فهمي الكتوت يحلل تحولات السياسيات الاقتصادية والاجتماعية في الأردن

تفعيل مبدأ الاعتماد على الذات محلياً

يقدم الباحث الاقتصادي والناشط السياسي الأردني فهمي الكتوت في كتابه "التحولات الاقتصادية والاجتماعية في الأردن" خارطة مهمة وقراءة تحليلية لتطورات السياسات الاقتصادية الأردنية منذ العام 1950 وحتى الآن، مؤكدا أن دراسته ليست سوى إسهام يهدف إلى الوقوف على بعض المشاكل الاقتصادية في الأردن، بهدف دعوة المواطنين جميعاً إلى العمل الجدي الدؤوب، ليس فقط من أجل حصـر تلك المشاكل أو المعوقات، بل وكشف أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والسـياسـية والتقنية، وبذل الجهد المثابر نحو بلورة الحلول لها، عبر مشاركة المعنيين من العمال والمزارعين وصغار الموظفين الذين يعيشون أوضاعاً اجتماعية بائسة تهبط بهم عن مستوى خط الفقر، محاصـرين أمام استغلال وكلاء الشـركات الأجنبية "الكمبرادور" والوسطاء والسماسـرة، في ظل استسلامهم العفوي لشـروط الاستغلال.

وأضاف في ضوء ذلك فإن حاجتهم الموضوعية إلى القوى الوطنية الديمقراطية التقدمية لتعيش بينهم وتتبنى قضاياهم وتدافع عن حقوقهم عبر علاقة مباشـرة وميدانية تجسـر الهوة الكبيرة مع الجماهير الفقيرة وتستهدف إعادة التسـييس الديمقراطي لها وتقوية قدرتها التنظيمية الذاتية تمهيداً لإطلاق طاقاتها وبروز دورها في العملية الديمقراطية وتعميقها، ومن ثمّ البدء بخطوات حثيثة نحو عملية التنمية المعتمدة على الذات.

أما برامج الأحزاب التقدمية فهي معنية قبل غيرها بالتصدي للسـياسات الاقتصادية والاجتماعية التي يدفع ثمنها الغالبية العظمى من الشعب الأردني من عمال وموظفين ومزارعين وشـرائح دنيا ومتوسطة من البرجوازية الصغيرة، والعمل باتجاه تغيير هذا الواقع، إذ إن افتقارها لمثل هذا الدور أضعف بشكل ملحوظ علاقتها بجماهيرها، وأدى إلى توسع الهوة بينهما، ونلاحظ ذلك بوضوح في هذه المرحلة.

واعترف الكتوت بصعوبة توافر المعلومات وأن ما توافر من إحصائيات كان قائما على التخمين، وقال إن أول نشـرة إحصائية صدرت عن دائرة الإحصاءات العامة عام 1950 لم تخل من نقاط الضعف، وكانت أقرب إلى التقدير والتخمين. حيث وضعت التقديرات الأولى للدخل القومي في عام 1952 من قبل معهد البحوث الاقتصادية في الجامعة الأميركية، وبعد ذلك قام ر. س بورتر الموظف السابق في المكتب البريطاني للشـرق الأوسط، ثم في قسم تنمية الشـرق الأوسط في السفارة البريطانية ببيروت، بوضع مجموعة جديدة من التقديرات تناولت الأعوام 1954-1957، ما ضاعف الجهد المبذول للبحث والمقارنة والتدقيق في صحة المعلومات التي تبدو متضاربة أحيانا.

وأكد الكتوت أن الأسباب الحقيقية للاختلالات البنيوية للاقتصاد الأردني ارتبطت بمصالح الاستعمار في المنطقة، والذي عمل على إبقاء الاقتصاد الوطني اقتصادا ضعيفا يعتمد على المساعدات الأجنبية، ويفتقر إلى القاعدة الإنتاجية. وقال "شهد الاقتصاد الوطني تطورات ملحوظة ضمن السـياق نفسه بتأثير عوامل داخلية وخارجية، إلا أن اتجاهاته العامة، وسوء استخدام موارد البلاد، وغياب التوزيع العادل لعائدات التنمية فاقم الأزمات السـياسـية والاقتصادية والاجتماعية".

ولفت في مقدمة الكتاب الذي جاء في جزأين الأول صدر أخيرا عن دار الآن ناشرون وموزعون ويتناول الفترة من عام 1950 إلى 1967، إلى أن أهمية توسـيع وتنوع القطاعات الإنتاجية تبرز بصورة مضطردة، لكي يصبح الاقتصاد الوطني قادرا على النمو والتكيف مع المستجدات والتقلبات، فهو لا يستطيع البقاء والصمود في مواجهة الاهتزازات السـياسـية الإقليمية والدولية بحكم حساسـية الموقف الرسمي تجاه الجهات الممولة لنفقات الخزينة، وهي قضـية مركزية لا يمكن تجاهلها، إن لم يجر إعادة صـياغة الاقتصاد الأردني بمعالجة التشوهات الهيكلية وتحقيق تنمية اقتصادية مستدامة تضمن للدولة الأردنية استقرارا ذاتيا نابعا من مقوماتها الحقيقية، وليس على حساب الصـراعات السـياسـية والمصالح الامبريالية.

وقال الكتوت إن التبدلات الديمغرافية للمجتمع الأردني أحدثت طفرة في التركيبة السكانية بعد ضم الضفة الفلسطينية عام 1950، وشهدت تطورا نوعيا في بنية الدولة الأردنية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. كما اتسعت مساحات الأراضـي الزراعية في مرحلة الوحدة. وتضاعفت موازنة الدولة مرات عدة. وفي خضم النضال تلاحم الشعبان الشقيقان، الأردني والفلسطيني، في مواجهة الاستعمار والصهيونية. وشكل إحباط الأحلاف الاستعمارية، وتعريب الجيش، وفوز الحركة الوطنية في انتخابات ديمقراطية بأغلبية مقاعد مجلس النواب في عام 1956، وتشكيل أول حكومة حزبية برلمانية برئاسة سليمان النابلسـي، وإلغاء المعاهدة البريطانية - الأردنية محطات مهمة في تاريخ الحركة الوطنية الأردنية.

وأشار الكتوت إلى افتقار المكتبة الأردنية للدراسات والأبحاث الاقتصادية والاجتماعية المتعلقة بخصائص الاقتصاد الأردني، والتحولات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها البلاد في تلك المرحلة، على الرغم من وجود بعض الإسهامات المهمة، إلا أن بعضها ينحصـر في فترات زمنية، أو يعالج قطاعات محددة، كما يغلب على معظمها الموقف الرسمي التبريري للسـياسات الاقتصادية والاجتماعية السائدة في البلاد، والذي لا يساعد الكشف عن الأسباب الحقيقية وراء التشوهات الهيكلية التي تعتري الاقتصاد الوطني.

وقال إنه في حقبة تاريخية معينة سادت سـياسة اقتصادية في مجمل البلدان العربية التي خضعت لما يسمى "برنامج التصحيح الاقتصادي"، أوصلت البلدان العربية ومنها الأردن إلى أزمات عميقة بمظاهرها المتعددة، بسبب التخلف والتبعية والاستبداد وإغراقها بالمديونية، ما ألزم الحكومات بتقليص نفقات الخدمات العامة، وزيادة الإيرادات المحلية لخفض عجز موازناتها، ومطالبة صندوق النقد والبنك الدوليين بخفض عجز الميزان التجاري والحساب الجاري.

لم تأت هذه الإجراءات بفضل زيادة الاستثمار وتحقيق التنمية المستدامة، بل على حساب الفقراء والطبقة الوسطى في المجتمع، من خلال السـياسات الضـريبية الإحلالية "الضـريبة العامة على المبيعات"، على حساب الضـريبة التصاعدية خلافا لمنطوق المادة 111 من الدستور الاردني، لخفض مساهمة كبار الرأسماليين في إيرادات الخزينة، وتحرير الأسعار، وخفض الإنفاق على الخدمات العامة، وما رافق هذه السـياسات من استشـراء الفساد المالي والإداري والسـياسـي والتلاعب بالمال العام.

وعلى الرغم من الآثار المؤلمة للإجراءات الحكومية على الفئات الشعبية إلا أنها لم تفلح في تجاوز الأزمة، بل أسهمت في تعميق التشوهات الهيكلية للاقتصاد الأردني.

وأوضح الكتوت أن سـياسات الليبرالية الجديدة الواسعة في الاقتصاد الأردني جاءت بعد إغراق البلاد بالمديونية نتيجة استشـراء حالات الفساد، ومصادرة الحريات العامة، وغياب المؤسسات الدستورية، وسوء إدارة موارد البلاد، الأمر الذي أدى إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية وانهيار سعر صـرف الدينار أمام العملات الأجنبية، فقد شهدت هذه المرحلة تحرير الاقتصاد الأردني من القيود كافة، وتحرير التجارة الداخلية والخارجية، وتحرير حركة رأس المال، وتخلي الدولة عن أي دور اقتصادي، خاصة في المرحلة الثانية عندما جرى الخضوع لشـروط منظمة التجارة العالمية، وتسهيل انسـياب السلع الأجنبية، وإزالة أي دعم للصناعة الوطنية، وتنفيذ سـياسة التخاصـية التي من خلالها تم التخلي عن مؤسسات الدولة بذريعة إدخال شـريك استراتيجي لمعالجة مشاكل المؤسسات المتعثرة، فكانت النتيجة تنازل الدولة عن معظم مؤسساتها، وعن إيراداتها التي كانت تدر دخلا على الخزينة، فانتشـر رجال الأعمال من الشـرائح الطفيلية والكومبرادورية كالنار في الهشـيم لاحتلال أرفع المناصب، ودخلوا بصفقات مريبةَ عرَّضت الاقتصاد الوطني لأفدح الخسائر، بهدف حصد العمولات ونهب الثروات، وإغراق البلاد بمشاريع وهمية باسم الاستثمار. وهي الصورة نفسها التي شهدتها عدد من الأقطار العربية بدرجات متفاوتة.

ورأى أنه في ظل هذه المناخات السـياسـية والاقتصادية، ومع تفاقم مظاهر الفساد والاستبداد والاستغلال والفقر، كان من الطبيعي أن تشهد المنطقة العربية هبات وثورات شعبية عفوية واسعة، أدت إلى الإطاحة ببعض النظم الدكتاتورية، كما جرى في تونس ومصـر. ومع التطورات التي شهدتها بعض البلدان العربية من ارتدادات وتدخلات أجنبية مباشـرة طرحت تساؤلات مشـروعة حول ما جرى في الوطن العربي؛ أهي ثورات شعبية أم مؤامرة؟ ربيع عربي أم خريف؟ خاصة بعد أن استطاعت قوى الثورة المضادة، سواء من القوى الكومبرادورية والبيروقراطية (العسكرية والمدنية) التي استعادت نفوذها، أو القوى الظلامية التكفيرية، في ظل غياب ملموس للقوى والحركات الديمقراطية واليسارية، وبالتالي كان من الطبيعي تفاقم الصـراع الدموي الذي أودى بحياة الملايين في العراق، ومئات الآلاف في سوريا، وعشـرات الآلاف في اليمن ومصـر وليبيا، علاوة على مؤشـرات التفكك في بنية الدولة، كما هو حال العراق وليبيا وسوريا واليمن.

وشدد الكتوت على أن الاختلالات الناجمة عن شـروط التبعية أحدثت فجوة مالية واقتصادية واجتماعية، عمقت الأزمات والعجز في الموازنة العامة للدولة، وفي الميزان التجاري، وهو ما تفاقم عاما بعد آخر إلى أن أصبح خارج حدود السـيطرة. فقد كشفت تجربة الحقبة الماضـية موضع البحث عن إخفاق النهج الاقتصادي الذي كان وما زال سائدا في البلاد، وإغفال القطاعات الاقتصادية الحقيقية التي تسهم في تأمين فرص العمل ومعالجة مشكلة البطالة، وتحقيق تنمية اقتصادية اجتماعية شاملة ومستدامة.

وقال إذا كانت بريطانيا وأميركا قد أنفقتا على الدولة الأردنية في مرحلة تاريخية كان عدد سكان الأردن فيها بين مليون ومليوني نسمة، وكانت موازنة الدولة متواضعة، فإن التوسع الدراماتيكي والزيادة السكانية المتسارعة وتضخم حجم المؤسسات الحكومية المدنية والعسكرية، واستشـراء مظاهر الفساد الذي ابتلع جزءا مهماً من عائدات الدولة وحولها إلى عبء، جعل الإمبريالية الأميركية تتنبه مبكرا وتطلب من الأردن تحويل جزء من المساعدات إلى قروض. فلم تعد الإمبريالية معنية باستمرار الإنفاق على الدولة الأردنية، فتراجعت نسبة المساعدات مقارنة بحجم النفقات العامة للدولة بشكل كبير، ولم تفلح السياسات المالية والاقتصادية السائدة تعويض النقص الخطير في الإيرادات من مصادر تنموية، فقد عوضت جزءا مهما من الضـرائب المباشـرة وغير المباشـرة، أما الجزء الآخر فقد جرى تعويضه عن طريق القروض، وأصبحت المديونية هي السبيل المتاح لتمويل النفقات الجارية للدولة، مع ما يعنيه ذلك من عبء سـياسـي إضافي على الأردن. كما أن خدمات المديونية عبء مالي إضافي يقتطع من قوت الفقراء في البلاد.

أما المسألة الأخرى التي لا بد من التطرق لها: مع أهمية تفعيل مبدأ الاعتماد على الذات محلياً في استثمار موارد البلاد، يبدو من الصعب تحقيق تنمية اقتصادية مستدامة ضمن الحالة الراهنة، لعجز الواقع الاقتصادي القطري من مواجهة التحديات منفرداً استنادا للمعطيات المحلية. الأمر الذي يتطلب إنشاء قاعدة اقتصادية عربية تشكل مقدمة موضوعية لدولة الوحدة، لكن الخطوة الأولى نحو تحقيق هذا الهدف تتطلب الاستناد إلى الواقع المحلي لكل قطر عربي بحثاً واستكشافاً وإيضاحاً لمعالم هذا الواقع نظريا وميدانيا، ما سيدفع موضوعياً نحو التأكيد على توسيع مبدأ الاعتماد على الذات، وانتقاله من المستوى المحلي إلى المستوى القومي جزئياً أو كلياً.

وأكد الكتوت إن تفعيل مبدأ الاعتماد على الذات محلياً سـيؤدي إلى استكشاف عمق الحاجة المادية داخل الأردن للعمل من أجل تطبيق هذا الشعار وانتقاله إلى المستوى القومي بعدما يتبين عجز الواقع الاجتماعي الاقتصادي القطري عن حل أزمته منفرداً. بحيث يصبح الشعار القومي الوحدوي الديمقراطي انعكاساً للحاجات المادية الأساسـية للأغلبية الساحقة من أبناء شعوبنا العربية الفقيرة.