فوضى وكوارث لغوية في الصحف والمجلات المصرية

كتب ـ المحرر الثقافي
يتساءل: أين ذهبت الهمزة؟

في القاهرة، وعلى امتداد يومين تعقد لجنة الدراسات الأدبية بالمجلس الأعلى للثقافة ندوة لمناقشة أحوال العربية، والمخاطر التى تتهددها بسبب تفريطنا فيها. وبعد الجلسة الافتتاحية التى يشارك فيها الدكاترة: جابر عصفور ـ أمين عام المجلس الأعلى للثقافة، و محمود حافظ، رئيس مجمع اللغة العربية فى مصر، وأحمد درويش، مقرر لجنة الدراسات الأدبية والنقدية بالمجلس، يتحدث عدد من أعضاء هذه اللجنة، ومنهم الكاتب الصحفى مصطفى عبدالله ـ مساعد مدير تحرير جريدة "الأخبار" القاهرية العريقة، والمشرف على صفحتها الأدبية، عن أحوال العربية على صفحة الجرائد المصرية.
بالإضافة إلى حديث الباحثين والدكاترة: كمال بشر، وحسين نصار، وحماسة عبد اللطيف، وجمال عبد الناصر، ومحمد نجيب التلاوي، ومجدي توفيق، ومحمد أبو الغار، ومي يوسف خليفة، وعزة هيكل، وعبد الحكيم راضي، ومحمود الربيعي، ومحمد عوني عبد الرؤوف، والإعلاميين: طاهر أبو زيد، وإيناس جوهر، وسامح كريم، وغيرهم.
فى بحثه الذي يشارك به، يقول مصطفى عبد الله "تئن صفحات جرائدنا، ومجلاتنا أيضا، في السنوات الأخيرة، من كثرة ما تحمله من جرائم في حق لغتنا القومية. ولم تعد المشكلة تقتصر على ما يقدم للنشر على صفحاتها من مواد تعاني من حالة خصام مع قواعد النحو والصرف العربيين، ولا نقول قواعد العروض أو البلاغة، بل تنسحب على كثير مما نطالع حتى على الصفحات الأدبية والثقافية المتخصصة، التي من المفترض أن تكون أنموذجاً لما ينبغي أن تظهر عليه لغة الضاد، فقد اختفت الهمزة، على أهميتها، وكأن حروف المطبعة قد خلت منها، وأصبح ما يطلق عليه (الجَمِّيع) يستنكف تماما أن يحرك إصبعه حركة إضافية لكي يضع الهمزة فوق الحرف أو تحته حسبماتقتضيه القاعدة."
ويضيف عبد الله قائلا "الكارثة أن المراجع اللغوي في معظم جرائدنا، قد تخلى عن سلطته في دفع الأذى عن المواد التي تنشر، مما تسبب في تفشي هذه الحالة الغريبة من الفوضى اللغوية، وهبوط مستوى ما نقرأ، لاسيما وأن ما ُيكتب بهذه الأقلام لم يعد على المستوى المطلوب، فناهيك عن الركاكة والأخطاء في المسميات المستقر عليها، والاستهانة بالقواعد الأساسية للكتابة الصحفية من ضرورة الإجابة عن الأسئلة الخمسة، أو حتى بعضها، نجد أن الأمر يصل، بكل أسف، إلى: مخاصمة المنطق، والابتعاد عن الدقة في استخدام الألفاظ للدلالة على معانيها."
وعن حال المحرر الصحفي حاليا يرى عبد الله أنه بعد أن كان المحرر الصحفي – حتى أواخر السبعينيات – يخجل من أن يبدو جاهلا بمعلومة في مجال تخصصه، وتصيبه حالة من الذعر إذا ما ُنشر له خبر أو موضوع يحمل خطاً على مستوى المعلومة، أصبح يجاهر بجهله، ويتهكم على من يحاول أن يصوب له!!
وسادت صحافتنا في السنوات الأخيرة أخطاء لغوية جسيمة لم تسلم منها حتى (مانشيتات) الصفحة الأولى، واستشرت العامية بشكل فج، ولم يعد المحرر الصحفي يقدر على التمييز بين العامية والفصحى في كتابته، كما لم يعد قادرا على رسم الكلمة بشكل سليم، ولا أقول بخط جميل. فقد خاصم الجمال – و للأسف – خط كثيرين ممن يكتبون اليوم، لذا لم يعد المنتمي منا إلى مهنة الصحافة في مصر قادراً على تبرير ما تحفل به الصحف من كوارث في حق اللغة، لأن الصحافة العربية في الأقطار الشقيقة، بل وفي المهاجر، لا تزال تصدر ملتزمة بقواعد وأصول اللغة والتحرير الصحفي أيضا.
ويخلص مصطفى عبد الله في بحثه إلى أن هذا الحال الذي وصلت إليه صحافتنا هو الذي أغرى الكثيرين بالخوض في قضايا لا يفقهون شيئاً فيها، مثل ضرورة تخليص العربية من وطأة قواعد النحو؟!!.
هذه الدعوة التي قوبلت بتصفيق الكثير من الكتاب الذين أعلوا مصلحتهم الشخصية مع صاحب هذه الدعوة التخريبية على حساب حماية لغتنا القومية.
***
لاشك أن اهتمام المجلس الأعلى للثقافة بهذه القضية التي يدعو لها الزميل مصطفى عبد الله، وبقية المشاركين في تلك الندوة، يعكس مدى حرص القيادة الثقافية المصرية على تنقية اللغة مما شابها من أخطاء وضعف وركاكة، ولكن يبقى التنفيذ واقعا على عاتق رؤساء تحرير الصحف والمجلات الذين يسمحون لأقلام الصحفيين والكتاب بالعبث في جماليات لغتنا الخالدة.