فوضى التصريحات البرلمانية في العراق، منْ يوقفها؟

بقلم: مصطفى الرشيد

لقد شهدت حكومة السيد المالكي الثانية حالة غير مسبوقة في التدافع والتزاحم بين بعض البرلمانيين للظهور الاعلامي تحت اي مسمى وبأية صيغة، الامر الذي ادى تدريجيا الى تدخل بعض النواب في اي شيء وفي كل شيء تحت مسميات شتى فمن الدفاع عن مصالح العراق الى مكافحة الفساد الى السعي للحفاظ على اموال الميزانية الوطنية. ورغم ان هذه العناوين الرئيسية التي ترتكز عليها هذه الفئة من النواب هي امور متفقٌ عليها من اي مواطن بسيط الا ان فحوى الظهور الاعلامي يظهر بالنهاية لا علاقة له لا بمصالح العراق ولا بمكافحة الفساد ولا اي مسمى سامي من المسميات التي يستند تستند عليها هذه الفئة من النواب ظاهرياً.

حتى نربط هذا التحليل النظري بالواقع العملي فتصل فكرتنا للقارئ العراقي، سنتناول امثلة، فنشير مثلا الى ان اي شخصية في الدولة العراقية اصبحت عرضة لان يتم التطرق اليها اعلاميا من قبل النواب فلا حصانة ولو معنوية لاي مسؤول في الدولة العراقية فمن رئيس الجمهورية الى رئيس الوزراء الى رئيس البرلمان الى كافة الوزراء والمسؤولين الكل معرض لاتهامات تمس شرفه وتعرض بسمعته وبدون اي حتى اية حدود قانونية يتحدد بها مطلقو التصريحات النارية البرلمانية. فلا القانون العادي الذي يمنع المس بشرف وسمعة المسؤول كمواطن يحترم ولا الحدود التمثيلية القانونية للنواب والخاصة بالآليات القانونية للمراقبة تحترم.

ومن هنا نرى حالة هوجاء من الاندفاع لبعض البرلمانيين لكيل التهم يمينا ويسارا دونما حدود قانونية او ادبية، ودونما حتى اعتبار للمصلحة الوطنية العليا، وعلى سبيل المثال هوجم رئيس الجمهورية السيد الطالباني بما له من تاريخ سياسي ونضالي عريق على موضوع تكاليف سفر الوفد الرئاسي المشارك في اجتماعات الجمعية العامة للامم المتحدة، واضطر الرجل للخروج للاعلام في محاولة تبرير صرفيات هذه المبالغ.

وهذه حالة مستنكرة بكل معنى الكلمة، اولا كيف سربت وثيقة رئاسية سيادية، وثانيا كيف يجرؤ اي نائب على التصريح الاعلامي بتفاصيل وثيقة مسربة بشكلٍ غير قانوني، وثالثا كيف يتم التطاول بهذا الشكل الفج على مقام رئيس الجمهورية الذي يشكل السيادة الاعتبارية للدولة العراقية؟ وبهذه التساؤلات التي طرحناها نقول ايضا، ان الجهل بالمصلحة العامة للدولة العراقية او التجاوز عليها لخدمة اهداف خارجية هو الدافع الفعلي لمن شنوا هذه الحملة، لماذا؟

اولا ان تكاليف تمثيل العراق في هذا المحفل الدولي لم تكن غير طبيعية فمبلغ مليوني دولار هو مبلغ زهيد قياسا بالانفاق الرئاسي الذي يقوم به اغلب الرؤساء المشاركين في هذا المحفل الدولي اخذا بعين الاعتبار طبيعة الاسعار في مدينة نيويورك، وكذا هدايا المجاملات البروتوكولية بين الرؤساء والملوك. وهذا تطبيق عالمي اي عرف عالمي، ورغم اني ادرك شخصيا ان السيد جلال الطالباني لم يستطع تلبيته في بعض الاحيان بسبب شعوره بان نهازي الفرص من بعض البرلمانيين يتحينون الفرصة ويترقبون الفرصة للتطاول عليه، المشاركة السيادية للعراق في هذا المحفل الدولي امر يعتبر حيويا بالنسبة لمصالح الدولة العراقية خصوصا وان العراق لديه اطنان من المشاكل وان اعادة طرحها والتذكير بها وتفعيل التفاوض بشأنها امر اساسي وتهيئ له الدولة العراقية ممثلة بالاداة الدبلوماسية للدولة بوزارة الخارجية العراقية لمدة عام من كل سنة من تحضيرات مُعدة بحرفية واتقان توضع في خدمة رئيس الجمهورية ووزير الخارجية حتى يتمكنا من طرح قضايا العراق والوصول الى نتائج تحقق المصلحة الوطنية العليا كالغاء او تقليل الديون واستكمال خروج العراق من الفصل السابع وتسوية التعويضات الخاصة بالغزو الصدامي للكويت، واستحصال الدعم الدولي للحصول للضغط على دول الجوار لمنعها من التدخل في الشأن العراقي، وامور اخرى تُعد مصيرية للدول العراقية، وهذا كله يتم بجهد مُركز في هذا المحفل الدولي، وطبعا جميع دول العالم تطرح هي الاخرى قضاياها المصيرية، لذا فان مصاريف هكذا وفد تُعد مصاريف وطنية لانها في النهاية ستحقق مصالح وطنية عليا، ورغم ان الوفد العراقي الرئاسي كما ذكرنا سابقا تحدد بمصاريفه حتى لا يعطي الفرصة للانتهازيين للتطاول، فانه مع هذا ومع ان مصاريف الوفد الرئاسي (مليونا دولار) تعد صغيرة بمقاييس الوفود التي حضرت وتشارك في هذه المناسبة العالمية وفي الغايات المتوخاة من المشاركة، فيكفي القول ان مصاريف وفود رئاسية لدول افريقية فقيرة تتجاوز باضعاف المرات مصاريف وفدنا الرئاسي، الا ان هذا الموضوع ضخم بشكل غير مسبوق من بعض البرلمانيين وطرح كأن الرئيس طالباني ووفده قد صرف مبلغ خيالي دون طائل او مسوغ، وهذا غير صحيح بالمطلق، ولكن أُظهر الموضوع على هذا النحو امام المواطن العراقي البسيط، والفضيحة هي ليست فقط في تهييج الرأي العام على مصاريف سيادية بسيطة (مقارنة بالدول الاخرى المشاركة) ولكن الفضيحة ان الموضوع تناولته الصحافة العالمية ايضا كنوع من التندر على حالة الدولة العراقية التي وصلت الى الحضيض بحيث انه يتم التطاول على رئيس الجمهورية العراقية على مصاريف هي بمقاييس الوفود الرائاسية دوليا بسيطة. حيث أُظهر الاعلام العالمي حالة الوضع العراقي المزري فالعراق يتطاول برلمانيه على رئيس الجمهورية لرصده مبلغا اقل من مبلغ الرؤساء الافارقة رغم ان غاية الطالباني والحكومة ممثلة بوزير الخارجية تحقيق مكاسب بالمليارات من خلال الغاء الديون او تخفيضها او الخروج من الفصل السابع.

ولذا فاننا عندما نصف موقف البرلمانيين الذين تصدوا لهذا الموضوع بطريقة تشهيرية بان موقفهم هذا متعارض مع القانون وضد المصلحة العامة وتجاوزا على القانون فاننا نقول بان هذه الحملة وراءها قوة خارجية لا تريد للعراق ان يكون حاضرا بقوة في المحافل الدولية... وتصوروا معي الدورة القادمة للجمعية العامة هل سيذهب اليها الرئيس العراقي بطائرة خاصة ام سيركب على طائرة تجارية وربما عليه ان يركب في الدرجة السياحية لان قطعه لتذكرة درجة اولى هدر لاموال الشعب العراقي، مهزلة حقيقية يجب ان تواجه قانونيا وسياسيا.

وحتى لا يفسر ان المقالة هي للدفاع فقط عن رئيس الجمهورية، اذ ان هذا ليس مقصدنا، فنشير الى الحملة التي يتعرض لها السيد النجيفي رئيس مجلس النواب نفسه، فرئيس مجلس النواب عندما بدأ ينشط في مجال الدبلوماسية البرلمانية وبدء يحقق نتائج جيدة، فبدأت نفس الدوائر ونفس الشخوص البرلمانية وفي عملية تبادل ادوار بشن حملة شعواء على السيد النجيفي فمن قصة تكاليف تأثيث منزله والذي هو في الحقيقة ليس منزله بل هو منزل عائديته للدولة العراقية ومن المتوقع ان يستقبل فيه وفودا وطنية او اجنبية وبالتالي فان هكذا منزل يجب ان يتم تأثيث وفق مواصفات راقية لانه رمز سيادي وهو في النهاية ملك للدولة وسيستخدمه رؤساء مجلس النواب تباعا الى ما شاء الله. وقبل يفيق الرجل من هذا الموضوع شنت عليه حمله لكون اخدى وفوده تضم شقيقين له بالاضافة الى ابنه، ومعلوم ان كافة مسؤولي الدولة، بل حتى البرلمانيين الذين شنوا حملتهم على النجيفي لديهم اقارب معينين في مكاتبهم او كحمايات شخصية، والمبرر المستساغ حاليا لهذا الموضوع هي الموضوع الامني وهذا مقبول في ظل الظرف الحالي، اذن ليس النجيفي وحده لديه قريبٌ في معيته، وكان الاولى بالبرلمانيين الرافضين لهذا الموضوع ان يبدأوا بانفسهم اولا ثم يطرحوا مشروع قانون يحرم تعيين الاقرباء فاذا اقر برلمانيا اصبح قانون وعندها حتى في حالة المخالفة توجد اساليب قانونية داخل مجلس النواب وآليات، ولا يتم الامر مطلقا من خلال الحملات الاعلامية الرخيصة.

اذن هناك مسع مشبوه لعرقلة الدبلوماسية البرلمانية النشطة للسيد النجيفي.

وفي مثال اخر نجد رئيس الوزراء عرضة لهجمات اعلامية شرسة في امور تنفيذية تصل احيانا حتى في صلب صلاحيات الرجل كتغيير بعض القادة العسكريين او امور تنفيذية روتينية فتثار حملة شعواء على مواضيع في جوهرها تافه ولكنها تُضخم من خلال هؤلاء البرلمانيين اعلامياً، وبالتالي يصبح المسؤول التنفيذي الاول في الدولة ممثلا برئيس الوزراء عاجزا عن اداء مهمته الموكلة اليه دستوريا. ونفس المثال يساق ايضا في موضوع وزير الخارجية الذي ما يفتأ ينتهي من مواجهة حملة اعلامية موُجه ضد شخصه حتى تهُب حملة اخرى عليه وبالتالي فانه بدلا من ان يُركز جهوده للدفاع عن مصالح العراق فان جهوده تتشتت بين الدفاع عن مصالح العراق والدفاع عن سمعته وتاريخه السياسي والنضالي، وموضوع ميناء مبارك الكويتي والحملة الاعلامية من قبل بعض البرلمانيين والتي مازالت مستعرة لحد الان خير دليل على ذلك، فرغم ان الحقيقة التي عضدها كبير مستشاري المالكي ثامر الغضبان بسيطة فالميناء الكويتي لا يؤثر على الملاحة في خور عبد الله وبالتالي لا يجوز مطلقا لا للعراق ولا لاية دولة التدخل في شأن سيادي كويتي، وخاصة العراق المطلوب من الامتثال لسلسلة طويلة من قرارات مجلس الامن الملزمة والغير قابلة لا للمراجعة ولا للطعن فيها، وان هذه الحقيقة القانونية معروفة، ورغم ذلك فان الحملات البرلمانية المُوجه تستعر يوميا بعد يوم وهم يعرضون الدولة العراقية لان تتعرض لعقوبات اقتصادية شبيه بما تعرضت له ابان النظام الصدامي وربما حتى استخدام الردع العسكري من مجلس الامن، فالمعادلة بسيطة على العراق احترام وتنفيذ قرارات مجلس الامن، وبعكسه فانه سيعرض نفسه لعقوبات الفصل السابع التي مازال يرزح اصلا تحتها.

فأية وطنية يتشدقُ بها البرلمانيين الذين يشنون هذه الحملة بأسم مصالح العراق؟ فهل من مصلحة العراق ان يستمر تحت نير الفصل السابع؟ وكيف سيواجهون العقوبات الاقتصادية المحتملة او حتى العمل العسكري اذا ما تجاوز العراق التزاماته الدولية بموجب قرارات مجلس الامن؟

العراق المدمر اقتصاديا والمنهك امنيا لا يحتاج مطلقا لمزيد من المتاعب... ولكن المتاعب تأتي دائما الغرف المُظلمة خارج الحدود حيث تحاك وتصاغ الاجندات الخارجية وتوكل للاسف مهمة تنفيذها لبعض الساسة الذين من المفروض ان يكونوا هم ممثلين عن ارادة الامة العراقية ولكنهم يمثلون ارادة امة اخرى غير عراقية.

وشخصيا ارى ان رئيس الجمهورية عليه واجب اخلاقي بالتصدي القانوني ضد من شهر به وتطاول على مقام رئاسة الجمهورية واضر مصالح الدولة العراقية وسمعتها، وكذا الحال بالنسبة لرئيس مجلس النواب ولرئيس الوزراء ووزير الخارجية (والذي سلك درب التصدي القانوني)، لان السكوت علامة تؤشر على انها ضعف مؤسسات الدولة السيادية والتنفيذية ومسؤوليها، والموقف لا يحتمل مثل هذه الاشارات لانها ستشجع هذه الفئة من النواب على الاستمرار في غيها وربما ستشجع نوابا اخرين بحسن نية على سلك نفس الدرب متصورين انه الطريق الصحيح لتأدية واجبهم... فتصاب الدولة العراقية بسمعتها وبمصالحها العليا اصابات لا يمكن معالجتها وتكون الاضرار مليارية لان العجز في تنفيذ مسؤوليات الدولة يعرض العراق لخسائر بمليارات الدولارات، وهذا هو الفساد الحقيقي الذي يجب مكافحته، فمن يزأر بوجه مؤسسات الديمقراطية فان على الديمقراطية ان تتصدى له بانيابها القانونية حتى يكون عبره وحتى تشذب ارادة الامة من كل ممثل برلماني يتنهك المهمة التي اوكلت اليه من الشعب ويتصرف بطريقة تضر بمصالح الدولة العراقية... وتؤدي الى معاناة شعبه بسبب الافتقار الى الحس الوطني لدى هذه الفئة من النواب او السياسيين، وبالتالي فان المواجهة القانونية معهم كفيلة بجعل الديمقراطية تلفظهم وترميهم بعيدا الى حيث لا يصبح لديهم القدرة على الاضرار بمصالح الدولة العراقية وشعبها.

مصطفى الرشيد