق، ولم يجد هذا البعض شيئا يمكن ان يعلنون عنه كثمرة لهذا الانفاق سوى بناء اضخم سفارة اميركية في العالم وفي منطقة محصنة بمقار السيادة العراقية التي خرجت من قبضة بريمر ولم تعد حتى الان برغم من ان مكاتب ومؤسسات واجهزة رئاسة الوزراء العراقي تكلف وحدها الميزانية السنوية العراقية مليارات مجموعها خلال فترة حكم المالكي لا يقل عن مليارات بريمر لاعادة اعمار العراق!

10 سنوات والعراق الجديد بميزانيات سنوية متخمة بالمليارات من عوائد النفط التي زادت اسعارها بشكل دراماتيكي، بحيث بقيت متراوحة بين 70 ـ 100 دولار للبرميل، و6 سنوات من حكم المالكي الذي وقع اتفاقية تعاون استراتيجي مع الاميركان بالتزامن مع بدأ عملية انسحاب قواتهم من العراق وكانت ميزانية عام 2011 وحدها تقدر بحوالي 89 مليار دولار، وميزانية عام 2012 تقدر بحوالي 100 مليار دولار، والعجز في الميزانيتين يقدر بحوالي 10 بالمئة، بسبب التضخم التصاعدي في ارقام الحساب الجاري التشغيلي على حساب الاستثماري الذي يعاني هو الاخر من التعثر بسبب عمليات الفساد والنهب الجارية بسرعة الضوء، حكومة المالكي تتقدم للبرلمان بمشروع قانون جديد يتيح لها الاستدانة من الدول الاخرى ومن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لاقامة مشاريع جديدة تخص البنى التحتية، كبناء 6 الاف مدرسة ونصف مليون وحدة سكنية وبناء محطات عملاقة للطاقة الكهربائية وبناء ميناء الفاو، وتحديث مصانع تكرير النفط، وهكذا دواليك، والمبالغ المقدرة بهذا المشروع تتراوح بين 400 ـ 500 مليار دولار، وبنفس الاتجاه ارسل المالكي رسالة اتفاق الى الكرد لتسوية الخلافات النفطية معهم من خلال اعترافه بعقودهم ودفعه لمستحقات الشركات النفطية العاملة في اقليم كردستان مقابل مباشرة الاقليم بتصدير النفط من حقوله عبر الانبوب الرسمي وبكميات 250 الف برميل يوميا، وهو قد حاول تطمين جميع الكتل في البرلمان بان للجميع سيكون من النصيب جانب، فالمشروع المطروح للتصويت طويل المدى وتشترك به كل الوزارات والمحافظات!

برغم كل التناقضات القائمة بين متحاصصي الحكم في العراق لكنهم سيقرون بالنتيجة هذا المشروع لانهم فعلا سينتفعون منه وسوف لن يتضرر منه سوى المواطن الذي يعرف مسبقا بان العراق ليس بحاجة للاستدانة فلو كانت اموال الميزانيات تذهب فعليا لاعادة الاعمار لانجز الكثير من مشاريع البنى التحتية، وفي مقدمتها الكهرباء والماء والطرق والمواصلات، 38 مليار دولار صرفت على قطاع الكهرباء فقط خلال العقد الاخير والنتيجة اسوأ مما كان عليه الوضع قبل 2003، وادعاءات باطلة بتخصيصات متوالية لانهاء حالة عقد المدارس الطينية الذي لم يمسه شيئا من الاسمنت وحتى الان!

المواطن العراقي يدرك بان الخلل ليس بالتمويل لان الاموال متوفرة لكن الخلل يكمن بالفساد والنهب وسوء الإدارة وعدم كفاءة ونزاهة القائمين على السلطة وبالتالي غياب الرؤية الوطنية التكاملية الشاملة التي تترجم الى خطط علمية قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى لاستنهاض العراق زراعيا وصناعيا وخدميا وصحيا وتعليميا، بحكم غلبة النزعات الطائفية والعرقية والمناطقية على ما يبطنه القائمين على الامر اما الشعارات الطنانة والامال الوردية التي يحاول ان يرسمها المالكي على ملامح الفترة القادمة والتي يريدها مجيرة له ولحزبه فانها لا تخرج عن نطاق الوعود والاماني التي اختبرها الناس سلفا في مهلة المئة يوم وفي مشاريعه الوهمية حول المصالحة الوطنية، هو ينظر للامر من فوق فلا يرى في حجوم الكوارث القائمة خطرا لانها تبدو له صغيرة!

جمال محمد تقي