فهد المري يحجز مقعده في مرحلة الـ24، والجمهور يمنحه 91% من الأصوات

في الحلقة الثالثة من شاعر المليون بموسمه السابع

أبوظبي ـ حلقة ثالثة من الشعر والسهر والسمر مع ثمانية شعراء جدد كانت قد أهلتهم لجنة تحكيم "شاعر المليون" لخوض المنافسة في مرحلة الـ48، وهم: أحمد خالد بن جوفان العجمي وراجح نواف الحميداني من الكويت، وحامد علوي أحمد الهاشمي من الإمارات، وسيف بن سعيد محمد الريسي من سلطنة عمان، وصالح جار الله آل كحله المري وعبدالرحمن رده عقاب المالكي وظاهر خالد الملغومي الظفيري من السعودية، وصهيب محمد المعايطة من الأردن.

لكن قبل أن يبدأ شعراء الحلقة الثالثة بإلقاء قصائدهم من مسرح شاطئ الراحة وعبر قناتي أبوظبي وبينونة؛ كان على الشعراء الخمسة الذين تنافسوا في الحلقة الثانية خلال الأسبوع الفائت أن يستمعوا إلى نتائج تصويت الجمهور، وذلك بعد أن أهّلت اللجنة المكونة من د. غسان الحسن، والشاعر حمد السعيد، وسلطان العميمي؛ ثلاثة شعراء عن الحلقة الماضية وهم: الشاعر السعودي خزّام السهلي، والشاعران خميس بن بليشة الكتبي من الإمارات وبلال الماضي من الأردن.

أسبوع من الانتظار، ولا شك من القلق أيضاً، فلا أحد يعرف بدايةً من الاسم الذي سيُعلن فائزاً، ومن هو صاحب الحظ بالانتقال إلى المرحلة الثانية من مراحل "شاعر المليون"؛ إلا عندما أعلن المقدم حسين العامري عن فوز الشاعر القطري فهد المري، والذي تمكّن من الاستحواذ على 91% من أصوات الجمهور، فحجز بذلك له معقداً في المرحلة التالية من مراحل المسابقة، فيما خرج كل من مطيع نايف العازمي/ الكويت، والسعوديان معيوف الدوسري، ومنيف الحصان الشهراني، ومحمد الضويلي من الكويت؛ من إطار المسابقة، وهم الذين قدموا حضوراً لافتاً في الحلقة الثانية.

أما عن حلقة الأمس (الحلقة الثالثة) فقد اختارت لجنة تحكيم شاعر المليون الشاعرين سيف الريسي من عُمان وراجح الحميداني من الكويت، ليكونا ضمن الشعراء الواصلين للمرحلة الثانية من مسابقة شاعر المليون في موسمها السابع، حيث حصل الشاعر الحميداني على علامة 49 درجة وسيف الريسي على 48 علامة. و سيكون على كل من أحمد خالد بن جوفان العجمي/ الكويت، وحامد علوي أحمد الهاشمي/ الإمارات، وصالح جار الله آل كحله المري، وعبدالرحمن رده عقاب المالكي، وظاهر خالد الملغومي الظفيري/ السعودية، وصهيب محمد المعايطة/ الأردن؛ انتظار أسبوع كامل، حيث سيتمكن الجمهور من تأهيل شاعرين من أصل هؤلاء الستة، وذلك من خلال التصويت عبر رسائل الSMS ، وفي بداية الحلقة القادمة سيتم الإعلان عن الاسمين الفائزين لينضما إلى مرحلة الـ24.

• العجمي.. جزالة وإلقاء وحضور

مع الكويتي أحمد بن جوفان العجمي انطلقت الحلقة بقصيدة موضوعها الشعر والفخر بما وصل إليه الشاعر، فقال في مطلع نصه:

على جرّة خطى ركْب المقادير المغرّب سار ** يحثّ الساق وآماله دفعها العزم والهمه

على حد الأماني لاحت الرجوى على السبّار ** يوكّدها شواهيق الرجوم وعالي القمه

يا ثلث العمْر ما مل الرجى دونك غريب الدار ** يناشد غربته لين رجعت به لهفته يمه

د. غسان الحسن كان أول من نقد القصيدة، فركز على أن موضوعها متداول من قبل الشعراء، فقد جاءوا به كثيراً، حتى أن أحد الشعراء في الحلقة الثانية اتجه إلى موضوع مشابه، وأيضاً إلى ذات التقنية التي استخدمها العجمي، مع ذلك لا يعيب الشعراء أن يأتوا بالموضوع ذاته، لأن الموقف الذي يعيشونه هو واحد.

وقال الحسن: إن الشاعر بنى نصه على نوع من الاحتشاد النفسي وهو مقبل على المسابقة التي تدرج فيها خطوة بعد أخرى، لذلك ظهر في النص موضوعان استحوذا على كلمات كثيرة فيه، من بينها التصميم الذي أشار إليه الشاعر بمفردات مثل (يحث الساق، العزم، الهمة، يوكّدها، الإصرار، حفظت العهد)، والأمل والطموح الذي أشار إليه بمفردات مثل (الآمال، الأماني، كف الأمل، الرجوى، الرجا) وغيرها، وهذا جميل جداً، لأن في ذلك نوع من تكثيف الكلمات لصالح الموضوع. ثم يقف الشاعر ليوجه الكلمات لإخوانه الشعراء بعد تأكده من الوصل إلى المسرح.

وبالنسبة للبيت (ترا ما جيت أقاوس منكبي يا معشر الشّعار / أنا وأنتم نكمل ما ربناه المجد للأمّه) فقد جاء في منتصف الكلام وكأنه جملة معترضة، بغية التنبيه إلى أن الفخر الذي يشعر به الشاعر، والأمل الذي تحقق له، وارتقى به إلى هذا المستوى، من دون أن يقصد منه التعالي على زملائه الشعراء، إنما أشار إلى أنه مثلهم، وأنهم جميعاً سيتضامنون من أجل رفعة الثقافة العربية.

ورأى الناقد أن الموضوع جميل جداً، لكن في البيت الأخير (لذا يا المدهل الحافل وصلتك بالسلام الحار/ وردتك وارتوى ركب الشعر من صافي الجمّه) يبدو وكأن وصول الشاعر إلى هذا المكان يحقق له آماله، وبالتالي لم يجد د. الحسن الطموح مستمراً حتى الآخر في تلك القصيدة.

الأستاذ سلطان العميمي وصف التفاعل اللافت للشاعر مع القصيدة، حتى أنه لم يشعر بأي فتور في إلقاء العجمي الذي جاء مميزاً، ومن ناحية أخرى فقد وفق الشاعر بالتعبير عن مشواره الشعري من البدايات وحتى الوصول إلى منبر "شاعر المليون" في تلك القصيدة التي تؤكد استحقاق الشاعر وصوله إلى هذه المرحلة.

ما أعجب العميمي بناء النص، وخاصة انتقال الشاعر من المدخل الذي يتمثل في التمهيد والمكون من خمسة أبيات، إلى موضوع النص. ففي البداية كان الشاعر منفصلاً عن المشهد، فوصف مسيرة شخص وكأنه ليس الشاعر ذاته، وظل الأمر هكذا من الشطر الأول في البيت الأول (على جرّة خطى ركْب المقادير المغرّب سار) وحتى الشطر الأخير من البيت الخامس (على دربه مشى بك وانجلى من ضيقته همّه). بعد ذلك تحدث الشاعر بضمير الأنا عندما قال: (على كف الأمل جادت مطاليعي من الأشعار / حفظت العهد من دونه مثل ما تحفظ الذمّه)، وما لاحظه العميمي عدم وجود فجوة في ذلك الانتقال، إذ دخل الشاعر للتحدث عن ضمير الأنا، وبدا التمازج عجيباً بين الصوتين في النص الذي توجد فيه الكثير من الصور الشعرية المميزة مثل الصورة في: (على حد الأماني لاحت الرجوى على السبّار)، وكذلك الصورة في: (تعب لك محمل الكاهل وعنّز ثقلك الإصرار)، بالإضافة إلى الصورة في: (على كف الأمل جادت مطاليعي من الأشعار)، وغيرها من الصور الشعورية التي تؤكد إبداع حمد.

الناقد حمد السعيد أشاد بداية بحضور الشاعر، وقال: إما أن يكون هكذا الحضور وإلا فلا، فقد خدم الشاعر قصيدة بالإلقاء، وإلى درجة عالية، وبالتالي كان الشاعر متكاملاً، من حيث جزالة الشعر والأداء المسرحي، وعندما وصل الشاعر إلى البيت (رفعت الصوت توحي له مسامع جملة الحضّار/ وأعيده من بعد ما قام عز الشعر وأتمّه) بدأ برفع نبرة صوته، وهذا دليل على إدراكه بأن عليه إعطاء الأبيات حقها في الإلقاء.

وقد وجد السعيد أن القصيدة مترابطة، وواضحة الدلالة، كما في البيت (يا نشّادة غيابي ما على وجه الحضور ستار/ حضرت أجمع شتات غياب تسع سنين وألمّه)، والذي يعبر فيه الشاعر على غيابه عن الشعر تسع سنوات "فترة وجوده في أمريكا للدراسة"، وختم السعيد بأنه أحمد العجمي أورد كلمة فخر أربع مرات في النص الذي يمكن إطلاق صفة الفخر عليه، بكل ما فيه من جزالة وصور شعرية وإبداع.

• الهاشمي.. تطويع المفردة وإبداع

ثاني فرسان الليلة الماضية كان الشاعر الإماراتي حامد الهاشمي. وقبل أن يلقي قصيدة المسابقة ألقى مجموعة أبيات للراحل محمد خلف المزروعي "أبو خلف" قال فيها:

يا شعّار لحدٍ ينكر الفضل يا شعّار ** بعد ما نقول الفضل لله والمنّه

وطيتو بفعل أبو خلف زمرة الأخطار ** وجيتو على ظنّه ورحتو على ظنّه

عطاياه وقفاته جلوسه مع الحضّار ** من يلومكم لو تروي قلوبكم عنّه

ثم ألقى قصيدته الوطنية التي جاء في مطلعها:

ما عاد من صافي اليَمّة قَراحٍ زلال ** يروي ظما عز يا عزّي لضيم الظما

أرض أغدرَتْها النوايا حَل فيها النزال ** لين استغاثت وياها نصرها من سما

طْيور أبابيل تَرْجم زُمْرة الانحلال ** وَمَا رمَتْ، إذ رمَتْ، مير الله اللي رمى

سلطان العميمي أشاد في حضور الشاعر وتفاعله مع النص الذي ألقاه، كما أشاد بموضوع النص المهم الذي يتحدث عن موقف الإمارات ونجدتهم لأهل اليمن، إلى جانب الحديث عن الولاء للقادة والوطن بتصوير شعري مميز، ولعل أكثر الأبيات التي شدت انتباه العميمي: (بأجسادنا دون هامتها نكَوّن ظلال/ تقر عين السلام اللي تحَتها احتمى)، فالسلام هو ما تسعى إلى تحقيقه دار زايد داخلياً وخارجياً، وكذلك أشقائها، وهي إشارة مهمة في نص بناؤه جميل جداً وتسلسل، غير أن مفردة (مير) التي استخدمها الشاعر من خارج قاموس اللهجة الإماراتية، وليته استبدلها بمفردة سواها.

حمد السعيد وصف الشاعر حامد الهاشمي بالمتألق، وأضاف: نحن بحاجة ذلك الحس الوطني العالي الموجود لدى حامد، وخاصة في هذا الزمن الصعب، وفي أجواء الصراعات التي نعيشها، مضيفاً أن الشاعر لسان حال مجتمعه. وتمنى السعيد لو أن الشاعر أضاف بيتاً يربط فيه بين البيت الذي يتحدث فيه عن اليمن (على مَسَاس أمْن أراضيها ندك الجبال) والبيت الذي قال فيه: (نرخص لها أرواحٍ تقدا لحسن المآل)، وبشكل عام قال: إن النص جميل بصوره الشعرية، وقد أعجبني البيت (نطيع حكامنا حب ولا وامتثال/ على خطاويهم اللي يبصر بْها للعمى)، مثلما أعجبتني استفادة حامد من مفردات القرآن وتضمينها في القصيدة مثل (طيور أبابيل) و(وَمَا رمَتْ إذ رمَتْ).

وقد أشار حمد السعيد إلى أن البيت (ما بين سيل الجنوب وْبين رعد الشمال/ ننثرر شظايا الشفَقْ دام الغروب ارتمى) يدل على مواكبة الأحداث من قبل الشاعر العذب الذي أنهى نصه ببيت جميل قال فيه: (يروون من صافي اليمّة لقَفْر النضال/ ولجَدْب حق البريّة ولظما العز ما).

د. غسان الحسن أشار إلى أن النص وطني، وهو نابع من شخصية امتزج فيها الفكر مع نصرة الشقيق، وكذلك الامتثال لرأي ولي الأمر، وقد تحقق ذلك من خلال الكثير من الصور الشعرية التي تلفت النظر بجمالها البالغ، مثل: (دارٍ رسَمنا نطاق حْدودها بالسلال/ قطافة الروس بيدينا على من زما).

كما أشار د. غسان إلى البيت الثاني (أرض أغدرَتْها النوايا حَل فيها النزال/ لين استغاثت وياها نصرها من سما)، وتحديداً إلى مفردة (سما)، التي لم يتركها الشاعر معلقة، إنما أتبعها ببيتين استند جوهرهما إلى القرآن أو حديث الرسول (ص)، فكان ذلك مميزاً، إذ رفع المسألة إلى مستوى القدر أو التأييد الرباني.

غير أن الشاعر عندما استند على المفردة القرآنية والحديث الشريف لم يأتِ بها بحذافيرها، إنما طوّعها لما يريد من حيث القافية والوزن والمعنى. في حين جاءت مفردة (مير) شاذة في سياق النص؛ فثمة مفردة أجمل منها بكثير، كالتي وردت في النص القرآني، (ولكن الله رمى).

وشرح الناقد أن الشاعر عندما قال: (تدك الجبال) فقد استعار المفردة من القرآن، وفي حين استعار (يحوم حول الحمى) من الحديث، وما استعاره لم يكن على ما هو عليه في الظاهر، إنما جاء عميقاً، وفيه إشارة إلى أن ثمة من يحاول الاعتداء على أرضنا، وقد اعتبر د. غسان أن توظيف الآيات الكريمة من قبل الشاعر رفع القصيدة بشكل جميل، وكان ذلك دليلاً على وعيه بالمعاني.

• الحميداني.. عاشق في محراب الحب

في مديح الوطن ألقى الشاعر الكويتي راجح نواف الحميداني المدخل الشعري الذي جاء في ثلاثة أبيات كان دالّة على موقع الكويت من قلبه:

ف الكويت الشعب يفتح خافقه للزاير ** احتفلنا والعلم فوق القمم متعلّي

يا وطنّا والقصيد العذب ياقف حاير ** وش يقول فما يكنّه من غلا ويخلّي؟

ال هلا ما نختصرها في شهر فبراير ** من يناير لين ديسمبر ما نهلّي

أما النص الذي سلب لب النقاد، فتوقفوا عنده طويلاً لأنه جاء مختلفاً من حيث البناء والمعنى والصورة عما قدمه بقية الشعراء في ذات الموضوع، وهو الغياب. وقد استهل راجح نصه الخاص بالمسابقة بالمطلع المبهر:

تسّريني الذكرى ولا أدري طريقي وين ** متاهة شقا ما بين موتي وميلادي

ينام اليقين ويسهِر الشك والتخمين ** وأدوّر على نفسي بنفسي وأنا غادي

أحس إني أحتاج أختلي وأنقسم نصفين ** هنا راجح المزعج/ هنا راجح الهادي

"كل الشعراء كتبوا عن الفراق، لكن راجح الحميداني صاحب الحضور الجميل مختلف تماماً فيما جاء به". هذا ما بدأ به الناقد حمد السعيد، مؤكداً أن الشاعر كان مجدداً ومغايراً، ففي البيت (أحس إني احتاج أختلي وأنقسم نصفين/ هنا راجح المزعج/ هنا راجح الهادي) قسم الشاعر نفسه إلى نصفين. وفي البيت (الأول يقول: اقنع ولا تتبع المقفين/ والآخر يقول: ارجع ولا تخذل منادي) بدا الانقسام واضحاً، وكذلك الصراع مع الذات، فجاءت الحوارية جميلة بين الشاعر وذاته.

وأضاف السعيد: القصيدة مترابطة الأبيات، بدءاً من المطلع اللافت (تسّريني الذكرى ولا ادري طريقي وين/ متاهة شقا ما بين موتي وميلادي). أما في البيت (أنا اثنين وأعاني بشدّه من الاثنين/ لهم موقفين وموقفي منهم حيادي) فقد وقف الشاعر موقف الحياد من الشخصين الآخرين، فتركهما يتصارعان.

غير أن المعنى الذي جاء مميزاً بدرجة كبيرة فكان في البيت (يقولون عمق الجرح من حدّة السكين/ ما قالو لي أعمق جرح جرحي من ضمادي)، والأجمل من ذلك عندما حول الشاعر الفراق إلى منفى ومكان، وهذا ما اتضح في البيت (تغرّبت في منفى فراقك ثلاث سنين/ ولا أعرف سبب منفاي يا سبّة سهادي).

من جمال إلى آخر كانت ينتقل السعيد، وهو الذي ختم بقوله: إن راجح شاعر جميل، وهو الذي وظف حائط المبكى، كما أبدع في البيت (ولا ينقص الرجّال دمعه على الغالين/ من مفارق الغالين رجل وبكى عادي)، في حين ختم نصه بالبيت الرائع: (على مفرق الوادي وقفت احتريك تجين/ لكن الهوى ما هب من مفرق الوادي).

من ناحيته وجد د. غسان الحسن أن القصيدة مختلفة في الطرح، وفي النظرة التي نبعت من نفس الشاعر. موضحاً أن بداية القصيدة فيها الكثير من المتناقضات مثل (موتي ميلادي، ينام اليقين ويسهِر الشك والتخمين)، وكل ذلك يدل أن النفس قد انقسمت أمام الموقف الذي تمر به، وهو ما اتضح بشكل صريح عندما قال الشاعر: (هنا راجح المزعج/ هنا راجح الهادي)، واعتبر د. الحسن أن هذا التشظي للنفس الإنسانية عند الشاعر تطور إلى أن صار ثلاثة أشخاص، فقال: (أنا اثنين وأعاني بشدّه من الاثنين/ لهم موقفين وموقفي منهم حيادي)، وهذا تعبير عن الذات الداخلية.

وأضاف د. الحسن أن الجمال في ذلك النص تمثّل في تمكّن الشاعر من الإمساك بأطراف الخيوط التي اصطنعها ليحركها جيئة وذهاباً، فبينما كان في البداية مستسلماً للتشظي، إلا أننا وجدناه في النهاية يقول: (حبيبتهم الوحدة)، وكأنهم اجتمعوا كلهم (أي الثلاثة) على رأي واحد، موضحاً أن في هذا الموضع من النص صار عندنا شيئاً من التوحد الذي استمر إلى المرحلة التي غفر فيها الشاعر للفتاة على الرغم مما فعلت، وهو الذي أراد استعادتها، ظاناً أنه هو صاحب الرأي في ذلك، لكن حقيقة الأمر لم تكن كذلك، ولهذا قال وكأنه تأثر بفيروز: (على مفرق الوادي وقفت احتريك تجين/ لكن الهوى ما هب من مفرق الوادي)، حيث أن الشاعر ذهب للقاء الفتاة، لكنها لم تشأ أت تعود إليه، ما جعلنا نشعر أن التشظي عاد إلى الشاعر مرة أخرى.

لكن ما عاب عليه د. الحسن استخدام الحميداني ملمحين من ثقافة معادية، وذلك في البيت: (أنا صدري لمبكاك حايط مهو من طين/ ولا أرضى بغيرك أرض يا أرض ميعادي)، إذ لا يجوز ذلك، خاصة وأن الشاعر من رواد المجتمع، وأن تلك القصيدة ستخلد وتستمر، وتمنى د. غسان لو أن الشاعر لم يستخدم هذين الملمحين.

الناقد سلطان العميمي وصف القصيدة بالتميز، فهي قصيدة عاشق في محراب الحب، وقصيدة مبدع في ميدان الشعر، وأكد أن الحميداني كان متألقاً بدءاً من أبيات المدخل، وحتى نهاية أبيات قصيدة المسابقة. وما لفت انتباه العميمي قدرة الشاعر على خلق سيناريو جميل في موضوع التشظي والانشطار في ذاته، وفي رسم الشخصيات التي خلقها، وفي إدارة الحوار فيما بينها، وفي وصف المكان كذلك، معتبراً أن كل ما جاء به الحميداني كان بصورة شاعرية وجميلة.

ورأى العميمي أن من أهم عناصر النجاح في القصيدة جرأة الشاعر في ابتكار صور شعرية تحمل وعياً متميزاً، جاءت بمثابة مرتكز من مرتكزات الإبداع، كما دلت على خصوصية التجربة البعيدة عن التقليد، فتمكن الشاعر من تقديم ما يثبت تميزه وقدرته على الابتكار الشعري. ومن جهة أخرى ارتكز الشاعر على ثقافة واضحة اتضحت في عدة عناصر كان قد أشار إليها د. غسان. وكل ذلك يجعل القصيدة شمعة متوهجة في "شاطئ الراحة"، وختم العميمي بالقول: هذه القصيدة من أجمل النصوص التي سمعتها في المسابقة.

• الريسي.. وعي وإدراك وأداء

الشاعر العماني سيف بن سعيد الريسي جاء ليلقي قصيدته التي منحه عليها جمهور المسرح 37%، وتأهل بسببها من قبل لجنة التحكيم إلى المرحلة التالية، لكن قبل إلقاء قصيدة قدم مدخلاً مكوناً من أربعة أبيات جاء فيه:

تاريخ كم اليوم؟ ما تنزل الروس ** حطوا على التاريخ تاريخ ثاني

في دار أبو سلطان ما تنزل الروس ** كلٍ يبا يخاشم سهيل اليماني

ثم ألقى قصيدته (وحدة عرب) على أسماع اللجنة والجمهور، فلفت الانتباه إليه ليس فقط من ناحية تكامل القصيدة، إنما من ناحية الحضور كذلك، وهي قصيدة قال عنها د. غسان الحسن إنها تستحق ذلك الحماس الذي أبداه الشاعر أثناء الإلقاء، فجاءت متميزة في موضوعها وفي طرحها:

على مهرةٍ تصهل شعر والثرى ممطور ** تحب الطريق الوعر وتسابق أيامه

سرى من ورى رمل الصحاري وشاف النور ** تعلّم من خيوط العزمْ ينسج أحلامه

رمى الحمل عن كتفه، جواهرْ، تبرْ، بلور ** شعوره يصبّ المسك من مبسم أقلامه

وأضاف د. غسان: إن الشاعر يعزف على نغمة تكاد الأيام تتجاوزها، وهي الوحدة العربية والتضامن العربي. وقد أبدى إعجابه بتصوير الشاعر لما يجري في الساحة العربية، والذي تمثل في البيت: (لكنّ الربيع الي ترك عقْدنا منثور/ نسى أنه يغيّر مع الوقت هندامه)، وبرأيه أن هذا التوصيف جميل، خاصة وأن الشاعر قسم الشعوب إلى فئتين (شعوبٍ على حقّ وشعوبٍ تُهيّج زور / وشعوب بقيادتها جسد صلبه عْظامه). معتبراً أن هذا وعي الشاعر بالمعنى وبالمعطيات التي طرحها، وكذلك بجمال الصورة الشعرية الموجودة في غير مكان من ذلك النص، وخاصة في المطلع، حيث بدأ بموضوع ذاتي، ثم وجدنا الشاعر يتوهج في الكلمة والصورة.

البيت (بدا اللفظ آشوري لنا أصل ما منكور/ عرب وان طروا التاريخ تتكلم أرقامه) أثار إعجابه د. غسان، والذي يدل على اختراع العرب الأرقام، فذهب الشاعر إلى ما أنجزته الأمة العربية في تاريخها، ليس على نطاقها الذاتي، إنما على نطاق واسع خدم العالم، ولولا تلك الأرقام والحروف التي كتبها العرب لما انتشرت الحضارة في كافة البلدان.

الناقد سلطان العميمي أشاد بحضور الشاعر، وبطريقة إلقائه التي تتسم بالإبداع، ما أضاف إلى النص جماليات أخرى، ورغم أن المقدمة مختصرة في ثلاثة أبيات، وبعدها تم الذهاب إلى موضوع الوطن، وحال الوطن العربي؛ إلا أن الريسي بنى نصاً مميزاً يؤكد وعي الشاعر وإدراكه للوحدة على الرغم من حداثة سنه، مشيراً إلى أن الجيل الشاب يعرف ما يدور حوله، وتلك الصور الواعية تبشر بالخير الذي يساهم في تحقيق السلام.

وبرأيه اعتمدت القصيدة على التصوير بشكل واضح، وذلك للخروج عن تقليدية الفكرة، فاستطاع الشاعر صناعة إبداع شعري يمنح للقصيدة تميزاً واضحاً.

كثيرة هي الأبيات التي أعجبت العميمي، من بينها المدخل (على مهرةٍ تصهل شعر والثرى ممطور/ تحب الطريق الوعر وتسابق أيامه) والبيت (رمى الحمل عن كتفه، جواهرْ، تبرْ، بلور/ شعوره يصبّ المسك من مبسم أقلامه)، وكذلك البيت (عُماني واذا قالوا عُماني وقف جمهور/ وشاف الفخرْ والمجدْ والطيب قدامه).

أما الجناس التام فقد أشار إليه العميمي في البيت (تحزّمْ وطن شبه الجزيرة رجالك سور/ وإذا أمسك حْزامه رخى إمسِك حزامه)، وختم العميمي بالقول: إن الشاعر أبدع حتى في أبيات المقدمة.

حمد السعيد بدأ من البيت (عُماني واذا قالوا عُماني وقف جمهور/ وشاف الفخرْ والمجدْ والطيب قدامه) وذلك كي يشير مباشرة بإعجابه بما قدم الريسي. وأضاف إن الشاعر مثّل عمان خير تمثيل، بما يملك من حضور جميل، وحس وطني عالٍ، وتدفق شعري، بدءاً من الأبيات الأولى، إلى حديث الشاعر عن هموم المواطن العربي، وحتى البيت الأخير، مثنياً السعيد على ما قدمه الريسي، وخاصة البيت (رقى ف أمتين الحق، ما خالف الدستور/ توحدْ ب صوت السلم ويْلام من لامه) الذي حمل دلالة رمزية جميلة، بالإضافة إلى البيت (ربينا على العزة)، والبيت (سرى من ورى رمل الصحاري وشاف النور/ تعلّم من خيوط العزمْ ينسج أحلامه)، والبيت (ربينا على العزهّ ولو يشتكي مكسور/ نكسّر سواعدنا لأجل نجبر أقدامه).

• المري.. نضج فكري ومباشرة

رعد الشمال يحنّ صوته له دويّ ** دوي صوته يفرح المستضعفين

تكاتف الأمة سلاحٍ معنوي ** الله يعز اسلامنا والمسلمين

سلمان عزم وحزم والقلب جروي ** أبو فهد جدّد مهابة الأولين

بهذه الأبيات بدأ الشاعر السعودي ومنشد الشلّات صالح آل كحلة المري حضوره على خشبة مسرح شاطئ الراحة، ثم انتقل إلى قصيدة المسابقة التي حملت عنوان (التطرف الفكري) وأشادت بها لجنة التحكيم، رغم الإشارة إلى المباشرة فيها، وقد قال المري في قصيدته:

يا منبر الشعر العظيم الله جمع فيك العظِام ** من منبع الفكر الزلال إلى مصب الأمنيات

لا زلت في ذروة سنام وكنت في ذروة سنام ** واللي صنعك يسطر التاريخ في حزم وثبات

جيتك مثل جية حشيمٍ ما يجي غير الحشام ** أحمل هموم أمّه وأفكر في الحياة وفي المممات

بداية قال سلطان العميمي للشاعر: إلقاؤك جميل، وموضوع القصيدة واضح يتحدث عن هموم العالم العربي، فوضعت يدك على جرح ما يزال طرياً نعاني منه جميعاً، ونحن في قلب الحدث، ونحمل هم إخواننا في جميع مناطق الصراعات التي نتمنى أن تنتهي في أقرب وقت ممكن، كما أشرت – والحديث موجه إلى الشاعر - إلى الجروح الأخرى التي تتمثل في التشدد والطائفية والإرهاب، كما أشرت بشكل مباشر إلى الحرب وإلى الوسطية، وأعتقد أن مثل هذه الموضوعات تحتاج أحياناً إلى المباشرة في الطرح.

فالمباشرة التي غلبت على القصيدة – كما قال العميمي – جعلت الشاعر يوظف إشارات واضحة لعبارات دينية وأدبية قديمة مثل (الباقيات، الصالحات، وسبعين عام)، وغيرها، ومع ذلك لم يخل النص من التصوير الشعري في عدد من أبياته، ومن أجمل الإشارات التي لفتت انتباه الناقد العميمي: (تحقن عبثها في جسد الأمة على حين انقسام/ حتى شكاها النيل والعاصي ودجلة والفرات)، وكذلك الشطر (الفكر ساحة حرب، والأقلام خيل مسرجات).

أشاد الناقد حمد السعيد بالنضج الفكري الذي يملكه الشاعر، وبالطرح المتميز للموضوع، والذي اتضح كثيراً في البيت (وعساه يسلم من نسور تكتسي ريش الحمام/ ويسلم من الرعيان لا لبسوا جلود الضاريات)، والبيت (جرثومةٍ تنشط مع الفوضى وتخمد بالسلام/ الناس لا بد تعرفها بالملامح والصفات). ثم تحدث حمد السعيد عن الطَّرْق الذي استخدمه الشاعر، وهو الحِدا الذي يتميز بجرسه الموسيقي.

الطرح الفكري الناضج كثيراً مكن الشاعر من تشخيص الواقع الذي نعيشه كما قال د. غسان الحسن، مشيراً إلى أن المحظور سيقع إذا لم يكن هناك فعل، وبالتالي جاء تشخيص أسباب ما نحن فيه دقيقاً، والذي تمثل في التحزب والتطرف والشتات، إلى جانب الفِرق التي تحرّف محكم التنزيل.

وما لاحظه د. الحسن أن الصورة الشعرية خفتت في القصيدة، ولم تأتِ سوى في بيتين أو ثلاثة، وهي التي ذكرها الناقدين السعيد والعميمي، إلى جانب البيت (إن ما حمينا الزرع ما نجني ثماره بالصرام/ السوس يُبتر قبل لا يلحق على عروق النبات)، في حين ركن الشاعر إلى الطرح الفكري والمنطقي السليم.

وذكر د. غسان أن النص حمل الكثير من الكنايات التي استُلت جميعها من الساحة، وقد تمثلت تلك الكنايات بالآتي: (ذروة سنام، يسطر التاريخ، كلام فصل، السيل، خذ وهات، الفتى سبعين عام)، وغير ذلك، وهي من ميراث الشعراء، ونصح الدكتور الشعراء بألا يركنوا إلى ما يلتقطوه من سواهم، إنما حثهم على إبداع العبارات والصور الشعرية، مع ضرورة الابتعاد عن العبارات المقولبة والكيشيهات.

• المعايطة.. نص عالي الجودة

مساكي طيب يا دار الفلاحي ** مساكِ الليله يشابه صباحي

صباحي مولد لشمسي ويومي ** وفي هذا المسا مولد نجاحي

أنا شاعر من ديار النشامى ** تميمي هامتي تأتي وشاحي

معي فرسان بالجزله تسلّح ** وأنا فارس وجزلاتي سِلاحي

تلك كانت أبيات دخول المسرح والتي ألقاها الشاعر الأردني صهيب المعايطة، وبعدها ألقى قصيدة (بترا وسيق) التي حازت على إعجاب أعضاء لجنة التحكيم، فقال:

هدّيت طيري مع طيور المطاليق ** رجل بدوي وأكتب مشاعر طليقه

ولظامي الجزلات أنا بلّة الرّيق ** قطفي زَهَر ذاب النّحـل في رحيقه

بالقاف لـي بتـرا يسوقه لها سيق ** وبخـزنتي دُرّ الحـروف العـريقه

حمد السعيد أشاد بحضور الشاعر الملقب بـ "طير نجد"، ثم أوضح أن طرَقْ المسحوب الذي استخدمه صهيب محبب لدى شعراء الأردن، وهو من الطواريق الجميلة جداً.

وقال السعيد: إن النص واضح في موضوعه، وجميل في مطلعه: (هدّيت طيري مع طيور المطاليق/ رجل بدوي وأكتب مشاعر طليقه)، غير أن الناقد لم يجد تفسيراً لانتقال الشاعر من الطير في البيت الأول إلى الزهر في البيت الثاني (ولظامي الجزلات أنا بلّة الرّيق/ قطفي زَهَر ذاب النّحـل في رحيقه)، وكأنه نسي الطير.

كما أوضح السعيد أن الشاعر أشار إلى زملائه في المسابقة بمفردة المطاليق، وهو ما يظهر تنافس الشعراء فيما بينهم بشكل رائع، فكل من كتب عن الشعر والمسابقة لم ينقصوا من قيمة إبداع الآخرين في نصوصهم الشعرية.

ولعل الصورة الشعرية التي أبهرت السعيد تمثلت في البيت: (خلّـى القـمم وعلومهـا للمخاليق/ يرسم علـى متن السّحـايب طريقه)، كما الأمر بالنسبة للختام (فرايدي من دون غاره سوابيق/ لا صـار غـاره مـا تفيـد العـليقه). ونوه السعيد في الختام إلى أن صهيب المعايطة شارك في "شاعر المليون" في السابق، واليوم يصل إلى شاطئ الراحة ليثبت أحقيته وجدارته بما وصل إليه.

د. غسان الحسن وجد في النص جماليات كثيرة، من بينها البيت (بالقاف لـي بتـرا يسوقه لها سيق/ وبخـزنتي دُرّ الحـروف العـريقه)، وهو بيت لم يصل ربما للناس بالصورة التي أرادها الشاعر، فالبتراء هي معلم أثري من زمن الأنباط، والوصول إليها يتطلب المرور بين الجبال، أي في السيق، أما الخزنة فهي أجمل معلم في المدينة الوردية الصخرة، واسمها "خزنة فرعون"، وتعتبر واحدة من معجزات الإنسان، وكأن الشاعر يريد القول: كما لدينا بتراء في الآثار، كذلك عندي معجزة شعرية، ومن خلال ذلك البيت البسيط يثبت الشاعر قدرته، أما إشارة الشاعر إلى أن صحراء الأردن جنة فهذا نابع من انتمائه لوطنه ولبيئته الخاصة، وبعد ذلك يمتد إلى تفاصيل الصورة، حيث (الولدان) وهي صورة مستلة من القرآن الكريم، ومن الجو العام للآية الكريمة في النعيم المقيم في جنة الخلد، كما أن النبيذ ليس مسكراً، لكنه يجعل الشاعر ومن يسمعه يثمل من جمال ما يطرحه، ومن معطيات الجنة كذلك (الحور).

وفي البيت الذي قال فيه الشاعر (عشـق الحـرار لرمّهـا والشّواهيق/ عشـق بْدوي شيحـان شيّال ضيقه)، فهو يقصد بـ(الرمه) وادي رم الواقع في جنوب الأردن، حيث الجبال لا تتدرج هناك، إنما تبدو وكأنها نبتت مثل (الشواهيق)، وكذلك (شيحان) تلك الجبال، وقد استعمل الشاعر كلمة (عبقر)، أي وادي عبقر، وهو مسكن الجن حسب الأسطورة، ومنهم يتم الحصول على الحقيقة.

وحين قال الشاعر (عبقر تابعي) أي إنه قائد عبقر، وهنا تكمن المفارقة، أما عندما قال (جن الشعر عبدي) فإنه الشاعر يوظف الجن عبداً له. وفي الختام أشار د. الحسن إلى أن النص عالي الجودة، وغاية في الثراء، ومثقف جداً، وفيه انتماء كبير للبيئة.

سلطان العميمي من جانبه قال إن القصيدة جميلة، وثمة رمزية كبيرة جداً في عدد كبير من أبياتها المتميزة، ما يجعلها متميزة من بين القصائد، كما تحمل القصيدة مفردات ثقافية تاريخية ودينية وأدبية، وفي عدد من أبياتها تصوير مدهش، مثل: (ولظامي الجزلات أنا بلّة الرّيق/ قطفي زَهَر ذاب النّحـل في رحيقه)، بالإضافة إلى خصوصية المكان والبيئة واللهجة الأردنية التي اتضحت في القصيدة ذات الخاتمة التي اعتبرها الناقد مسك النص.

• الظفيري.. طرْق صعب، قافية متميزة

جميل أن يتمثل الشعراء الواقع الذي يعيشونه، ويلامسوا الأحداث التي تعصف بالساحة، ليؤكدوا أنهم يمتلكون وعياً بوصفهم قياديين في المجتمع، فيثبتوا من خلال قصائدهم أنهم قادرين على توعية في الجمهور. هذا ما تقدم به د. غسان الحسن عندما سمع قصيدة الشاعر السعودي ظاهر خالد الملغومي الظفيري، والتي جاء فيها:

داري من اللي يحفظ ركونها ما خلت ** وأحيان وقع اللسان أشبه بوقع الحسام

والمُرّه اللي تغطى بالحلا ما حلت ** ليت العقول السقيمه ذاب فيها الكلام

ودي تعرف الشعوب إن الشعوب ابتلت ** مثل ما تبلى اللحى بأهل الجهل والظلام

ورأى د. غسان أن البيت الأول موفق جداً (داري من اللي يحفظ ركونها ما خلت: وأحيان وقع اللسان أشبه بوقع الحسام)، وكأن الشاعر يريد القول إنني مطمئن أن الحال سيكون جيداً جيد، وأن هناك من الرجال والخطط من سيحفظ الأمن، في حين ضم الشطر الثاني من البيت مقولة قديمة هي في الأصل (جرح اللسان أنكى من جرح السنان)، لكن الشاعر استعارها وتصرف بها، وبالشكل الذي يخدم النص حسبما يريد، وهذا مشروع، أما عبارة حبل الأمن في البيت (حبل الأمن من يدين الحكمه اليا فلت/ منين يلقى البنادم نوم حتى ينام؟)، فإنها تدل على صمام الأمان، والذي إن فلت فإن الحياة ستتدهور.

وقال د. الحسن في القصيدة ينبه الشاعر إلى وجود من يحاول العبث بالوطن، وتحديداً في البيت قبل الأخير (كم هقوةٍ بامننا هقوبها وفشلت/ حنا مخيبة هقوة من هقا بالزحام).

وقد وجد الناقد أن ترابطاً فكرياً يتسم به النص، إذ يعود للتأكيد على الفكرة في مكان آخر، ثم لإن في النص الكثير من الصور، ومن بينها البيت الأخير (ياللي عيونك على خرج الخليج شْتلت/ الخرج مافيه غير اللي يقصّ العظام)، والذي جاء بمثابة تحذير لمن يريد فعل شيء، وتنبيه اتخاذ الخطوات المناسبة للدفاع.

فيما قال سلطان العميمي إن النص مكتوب بحكبة شاعر، وبوعي كامل بالصياغات والصور والإدراك، وكذلك بالموضوع الذي يتحدث فيه، وتحديداً في البيت: (ودي تعرف الشعوب إن الشعوب ابتلت/ مثل ما تبلى اللحى بأهل الجهل والظلام)، فأصحاب اللحى هنا هم ظلاميو هذا العصر، وما أكثرهم. أما في البيت (حبل الأمن من يدين الحكمه اليا فلت)، والبيت (جتنا هواة التنافر وصْعدت ونزلت/ تطرب على دمعة المسلم وسب الامام) فهناك تصوير وإدراك للجوانب التي نعيشها وتشكل خطراً على مجتمعاتنا وأمننا.

ما ميز القصيدة برأي سلطان العميمي مطلعها وكذلك ختامها، فما اتبعه الشاعر كان مهماً لمنح القصيدة من أول بيت إلى آخره بيت ذلك الألق الذي توافر فيها، وهذا ما يجب أن يهتم به كل الشعراء، فالمطلع والخاتمة لا يقلان أهمية عن بقية الأبيات.

حمد السعيد بدأ من العيارة (ودي تعرف)، مؤكداً أن الأمة ابتليت فعلاً بالمتطرفين فكرياً من أصحاب اللحى، وبالتالي جميل من الشاعر وهو في سن الشباب امتلاك نضج فكري ووعي يحارب من خلاله فكر المتطرفين الذين يقودون بعض الشباب إلى الهاوية، لذلك لا بد من فكر يواجه التطرف، كالوسطية التي شدد عليها صالح آل كحلة. وفيما يتعلق بالقافية فقد قال السعيد إنها صعبة حقيقة، وثمة شعراء يختارون الطّرق والقافية قبل بدء القصيدة، أما الظفيري فقد أكد أنه شاعر بحق.

• الشملاني.. نص محيّر وشاعر مبدع

كان الختام مسك مع الشاعر السعودي عبدالرحمن الشملاني المالكي الذي قال في المدخل:

أنا ما قول إنت مسرح عادي أو بوابة إعلام ** يا شاطي الراحه إنته خِلّ في حضرةْ خليله

أقبلْت أقول الوعٓد عندي ما قول الوعْد قدّام ** وأقبل معي هاجس الطائف يغنّي كل ليله

جنوبي وداري إنّ أهل الجنوب دروع وحْزام ** وأنا هنا واقف أمثّل وطن وأخدم قبيله

وبعدها ألقى قصيدة المسابقة التي حيرت د. غسان الحسن، وعدّ الشاعر أبيات قصيدته التي جاء فيها:

خيِّط عيون البُكا وش يعني إنت مْفارق حْباب ** العام جدّك توفّى فوق صدرك وإنت عـادي

ما ذابت عْيونك اللي من تَحَتـْها جمْر الأهداب ** في وقت كان الفراق فْـراق ما هوب اعتيادي

سافر به الموت والموت الأخير غْيابه غْياب ** ما بعده إلا الحنين اللي تمركز في فؤادي

يا صاحبي لو لصمتك ناب ولْكلمتْك مخلاب ** اخْتار واحد من الجرحين لو قلبك حيادي

الناقد سلطان العميمي كان أول ناقد من بين أعضاء لجنة التحكيم يبدي رأيه بقصيدة الشملاني، حيث أشاد بحضور الشاعر، وبفكرة القصيدة وموضوعها، وبكل ما فيها من حزن ورومانسية وشعر، وما لفته أن أفكار القصيدة تتمحور حول الغياب الذي لم يتطور كثيراً إلا في أبيات قليلة، أي بدءاً من البيت (يا صاحبي لو لصمتك ناب ولْكلمتْك مخلاب/ اخْتار واحد من الجرحين لو قلبك حيادي)، ثم عاد الشاعر إلى الغياب من خلال البيت (إن كان ما طاب جرحي منّك أصلاً خاطري طاب/ وعشان أراضيك وأرضى عنْك قررت ابتعادي)، والذي يمكن أن يصلح كمطلع، فلا يؤدي إلى خلل في بناء القصيدة، وهذا أسلوب يمكن أن يكتب به الشاعر. ومن ناحية ثانية أشار العميمي إلى أن الكثير من الأبيات تصلح مقدمة مثل: (أهزّ غصن الوصِل يتساقطون الناس غيّاب/ إلين صار الوصِل ما عاد هو غاية مرادي). غير أن ذلك لا يلغي جمالية التصوير، واعتبر أن البيت (لا تنفخ الروح في رحْم العتاب ويولد عتاب/ يمكن يكون الفراق أحيان أخٓير من التمادي) من الأبيات المتميزة وجميلة، والتي تثبت أن الشاعر مبدع.

حمد السعيد قال إن الشملاني شاعر استثنائي، سواء من حيث اختياره المطل، أو من ناحية الطرق الذي استخدمه، فالبيت الأول (خيِّط عيون البُكا وش يعني إنت مْفارق حْباب/ العام جدّك توفّى فوق صدرك وإنت عـادي) يدل على حس الشاعر العالي، وعلى التجربة، وعلى الإبداع حتى في الخيال، وإلى جانب البيت السابق أشار السعيد إلى بيت آخر، وهو: (كان امتدادك من أقصى الغيره اللي مالها أسباب/ وانا من أقصى الوفا يا غايبي كان امتدادي)، وسواه من الأبيات اللافتة، والتي تثبت مقدرة الشاعر على الإبداع.

من جهته اعتبر د. غسان أن النص في غاية الغرابة من ناحية البناء، حيث تداول الشاعر الكلمات بشكل احترافي، وعرف أين يضعها، لكنه يعترف أنه احتار في النص، لأن (الغياب والفراق، والوصل والعتاب)، وكذلك تكرار مفردات مثل (الصبح، الوصل، العشق والعشاق) في بيت واحد.

وأوضح د. غسان أن حيرته سببها تكرار الشاعر بعض المفردات، فالتكرار عادة يعتبر عيباً، لكن الشاعر الشملاني يبدو أنه يعرف ما يريد، وبالتالي فإن هذا النص الأدبي يحتمل الكثير من الآراء.

وفيما يتعلق بمفردة (الفراق)، فهي تدل على الجد المتوفى، وبالتالي هو فراق قطعي، ثم عاد الشاعر إلى الدلالة على الفراق في أواخر القصيدة، لكنه لم يعده مصيبة بل هو أمر (عادي)، أما البيت الأخير فقد تمثلت فيه لعبة التناقضات، حيث فيه مقابلة، أي طباق لغوي، لكنه جميل وواضح رغم التناقض، ومجمل قول د. غسان أن النص جميل وملفت، وتلك الملاحظات التي قدمها د. غسان تعني أن الشاعر الشملاني محنك في استخدام الكلمات لخدمة المعاني التي يريدها.

• في الحلقة القادمة

وخلال الحلقة قدم المنشد حامد الفلاحي، أناشيد حول الشيخ زايد رحمه الله وإنجازاته، والقصيدة التي أنشدها الفلاحي تأليف الشاعر سيف السهلي.

وفي الحلقة القادمة سنضم ثمانية شعراء إلى المنافسة: بدر نايف الكبيح/ الكويت، حامد الحويطي/ الأردرن، زينب البلوشي/ الإمارت، سامي العرفج، ومحمد بن هضيب، ومسلط بن سعيدان/ السعودية، ناصر الشفيري/ اليمن، ويونس العيد/ البحرين .