فنَّانان مُغيَّبان

بقلم: زياد العيساوي
حكايتان

الحكاية الأولى جرت في حوارٍ فنيٍّ مع فنانٍ ليبيٍّ مشهورٍ، كانت النَّاس تترقبه في أحدِ برامج المرئية المُباشِِرةِ، فبعد أنْ قدَّم وصلته الفنية الأولى، التي تغنى فيها ببعض أغنياتِه القديمةِ، التي لاقت استحسانَ الحضورِ من الشُّبانِ والولدانِ، الذين لم يتسنَ لهم رؤيتها قبلاَ، على شاشتِهم المحليةِ، جاء بعد ذلك، ليجلسَ إلى جانبِ الإذاعي المُحنكِ، كي يتلقفَ أسئلتَه؛ فما كان من الأخير، إلا أنْ استأذنَ منه، ليتابعَ معه والحضور أيضاً مشهدا تمثيلياً من محفوظاتِ الإذاعةِ الخالدةِ، اشترك في تأديته، كُلٌٌّ من (قزقيزة وسُمعة). فماذا كان في هذا المشهد يا ترى؟
كان (سُمعة) يعزف على آلة (الأكورديون) فدخل عليه (قزقيزة) مُتجهـِماً ومُبدِياً استيائه، بنهره ًإياه: كيف تسمح لنفسك بأنْ تكونَ مستلب الهوية، عندما تعزف على هذه الآلة الغربية والغريبة عن فنِّنا الأصيل؟
بالطبع كان الحوار بالعامية الصحيحة، وحاولت نقله إليكم بالعربية الفصيحة؛ ولعلّكم قد لاحظتم، أنَّ زمن المشهد كان قصيراً جداً، لكنه كان وما يزالُ ينمُّ عن فكر فني منغلق، حد الانكفاء على النفس، وعن أمورٍ أخرى، سنتعرف عليها فيما بعد.
وعلى الفور بعد أنْ عادت الصورة إلى العدسة الرئيسة، ظهر الإذاعي مبتسماً، ومن دون أدنى حياءٍ، وجه إلى ضيفه السؤال الآتي: ها ما رأيُّ فناننا العزيز، فيما شاهدنا منذ لحظات؟
بدا ليّ الفنَّانُ متجهماً، من مغزى السؤال، لكأنه أحسّ بأنه قد أُستقبِل في هذه الحلقة لمجرد إهانته هو وجمهوره، وليس للاحتفاء بأعماله، فلو كان المسكين قد تفرج على الحلقات السابقة، لكان قد ردّ على سؤاله، بسؤالٍ آخر: وماذا عن الأغاني الشعبية، التي تقدمها من خلال برنامجك، وبخاصة منها (المرسكاوية) التي تُعدّ فيها هذه الآلة العمود الفقري في هذا الغناء الأصيل (على حد قول المضيف) الذي يدعو إلى التشبث به؟
لكني ربما أكون من خلال هذه الصحيفة، قد وجهت السؤال نيابةً عنه مكتوباً؛ ثم لماذا نذهب بعيداً، أليست مقدمة البرنامج الموسيقية، عبارة عن رقص لبعض فتياتنا على وقع أنغام موسيقى (الراب)؟
الحكاية الثانية
في السنة صفر من عقد التسعينيات من القرن المنصرم، وفي إحدى حلقات برنامج (أطيب الأوقات) الذي كان يُذاعُ مباشرةً، وبواقع حلقة أسبوعية كل يوم جمعة، أعلنت الإذاعية على الملء، بأنَّ أسرة البرنامج، ستقوم في الأسبوع القادم، نزولاً عند رغبة المشاهدين، بتقديم لقاءٍ فنيٍّ مع الفنَّان المحبوب ( ...... ) تمَّ تسجيله في وقتٍ ماضٍ، ومصداقاً لذلك، عرضت بعض اللقطات المُصوَّرةِ من هذا اللقاء الْمنشود؛ وبعد أن مضى أسبوعٍ بأكمله، وجاء مساء يوم الجمعة، لم نتابع اللقاء، ليس هذا ما جرى وكفى، بل أن البرنامج، انتهى عند هذا الإعلان، وتوقف عن الإذاعة أكثر من عشرة أعوام متتالية.
من خلال هاتين القصتين الواقعيتين والمؤلمتين، ننتهي إلى أن هناك من الحرس الفنّي القديم، من يحاول (أدّلجة الغناء) وفق منظوره السطحي، بتقديم ما يراه مناسباً من الغناء، وتغييب ما لا يرتضيه، ولو كانت الناس راضيةً عنه، بدليل أنَّ ما جرى في الحكاية الثانية، كان بعد أنْ علِم الجمهور بالنجاح الذي حقّقه الفنَّان ( ...... ) في القاهرة، وبعد إصداره لشريطه الأول فيها آنذاك، والذي حظي باهتمام الناقد الراحل الكبير كمال النجمي، وكان من أهم الشعراء الذين تعاون معهم فيه مجدي نجيب كاتب رائعة "كامل الأوصاف" التي تغنى بها الراحل عبدالحليم حافظ ولحنها الموسيقار الراحل محمد الموجي، وأغنيتي "غاب القمر" و"قولوا لعين الشمس ما تحماشي" اللتين أدتهما الفنانة شادية.
هذا الفنان، الذي كان يُفترضُ بأن يُجرى معه الحوار، ليتعرف الجمهور على تجربته الرائعة، بل بالأحرى، أنْ يُقدَّمَ لأنه كان مُسجلاً وجاهزاً للعرض أصلاً، لولا أن تدخلت بعض الأيادي، وحالت دون ذلك، بعضُ الأمور الغريبة، التي أدّت إلى توقيف البرنامج أساساً، والمفعول لأجله هنا (انتقاماً من هذا البرنامج).
لا أريد أن أطيل أكثر من ذلك، لكني سأجيب عن سؤال ثانٍ، كان الإذاعي الذي جئت على ذكره في الحكاية الأولى، قد وجهه إلى ضيفه، وهوَّ: لماذا لا نرى الأغنية الليبية، تذاع في القنوات العربية؟
وكم تمنيت أن أكون من بين الحضور في تلك الحلقة، لأرعد في وجهه بدلاً من الإنسان الفنان الذي كان يستضيفه، بقولي "بسبب مثل هذه الخروقات التي ترتكب في إذاعتنا."
أما أنتم أعزائي القراء، فأظنني بكم تتساءلون: ومن هما الفنانان اللذان كانا ضحيتين في هاتين الحكايتين؟
أجيبكم بأن الأول هو ناصر المزداوي، مع مذيعٍ تعرفونه جيداً، أما الثاني، فحاولوا معرفته بأنفسكم، ولكني سأذكر لكم اسم الإذاعية، التي أجرت معه اللقاء غير المُذاع، فهي المبدعة الغائبة فاطمة الشكري.
فهيا حاولوا أنْ تعرفوه. زياد العيساوي – ليبيا ـ 26 / 11 / 2007 Ziad_z_73@yahoo.com