فوضى الإحتلال، وتنظيم المقاومة

بقلم: علي الصراف

لم يسبق لأي إحتلال في تاريخ البشرية ان تسبب بفوضى كالتي يتسبب فيها الإحتلال الأميركي للعراق. حتى أكثر الغزاة همجية في التاريخ كانوا يعتمدون على قواعد تحول دون إثارة الفوضى، لأنها، ببساطة، تضر بهم أيضا. وهم قد يرتكبون مجازر وحشية، كما فعل التتار والمغول، إلا انهم كانوا يعمدون الى الحفاظ على مقدار من النظام العام لكي يستخدمونه لتوطيد سلطتهم. وبهذا المعنى، فان القسوة شيء، وحفظ النظام شيء آخر. الوحشية شيء، وتوطيد سلطة الغزاة شيء آخر. وبرغم ان توطيد سلطة الهمج يعني الكثير من أعمال القهر، إلا انه يسمح، ولو جزئيا على الأقل، بتوطيد بعض الترتيبات التي تتيح للناس ممارسة شيء من "الحياة الطبيعية".
حتى عندما اجتاح النازيون الألمان ثلاثة أرباع أوروبا، فقد ظلت هناك معامل تعمل ومدارس يذهب اليها التلاميذ، وكانت هناك مستشفيات يذهب اليها المرضى، وكان هناك حد معقول من الخدمات الأساسية. وبالتأكيد فقد كان هناك كهرباء وماء صالح للشرب.
اليوم، وبعد أربع سنوات من الغزو، لا شيء يوجد في العراق سوى الفوضى. فوضى عارمة تحوّلت هي نفسها الى ريح هوجاء تعصف بكل وجه من وجوه الحياة. وبرغم ان هناك ما يفترض انه "حكومة" إلا أنها لا "تحكم" شيئا، وتعجز عن توفير أي خدمات وليس لديها برامج، والهدف الوحيد من وجودها هو النهب. وبسببها تحوّل ما كان يعتبر إدارة مدنية صارمة، الى غابة لمليشيات من كل نوع، تعمل كل منها لحسابها الخاص. وما من عمل من أعمال البناء، إلا وحوّلته الى مصدر لأعمال اللصوصية، إبتداء من مكتب رئيس الوزراء (كما يقول آخر تقارير مكتب المحاسبة الاميركي) الى آخر مركز للشرطة، في أي مكان تصل اليه "سلطة" تلك الحكومة.
والواقع، فان هذه "السلطة" الوهمية، لا تتجاوز، حسب بعض التقديرات، 8 في المائة من الأراضي العراقية. وسوى الدوريات المشتركة مع قوات الإحتلال وبعض المراكز الإدارية المعزولة، يكاد من المستحيل العثور على أي أثر للحكومة، او لأي نظام.
ومع غياب النظام تحولت الفوضى نفسها الى "نظام" يقوم على قواعد القتل العشوائي، ويمارس نشاطه على أساس التهديدات، وينفذ بعض أعماله من خلال تقديم الرشاوى.
وهكذا، لم يعد هناك ما يمكن القول انه معامل تعمل او مدارس يذهب اليها التلاميذ او مستشفيات تقدم خدمات للمرضى. وما يتوفر منها ليس سوى بقع تدور في دائرة الفوضى نفسها. وهي تأخذ طابعا مليشياويا، لانها، من دون ذلك، تكون خارج "النظام"، فلا تحظى بالحماية، بل سرعان ما تقع تحت طائلة أطماع المجموعات التي تريد ان تأخذ "حصتها" من الفوضى.
وبالتأكيد فلا يوجد كهرباء، ولا ماء صالح للشرب، ولا طرقات يمكن السير فيها بأمان، ولا مستشفيات، ولا يوجد حتى من يقوم بعد الجثث.

***

وبطبيعة الحال، فمن السهل القول، "ان عمليات المقاومة هي التي تعوق (ما يُزعم انه "حكومة") عن تنفيذ مشاريع البناء، وان اضطراب الأمن يعود الى تلك العمليات، ومنها يأتي كل ذلك العجز عن توطيد أي نظام".
وهذه "نظرية" عظيمة. ولكن يعوزها الكثير من المنطق، وينقصها الحساب، ويعتورها خلل بنيوي جسيم (من داخلها).
أولا، لو كانت عمليات المقاومة هي التي تعوق كل نظام، فهذا يعني انها هي النظام. مما يجعل حكومة المنطقة الخضراء اكثر منطقية مع نفسها لو انها أنزلت "الكبنغ" وأغلقت الدكان.
وثانيا، لم تكن المقاومة هي التي قررت حل كل إدارات الدولة وحل الجيش وإلغاء مؤسسات النظام، المدنية وغير المدنية، على حد سواء.
وثالثا، المليشيات الطائفية هي اختراع خاص بحكومة الغزاة، منذ اول مجلس للحكم في عهد بول بريمر الى اليوم. وإذ كان الهدف من هذه المليشيات، مساعدة الإحتلال في مقاومة المقاومة، أملا بتوطيد سلطته، فان الطابع المناهض لكل نظام الذي تمثله تلك المليشيات، لا يتطلب عبقرية لمعرفة ان استخدامها ينطوي على خلل بنيوي. فالهدف يناقض الوسيلة. والوسيلة لا تستقيم مع الهدف.
ورابعا، وبرغم ان الجماعات الطائفية تمكنت من الاستيلاء على "السلطة"، وكان يفترض ان تقدم نفسها كـ"سلطة"، إلا أنها عجزت عن توحيد مليشياتها، حتى صار شارع الدولة "حُسينيات" يلطم كلٌّ منها على حُسينه الخاص.
وخامسا، ولأمر ما، لم توفر هذه المليشيات خبيرا ولا عالما ولا أستاذا جامعيا ولا طبيبا مختصا، ولا مهندسا إلا واغتالته او دفعته الى الهجرة. والقليل الذي بقي، فانه لم يبق إلا بغطاء مليشياوي او أجبر على ان يكون عميلا للإحتلال. فدولة الفوضى لا تحتاج الى خبرات. بل ان وجود هذه الخبرات يشكل تهديدا (معرفيا) لها، ويجعل من قادتها موضع سخرية، ويكشفهم كـ"عفطية". وماذا يفعل "العفطي" المسلح إذا وجد نفسه مُحرجا؟ انه يطلق النار.
وسادسا، وفي مقابل المليشيات المحلية، فقد كان لجيش الغزاة مليشياته أيضا، وهم حشود مرتزقة يتجاوز عددهم عدد قوات الاحتلال نفسه. وهؤلاء، رسميا وبوثائق موقّعة، فوق القانون، فعلوا ما فعلوا.
وهل يمكن لأي "نظام" أن يكون نظاما من دون قانون، او جزءا منه فوق القانون؟
وحيثما ظلت تقع أعمال قتل واغتيالات وتفجيرات لا علاقة لها بالمقاومة، فان حكومة الفوضى حوّلت كلَّ فرصة اتيحت للزعم ان هناك قانونا، الى مناسبة لتأكيد شريعة الغاب، فلم تخرج لجان تحقيقاتها الكثيرة بأي توصيات، ولا حوسب مسؤول، ولا تم كشف تفاصيل أي جريمة، بما فيها التفجيرات التي طالت بعض المراقد المقدسة. بل ان هذه التفجيرات أُنتهزت (من الباب الآخر) لتكون فرصة، ليس لتأكيد سلطة القانون، وانما لتأكيد سلطة الفوضى.
وكل هذا في كفّة، والفساد في كفة أخرى.
يقول تقرير أعده رايان كروكر السفير الاميركي في بغداد، نفسه ولا أحد غيره، "ان حكومة المالكي قد فشلت في وأد الفساد وهي غير قادرة علی فرض ابسط الاجراءات ضد هذا السوس الذي ينخر في عظامها. لا بل اتضح للسفارة ان مكتب المالكي نفسه يعرقل التحقيقات الجارية عن اعمال النصب ومختلف الجرائم التي يرتكبها كبار رجال الدولة".
وقالت مجلة "ذي نيشين" الاميركية التي حصلت نسخة من مسودة التقرير (تقع في 70 صفحة) "ان تقديم اللصوص والمرتشين من اعضاء الحكومة الی المحاكم أمر لا يتم الا في حالات نادرة. فالفساد بات أمرا طبيعيا في حكومة المالكي".
ويقول التقرير على سبيل المثال، ان المواطنين يعتبرون وزارة الداخلية محصنة حيث يستعصي علی اجهزة مكافحة الفساد ان تمسها بسوء. وبالمثل اصبحت التحقيقات في فساد وزارة الدفاع مشلولة ان لم تكن قد فارقت الحياة، اما وزارة التجارة فحدث عن "محاسنها" ولا حرج. اذ لم يصل الی المحاكم من اصل 196 شكوی ضد الوزارة الا ثماني فقط، وهذه الشكاوی اسفرت عن ادانة شخص واحد فقط لا غير".
ويضيف التقرير "ان الحالة الصحية لوزارة الصحة محزنة للغاية، فالفساد المكلكل عليها يعوق قدرتها علی تقديم الخدمات. ووزارة النفط أسوأ، والمفتش العام للوزارة (ولجنة التحقيق في اعمال الفساد) كلاهما عاجزان كليا عن معالجة قضايا سرقات النفط. فليست هناك محاسبة دقيقة في الوزارة لكميات انتاج النفط ونقله".
ويقول تقرير السفارة الاميركية "ان وزارة الدفاع العراقية لا تبدي أي انزعاج من السطو علی ميزانية شراء اللوازم العسكرية بمبلغ 850 مليون دولار، والانكی من ذلك ان المستشارين الاميركيين لتلك الوزارة، يطالبون بشطب اسماء بعض الموظفين المشبوهين من قوائم التحقيقات وعدم القبض عليهم او سجنهم، لذا لم يصل الی المحاكم سوی 51 موظف من وزارة الدفاع من اصل 455 موظف من المتهمين بالفساد، ولم يزد عدد موظفي لجنة التحقيق في امانة الموظفين الذين ارسلوا الی وزارة الدفاع عن اربعة اشخاص".
"وفي وزارة التجارة يتقاسم الموظفون الاسلاب، فيأخذ بعض اللصوص ثمن المسروقات من القمح والحبوب بينما ينهب اخرون الشاحنات ووسائط النقل".
السؤال الآن: هل هذه "دولة"؟ هل يمكن لعصابات او لصوص أن يقيموا أي "نظام" مهما كان نوعه.
ما حصل هو ان الغزاة الذين نشروا الفوضى، جلبوا مجموعة من اللصوص، وزودوهم بالسلاح وقالوا: "هذا مركز للشرطة".
هذا هو "العراق الجديد". فاذا كانت الفوضى هي "النظام" فيه، فالفساد هو "السلطة".

***

الوجه الآخر للحقيقة هو ان وضعا كهذا يلقي على عاتق المقاومة مسؤوليات أكثر جسامة من القتال نفسه.
ومثل الحق والباطل، فان الإنتصار الى الحق يتطلب الوقوف كليا خارج دائرة الباطل. وعلى النحو نفسه، فان انتصار المقاومة لنفسها يتطلب الوقوف كليا خارج دائرة الفوضى. وأشكال التنظيم ذات الطابع العسكري، يجب ان تقترن بكل ما يمكن من أشكال للتنظيم ذات الطابع المدني.
لا شك ان صدمة الفوضى العنيفة التي تحيط بكل أوجه الحياة في العراق تجعل الرؤوس تدور بالحيرة والشلل، حتى لتعجز المنظمات والهيئات الإنسانية والوطنية عن تقديم أي خدمات، أو مد يد العون للضحايا. إلا ان مطاولة أربع سنوات من المقاومة تبرر الحاجة الى إيجاد وسائل وهيئات تسمح للمقاومة بان تكون مؤسسة بناء وتنظيم وعون، الى جانب كونها مؤسسة قتال.
تحتاج المقاومة ان تثبت، بالدليل الملموس انها "نظام" بديل، حقيقي. وانها قادرة على إدارة أعمال المناطق التي تقع تحت تأثيرها (وليس بالضرورة سلطتها) بطريقة أفضل.
وفي مقابل الـ 8 في المائة التي تسيطر عليها حكومة الفوضى، فان "تأثير" و"نفوذ" المقاومة يمكن ان يمتد (نظريا على الأقل) الى كل الـ 92 بالمئة الباقية من العراق.
ويمكن للمرء ان يتخيل التعقيدات التي تواجه طموحا كطموح تشكيل "نظام" في ظل الاحتلال والفوضى. ولكن مجموعة من الأعمال و"الهيئات" المدنية يمكن ان تساهم، ليس في تقديم صورة أفضل للمقاومة، وتجعلها أكثر جاذبية لإستقطاب المساندة والدعم فحسب، بل ولإرساء بُنى أولية لنظام ما بعد التحرير أيضا.
صحيح ان هناك تعقيدا إضافيا هو ان فصائل المقاومة لم تتوصل بعد الى تكوين بُنية وطنية موحدة لجبهاتها المختلفة، إلا ان هذا التعقيد يجب ان يكون حافزا لكل واحدة من هذه الجبهات لتقديم نموذج لـ"نظام" يقوم على العطاء والعدالة وتوفير الخدمات والحماية للمدنيين.
والحال، فان لدينا، على سبيل المثال، ما لا يقل عن مليون أسرة شهيد. وهؤلاء هم أقدس ما يجب ان تحميه المقاومة. ان انشاء هيئة وطنية لرعاية أسر الشهداء، وأخرى لرعاية أسر المهجرين، وثالثة لإعلام المقاومة، ورابعة حقوقية لمتابعة قضايا المعتقلين، وخامسة لجمع التبرعات،... يمكن ان يؤدي الى إرساء بنية تمهيدية لـ"نظام" ولـ"مؤسسة ادارة مدنية"، لا مفر من ان الجميع سيكون في حاجة اليها بعد حين.
ولكي يكون لتلك الهيئات معنى، فان الضرورة تقتضي منها ان تقدم خدماتها من دون تمييز، لا بين المواطنين، ولا بين فصائل المقاومة نفسها.
وعلى سبيل المثال، فان هيئة وطنية لإعلام المقاومة، إذا كان من واجبها ان ترسم استراتيجية إعلامية، وتكون مصدرا ذا مصداقية للمعلومات، فانها لا تستطيع ان تميز بين جبهة مقاومة وأخرى، ولا ان تحابي هذا على حساب ذاك.
والحال، فان المقاومين يقاومون من اجل الحرية، نعم، ولكنهم يقاومون من اجل إحلال بديل لدائرة الفوضى أيضا. وهذا البديل، إذا كان لن يهبط من السماء، فان الضرورة تقتضي وضع لبناته على الأرض منذ الآن.
والمرء عندما يقول "الآن" بعد أربع سنوات، فلا مفر له من الشعور بانه حتى لو بدأ "الآن" بالفعل فانه متأخر كثيرا، فما بالك لو وجد نفسه مجرورا بآليات الفوضى ليؤجل ما كان يجب عمله بالأمس الى الغد.
لا أحد يزعم ان هيئات وطنية كهذه يمكن ان تحقق المعجزات،
ولا أحد يزعم انها ستجد الأرض ممهدة للعمل من دون عوائق أو تعقيدات أو مخاوف،
ولا أحد يزعم انها لن تفشل مرة أو مرتين أو ثلاثا في أداء هذه المهمة أو تلك،
إلا أنها يمكن أن تكون نواة لنظام بديل؛ نموذجا لإرادة الخير؛ دليلا على إحترام المعرفة المهنية؛ مؤشرا لسيادة القانون؛ و... سلاحا إضافيا للمقاومة.
وبالأحرى، فان سلاحا كهذا سيكون هو الـ" الآر.بي.جي" الأخير الذي سيغلق دائرة الفوضى على أصحابها، وينظف أرض المعركة من اللصوص والعملاء والفاسدين. علي الصراف alialsarraf@hotmail.com