فوضى الكلام عن السلام!

بقلم: جواد البشيتي

حظيت جهود الوساطة المصرية للتهدئة في الأراضي الفلسطينية، بدءاً بقطاع غزة، بتأييد "الرباعية الدولية"؛ ونحن ننتظر الآن الموقف الإسرائيلي النهائي والرسمي مما انتهت إليه تلك الجهود من نتائج، فالسلطة الفلسطينية وحكومة هنية المقالة والمنظمات الفلسطينية جميعاً، وفي مقدَّمها "فتح" و"حماس"، أعلنت وأكَّدت تأييدها التام لجهود الوسيط المصري، وقبولها مقترحاته للتهدئة، التي سينقلها إلى الحكومة الإسرائيلية، التي تزعزع واضطَّرب كثيراً وضع رئيسها لأسباب جنائية، للحصول منها على ردِّ نهائي ورسمي عليها.

وفي انتظار معرفة هذا الرد، ومعرفة الموقف المصري من ردٍّ إسرائيلي سلبي محتمل، والذي يمكن أن يتضمَّن إعادة فتح وتشغيل معبر رفح من طرف واحد، أي من جانب مصر، لَزِمت حركة "حماس" الصمت التام إزاء إعلان، أو كشف، وزير الخارجية المصري أمران في منتهى الأهمية في قضية التهدئة، هما أنَّ "حماس" هي التي بادرت إلى اقتراح أن تتولى مصر جهود وساطة مع إسرائيل توصُّلاً إلى التهدئة، فـ "حماس" كانت تقول إنَّ مصر هي التي اقترحت، وإنَّها، أي "حماس"، وافقت وقَبِلَت؛ وأنَّ (الأمر الثاني) التهدئة التي تريدها مصر، وتسعى إليها، والتي ستبدأ بقطاع غزة قبل أن تشمل الضفة الغربية، يمكن أن تكون "أبدية"، أي أنَّ مدتها لن تكون ستة أشهر فحسب كما أعلنت وأكَّد "حماس" غير مرَّة.

واحسب أنَّ قيادة "حماس" مدعوة، بعد أن تكتب إسرائيل النتيجة النهائية لجهود الوسيط المصري، إلى أن تَخْرُج عن صمتها هذا، فكيف لها أن تقبل "تهدئة أبدية" وهي التي تشترط شروطاً "تعجيزية"، بحسب وجهة النظر الإسرائيلية، من أجل التوصُّل إلى "هدنة من عشرات سنوات"؟!

ولا شكَّ في أن الوسيط المصري يمكن أن يبدي من "المرونة" عندما يزور إسرائيل ما يسمح له بالحصول من حكومتها على "موقف إيجابي"؛ ولكن من مقترحات تختلف كثيراً عن تلك التي قُبِلَت فلسطينياً، فأخشى ما تخشاه القاهرة هو أن تضطَّرها سلبية الموقف الإسرائيلي إلى مواجهة "الخيار الأسوأ"، وهو أن تعيد فتح وتشغيل معبر رفح من جانب واحد.

على أنَّ كل هذا الذي يخصُّ قضية التهدئة، وعلى أهميته، لم يكن بأهمية ما أدلت به رايس من تصريحات صحافية وهي في طريقها إلى لندن لحضور اجتماع "الرباعية الدولية".

رايس وحدها هي التي شذَّت عن "القاعدة" إذ ظهرت، أو أظهرت نفسها، على أنَّها ضدَّ "التشاؤم"، شارحةً أسباب "تفاؤلها الحذر" على النحو الآتي: الطرفان الإسرائيلي والفلسطيني يحرزان تقدُّماً في مفاوضاتهما السياسية على الرغم من كل ما يُثار من شكوك وتشكيك. الناس يعتقدون أنَّ هذه المفاوضات لا تحرز تقدُّماً؛ لأنَّهم لم يروا حتى الآن نتائج واضحة؛ وهذا الاعتقاد ليس بصحيح. أعتقد بأنَّ الإحساس باليأس في غير وقته، فسنة 2008 لم تبلغ نهايتها بعد. أهو خداع أم ضد الخداع هذا الذي قالته رايس؟!

لقد أرادت أن تقول توضيحاً إنَّ المتفاوضين، وبخلاف ما يزعمون، يحرزون تقدُّماً في تفاوضهم السياسي؛ ولكنَّ إفراطهم في الحرص على إبقاء هذا التقدُّم بمنأى عن عيون وآذان الإعلام والناس، حمايةً له، هو ما يحمل الناس على إبداء التشاؤم، أي أنَّ المتفاوضين يمارسون، عن عمد، لعبة الخداع (الإيجابي الدافع) ولكنَّ رايس وجدت نفسها مضطَّرة بسبب كثرة التشاؤم، وتكاثر المتشائمين، إلى البوح بشيء من حقائق الأمور.

ومضت رايس قُدُماً في بوحها السياسي لعلَّ هذا البوح يعطي النتائج التي تتوقَّعها وتريدها، فالوقت، على ما قالت، الممنوح للإسرائيليين والفلسطينيين للتوصُّل إلى اتفاق "ليس مفتوحاً"؛ ثمَّ قالت الأخطر إذ أعربت عن اعتقادها بأنَّ "خيار إقامة دولتين لن يبقى مطروحاً إلى الأبد"؛ فحجوم فرص السلام في تضاؤل مستمر ومتزايد.

وليس ثمَّة ما يمنع المرء من أن يستنتج من هذا "التهديد المبطَّن" أنَّ "خيار الدولتين" يمكن أن تنتهي صلاحيته السياسية والتفاوضية ما أن يغادر الرئيس بوش البيت الأبيض؛ وعليه، لا بدَّ لكل من له مصلحة في جعل هذا الخيار حقيقة واقعة أن يتغيَّر سياسياً بما يسمح له باغتنام ما بقي من صلاحية زمنية لهذا الخيار، فالرئيس بوش يمكن أن يأخذ معه هذا الخيار كما أخذ الرئيس كلينتون، من قبله، أفكاره ومقترحاته معه.

وإذا كانت رايس تعني حقَّاً ما تقول فقد قالت ما ينبغي له أن يثير حفيظة إسرائيل وحكومتها، فهي تحدَّثت عن "المصير النهائي" للمستوطنات بما يخالف بعضاً من أجزاء "رسالة الضمانات" التي سلَّمها بوش إلى شارون، أو من التفسير والفهم الإسرائيليين لها، إذ قالت: "ليس ثمَّة ما يضمن أن تظل المستوطنات خاضعة للسيطرة الإسرائيلية بعد التوصُّل إلى حل حاسم للنزاع". وهذا إنَّما يعني، إذا ما كان لكلامها من معنى، أنَّ قبول المفاوِض الفلسطيني أن تظل المستوطنات خاضعة لسيطرة إسرائيل هو وحده ما يضمن بقاءها كذلك.

وأخيراً، وجَّهت رايس "الرباعية الدولية" إلى تبني موقفها المثير لحفيظة بعض الدول العربية النفطية التي على ما جنته من ثروة مالية كبيرة بسبب ارتفاع أسعار النفط قصَّرت عن الوفاء بالتزاماتها الدولية المالية حيال السلطة الفلسطينية، وكأنَّ ما يشبه "معبر رفح" مقفلٌ عربياً؛ ولكن في وجه السلطة الفلسطينية. ولا شكَّ في أنَّ تلك الدول يمكنها إذا ما أرادت أن تكون مُقْنِعة، ولو قليلاً، في الدفاع عن تقصيرها، وتبريره، فمواقف إسرائيل والولايات المتحدة السياسية، وغير السياسية، هي من أهم العقبات التي تحول بين هذه الدول وبين الوفاء بالتزاماتها المالية، فهذه المواقف إنَّما تشبه رمالاً لا يمكن أن تبنى فوقها قصور.

ومع تأييدنا الجزئي لما قالته رايس في هذا الصدد، ولما يمكن أن تقوله تلك الدول العربية في معرض الدفاع عن تقصيرها، نتوصَّل إلى معرفة أوسع وأعمق لحقيقة الحصار المضروب على الفلسطينيين جميعاً. جواد البشيتي