فوز الأميركيين والإيرانيين 'بجائزة' الوقت

بقلم: أسعد حيدر

تتحرّك طهران بقوّة على جبهتين قبل جلسة بغداد التفاوضية في 23 أيار الجاري، بينها وبين مجموعة الخمسة زائداً واحداً، علماً أنّ هذه المفاوضات واقعياً وعملياً هي بين إيران والولايات المتحدة.

الجبهة الأولى هي جبهة المفاوضات نفسها. طهران تعتبر أنّها حققت مكاسب إيجابية وعديدة في جولة اسطنبول. أبرز هذه المكاسب: نقل المفاوضات إلى بغداد كما طلبت، أي نقلها من أرض مليئة بالألغام إلى أرض حليفة، ذلك أنّ تركيا التي كانت أفضل ورقة لإيران في الملف النووي، تحوّلت إلى خصم، بعد أن أسقطت طهران على ملفها النووي ظلّ التوتر بينها وبين أنقرة حول الملف السوري. أيضاً وهو الأهم التوصّل إلى اتفاق على أرضية الاقتراح الروسي الذي يقوم على تسوية الملف النووي الإيراني "خطوة خطوة"، أي كلما تجاوبت طهران مع طلبات الغرب وتحديداً واشنطن يتم رفع العقوبات عنها.

يبدو في هذا الجانب أنّ القيادة الإيرانية تستعجل بشدّة رفع العقوبات عنها بعد أن أخذت مفاعيلها وارتداداتها تحدث تشقّقات واضحة في الاقتصاد الإيراني مما انعكس شيئاً فشيئاً على الحياة اليومية للشرائح الشعبية الإيرانية الفقيرة والمتوسطة. ويبدو أنّ طهران التي رأت في عدم التطرّق إلى مسألة تخصيب اليورانيوم خلال اجتماع اسطنبول "إيجابية يمكن البناء عليها في بغداد"، لذلك كله تتكثّف المفاوضات الجانبية التي يتولاها الخبراء وأبرزهم من الجانب الإيراني علي باقري مساعد سكرتير المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني مع هيلغا شميد مساعدة وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي كاثرين أشتون. وتسعى إيران من خلال هذه المباحثات وجولة بغداد التفاوضية إلى انتزاع حق التخصيب بنسبة 5 في المئة مقدمة لامتلاكها "الدورة الكاملة للتكنولوجيا النووية" وتعهّد الغرب تزويدها بانتظام كميات كافية من الاورانيوم المخصب بنسبة 20 في المئة لتشغيل مفاعل طهران للبحوث الطبية.

الجبهة الثانية وهي الجبهة "المساندة" التي تجعل إيران حاضرة من موقع قوّة قادرة على انتزاع ما يمكنها من مطالب وتقديم أقل ما يمكنها من التزامات للغرب وتحديداً لواشنطن، تحرّك إيران في هذا الجانب بدا واضحاً من خلال تكثيف حركتها على عدّة ملفات أبرزها:

* جبهة الخليج، بعد أن افتعل الرئيس أحمدي نجاد مشكلة جزيرة أبو موسى، رامياً بهذا الملف في وجه مجلس التعاون الخليجي ولكن أيضاً الولايات المتحدة. ما أكّد أنّ نجاد لم يقم بذلك منفرداً، تسونامي التصريحات المؤيّدة والمبارِكة التي صدرت على كل المستويات والتوجّهات في إيران لهذه الزيارة أولاً وللتأكيد بأنّ جزيرة أبو موسى إيرانية. ولا شك أنّ هذا التصعيد الإيراني، جاء بعد أن تمّ تنفيس ملف إقفال مضيق هرمز، ما أكّد بأنّه لم يكن أكثر من "عاصفة في فنجان" الانتخابات التشريعية الإيرانية. ويبدو واضحاً أنّ طهران أرادت من إشعال ملف الجزر الثلاث خصوصاً جزيرة أبو موسى أن تقول لواشنطن إنها تقف على حدودها إذا ما أخذ بالرأي الأميركي بأنّ الخليج هو "خط حدود" مباشر للولايات المتحدة الأميركية.

* العراق حيث شكّلت زيارة نائب الرئيس الإيراني محمد رضا رحيمي لبغداد، مظاهرة سياسية ضخمة. فقد عقدت اتفاقات عديدة مع حكومة نوري المالكي وصلت إلى حدّ طرح إيراني لإنجاز "اتحاد عراقي – إيراني". ويبدو جلياً أنّ طهران تعمّدت كل هذا الضجيج الإعلامي للزيارة وللاتفاقات للقول عالياً أمام واشنطن أنّها "تمسك بالعراق وبه تحارب على عدّة جبهات أهمها المحافظة على النظام الأسدي في دمشق".

* لبنان، تعمّدت طهران تكرار سيناريو زيارة بغداد في بيروت فجاء النائب الأول للرئيس محمد رضا رحيمي إلى بيروت ومعه وفد مشكّل من 15 وزيراً ونائب وزير ومديراً عاماً، حاملاً معه عروضاً مغرية لعل أهمّها وديعة بقيمة مائة مليون دولار تُوضع في المصرف المركزي وأخرى بقيمة 40 مليون يورو لتنفيذ مشاريع محدّدة لكن حساسة. وأهمية لبنان في هذه الفترة نتيجة للثورة في سوريا، وخوف واشنطن من سقوطه نهائياً بتأييد إيران وحلفاءها دفعها للردّ بسرعة، فكانت أن تقاطعت مواكب رحيمي مع نائب مساعد وزيرة الخارجية الأميركية جيفري فيلتمان الخبير الكبير بالملف اللبناني.

هذا التقاطع وضع لبنان بين حجرَي الرحى الأميركي – الإيراني فأنتج فرزاً حاداً للقوى تشكّل من خلال زيارة الوفدين الأميركي والإيراني لحلفائه دون خصومه. ويبدو أنّه رغم كل الكلمات الطيّبة والوعود الكبيرة، فإنّ الرئيس نجيب ميقاتي الذي ينفذ سياسة "نأي لبنان بنفسه عن الأزمة السورية"، لم يتجاوب كثيراً مع العروض الإيرانية، لأنّ الجميع يعرف أنّ "الوديعة" الإيرانية ليست إلا "الطعم" لاصطياد "طريدة" الالتفاف على العقوبات الغربية ضدّها في القطاع المصرفي. وهذا ممنوع غربياً وخصوصاً أميركياً وكل المصارف اللبنانية تعرف أنّ أي محاولة للمشاركة مع إيران في الالتفاف على العقوبات المصرفية تؤدي فوراً بالمصرف المتلاعب إلى مصير مشابه للبنك الكندي – اللبناني.

مباحثات بغداد، لن تكون أكثر من خطوة على طريق الألف ميل لبناء الثقة. لا طهران تثق بالغرب وعلى رأسه واشنطن، ولا الغرب وفي مقدمته الولايات المتحدة يثق بطهران. لذلك فإنّ ما يحدث هو عملية واضحة لكسب "جائزة الوقت". ذلك أنّ إيران لا تريد أن تسقط في اختبار الحرب حتى ولو كانت محدودة، وواشنطن لا تريد التعرّض لأي تجربة حربية وهي على أبواب حملة انتخابات رئاسية. لذلك سيكون لمباحثات بغداد تتمّة في اسطنبول أو حتى بغداد وجنيف، وصولاً إلى ساعة الحسم بعد الانتخابات الأميركية والأرجح الإسرائيلية المبكرة.

أسعد حيدر