فوزي رشيد: الشِّراع كان البداية!

بقلم: رشيد الخيُّون

اسم مِن الأسماء اللامة في الحياة العِلمية الآثارية بالعراق، إنه الدُّكتور العالم فوزي رشيد (1930-2011). إذا كانت سنوات الحصار التي جعلت العقل العراقي الجمعي سهلاً للخرافة والشَّعوذة، دفع قمةً مثل فوزي رشيد إلى ترك بلاده ومادة علمه ودراساته، فإن ما سمَّي بالرَّبيع العربي عاد به ثانية إلى بلاده ليموت بعد أُسبوع مِن وصلوه، بعد أن اغترب بليبيا وتونس. هذا ما كتبه الوفي جعفر عبدالمهدي صاحب في رحيل العلامة رشيد.

كتب فوزي رشيد عن ظهور القوانين بهذه البلاد قبل غيرها قائلاً: «لا شيء ظهر أو سيظهر في هذا الكون الفسيح، أو في حياتنا نحن البشر، ما لم يكن له سبب، ولذلك لابد لنا، قبل أن نتحدث عن القوانين العِراقية القديمة، أن نبين أولاً السَّبب المباشر الذي أدى إلى ظهور المجتمع الكبير، ومِن ثم القانون في حياة سكان بلاد وادي الرَّافدين» (القوانين في العِراق القديم).

أما السَّبب المباشر الذي يراه علامتنا وكان وراء ظهور القانون ببلاد العِراق فيحدده بالسَّفينة الشَّراعية، يعتقد أن هذه السَّفينة قد أحدثت انقلاباً كبيراً في الحياة الاقتصادية، وأن باختراع هذه الواسطة توسعت الأسواق وتعددت المواد المتبادلة، ومنها توسع مفهوم الربح والكسب في تبادل مواد ما كانت الحيوانات قادرة على نقلها بين البلدان.

فهي واسعة الحجم وقليلة التكاليف وتصل إلى مسافات أبعد، ولما أزداد عدد السُّفن الشِّراعية وتوسعت صناعتها صارت لها موانئ ترسو فيها، وأماكن لتصلحيها، وبهذا تحولت القرية إلى مدينة. بلا شك تحتاج حياة المدينة إلى قوانين تُنظم حياة أهلها وتضبط تبادلهم التِّجاري. وبذلك يكون القانون، مثلما كتب فوزي رشيد، هو «الوليد الذي أنجبته المدينة عند ظهورها ونموها في النِّصف الثَّاني مِن الألف الرَّابع قبل الميلاد. وبهذا التشبيه للقانون، أي أنه وليد المدينة» (القوانين في العِراق القديم).

قال جعفر عبدالمهدي صاحب كشاهد عيان في عِلم فوزي رشيد: «الذي ادهشني بهذا العالم أنه يصحح أرقام مواد شريعة حمورابي عن ظهر قلب، ففي يوم مِن الأيام كنت أقرأ عليه نصا من شريعة حمورابي فأخطأت في رقم المادة فنهض من كرسيه مصححا الرقم» (جعفر عبدالمهدي صاحب، مقال: رحيل العلامة فوزي رشيد).

يبقى نُذكر بوفاء فوزي رشيد، وهو مثلما تقدم كان قامة في تراث العراق القديم، لعالم آخر وهو طه باقر (ت 1984)، يُريك كيف التَّواضع يسمَّو بالعلماء، صنف في رحيله كتاباً، ولو فعلها اليوم لتساءل المغرضون، أبطال الإسلام السِّياسي، مرضى الجذام الطَّائفي، عن مذهب كلٍّ منهما!

قال: «في ما يخص الأستاذ طه باقر فإن احترامي له يجب أن يكون أكبر مِن احترام بقية الطَّلبة، الذين درسوا على يديه، لأنه لم يك أستاذي في كلية الآداب فقط، بل كان مديري في الوقت نفسه، وعلاوة على ذلك فقد كان له الفضل الكبير في حصولي على البعثة لدراسة اللغات القديمة في جامعة هايدلبرك بألمانيا الغربية، ولهذا فإن مكانة الأستاذ طه باقر بالنِّسبة لي لا يكفيها أن يحل اسمه محل اسم والدي» (فوزي رشيد، طه باقر حياته وآثاره).

رحم الله فوزي رشيد، وأنقذ الله مؤسسة بذل فيها شبابه وكهولته مِن أيدي العابثين.