'فندق السلام' .. استنهاض لدور الشهداء والأموات في الزمن الصعب

يلوك الهم ثانية بين أسنانه من جراء الطغاة

المآخذ كثيرة ومخزية، تلك التي خلفها المنتفضون من ثوار رفحاء، وخاصة من الذين تسيدوا المشهد السياسي بعد العام 2003، والتي تعتري صدري وتثير الكثير من علامات الاستفهام وتشكل هما ًعلى قلبي، نتيجة السلبيات الكثيرة والخطيرة التي مورست من قبل حكام العراق الجدد، والتي شكلت لي صدمة كبيرة لما حدث في العراق.

خاصة بعد أن تولي أغلبية رجال الإنتفاضة الحكم في العراق، وأنا هنا لست بصدد مناقشة الواقع العراقي المخزي الجديد، والذي قلل من شأن هذه الإنتفاضة العظيمة، التي راح الكثير من أبنائنا الشرفاء الذين قاتلوا ببسالة للتخلص من الأشرار والطغاة ومنهم البعثيون.

"رتل عسكري كبير يتقدم باتجاه النجف" ص 115.

ولكن يجب القول فيما سمعناه وشاهدناه عن الإنتفاضة المباركة، والمعروفة لدى الكثير من العراقيين، والتي حدثت في العراق في عام 1991، والتي أرعبت البعثيين ومنهم الدكتاتور "صدام حسين".

تلك المقدمات التي تخص الرواية التي تحمل العنوان "فندق السلام" وهي من القطع المتوسط وتقع في 416 صفحة، صادرة من المؤسسة العربية للدراسات والنشر.

"قال حسن: إن المحكومين بالإعدام هنا بالمئات، وكلهم من الوسط والجنوب، وأكثرهم متهمون بتهم سياسية أو تنظيمات حزبية" ص143.

ولو رجعنا قليلاً إلى الوراء نجد المسار التاريخي الذي سار عليه "الحسناوي" يهدف إلى تصوير عهد من العهود التي مضت، أو حدث من الأحداث الضخام مبني على معطيات التاريخ من غير تقيد بها أو التزام لها في كثير من الأحيان، أكرر ذلك كثيراُ لأنني مستاء كثيراً من الذين قادوا الحكم بعد سقوط النظام عام 2003، ومنهم الكثير من رجال رفحاء الذين أساءوا إلى الشعب العراقي، ومنهم المحافظ الأسبق في محافظة النجف وغيره، وحتى توثق المعلومة إلى الأجيال اللاحقة، ونحن من يثبتها للتاريخ كي نكون شهود عصرنا.

والمحافظ وأمثاله مارسوا نفس الدور المهين، مع توليهم السلطة في العراق الجديد مع أبناء شعبنا، وقد نشهد في المستقبل من سيكـتب رواية ستتناول مجمل الاحداث أو لنقل ستؤرخ لأحداث ما بعد 2003 وبالتأكيد ستحمل مادة غنية بالاحداث، رواية تطيح بهذه الشلة التي تلاعبت بمقدرات هذا الشعب العظيم، والدليل واضح فما نمر به من أزمات تصنعها الطغاة، هي نتاج أكثر من عقد على ممارسات وسلوكيات في غاية السوء.

وشخوص الرواية التي انطلق منها الحسناوي كانت واضحة ومعلنة، ومعروفة لدى القاصي والداني، وهو يقول لنا جميعاً وبتحدٍ واضح، هذه الشخوص ترتبط بداخلي إيجابياً ولا أريدها تتعرض للذوبان، وهم شخوص واقعية عاشت الأحداث بكل تفاصيلها، وكأننا أمام كاميرا دقيقة تلتقط جميع تفاصيل الحدث لتكشف سلوك هذه الشخوص، وهو مخرج بارع يحرك شخوصه بحرفة ودراية، وكأنه يقول لنا هؤلاء من أفتخر بهم، ولا بد لأمتنا أن تفتخر بهؤلاء.

وهذه الشخوص المتحركة وغير الجامدة، وعبر منولوجات داخلية تظهر هذا الكم الكبير من الغليان لما حدث لأبناء شعبنا العراقي، ومنها شخصية "علي" الحالمة والثائرة ضد كل إشكاليات الفساد والعنف والموت، وهي تمس دواخلنا التي كنا نحلم بها، وكانت أعمارنا قريبة من عُمر "علي" وحبيباتنا تشبه حيبية البطل "علي" في رواية "فندق السلام".

"بعدما أخذتنا الحروب الكارثية.. أه .. لو أستطيع ضمًها إلى صدري لأروي ظمئي" ص11.

والرواية تحكي قصة البطولة والوفاء في أروع صورها، وهي لمحات من تاريخ السيرة العطرة لكل الثائرين الذين دافعوا عن مدنهم وبلدهم، يقول الحسناوي: "ولكن هذا ما استطعنا الحصول عليه خلال جولاتنا ليكون وثيقة إدانة لممارسات النظام ضدً شعبنا" ص10.

الرواية تمتلك لغة شاعرية لأن كاتبها شاعر وقاص، وهو يغوص في التفاصيل الصغيرة لكل شخصياته التي تمتلك من الهموم الإنسانية الكثير، فإن الحكي الروائي يحقق المطالب الإنسانية في المتعة والمعرفة معاً: "وعلي لم يصدق نفسه، وكأن الدنيا أمام عينيه مع ظلمة الليل الداكن روابي خضراء".

وهي تحكي قصص البطولة والوفاء في أروع صورها للكثير من الذين استشهدوا أو الذين ظلوا أحياءً، وهي بالتالي درسا ًمن دروس التحدي والمواجهة الساخنة التي دارت رحاها في محافظات الجنوب والوسط، ومنها محافظة النجف الأشرف، والروائي يظهر لنا رموزا ً تضيء لنا درب الجهاد الشائك والصعب، وشخصية "علي" العاشق لحبيبته "إيمان" ولمحافظته النجف التي حملها في قلبه وعقله.

قال زهير: "تعجبني شخصية علي، إنًه مصمم على تعرية الطغاة، وتحشيد الناس ضد الحكومة، ويقول على رجال الانتفاضة أن يستمروا في توعية الناس للثورة وإسقاط النظام لكي لا تذهب دماء الشهداء سدى!" ص294.

وانطلاقاً من مخيلته الأدبية لكونه صاحب تجارب في كتابة السرد القصصي وله تجربة في ذلك، فإن مخيلته الأدبية أرادت ان تسقط كل محاولات الزيف والحقد، فهي محاولة لتغيير الواقع العراقي نحو الأفضل، وكذلك هي مواجهة جذرية لأساليب القمع.

يقول في الإهداء "إلى كل مَن ظلًت روحه ُترفرفُ في سماء العراق ِ ظامئةٌ لأهلهِ ونسائمه ِوترابه ِإلى أرواح شهدائنا الأبرار" ص5.

ويبدو أن الحسناوي أحب شخوصه بإخلاص، لذا فقد اهتم ببنائها وفق مواصفات معينة، وهو يحاول ان يتخذ من الكتابة ملاذا له للتعبير عن حقبة بعينها، هذا أقل ما يفعله لخدمة هؤلاء الذين ظلوا يتعايشون معه، وهو يراعي الخصوصية التعبيرية الجمالية، ويعمل بكل جد لتأكيد طبيعة البناء الروائي، ودرجة تفاعل القارئ معها، بعد مرور أكثر من 20 سنة على مرور أحداث الإنتفاضة الشعبانية.

وظل السارد الحسناوي هذا المتأمل لسرد الأحداث يدون ما سمعه وما شاهده، وتجلى المكان بوصفه أحد أبطال الرواية، أو ما حصل عليه من وثائق تدعم هذه الرواية المهمة التي توثق أهم مرحلة من مراحل تاريخ العراق المعاصر.

يقول عنه الناقد الكبير علي الفواز: تضع رواية "فندق السلام" الوثيقة التاريخية أمام القراءة، وأمام شهادة فاضحة لرعب السلطة، والخفايا أحداث ظلًت ضمن النصوص السرية للمقموع والمسكوت عنه، مثلما تضعنا إزاء يوميات مدينة تفكر بنصوصها المضادة، وتفكر بأرواح أبطالها الذين استنطقوا الواقع" ص7.

ولهذا عمل الروائي والقاص الحسناوي، ومن خلال ضبط إيقاع الزمان والمكان وتعالقهما الزمانكي "الكرونوتوبي" بتعبير باختين لأننا لم نجد أي ترهل منذُ ُدخولنا في بنيته السردية التي عمل عليها، والتي انطلق منها وهو مهتم برسم حبكته وانسيابيتها المقترنة بحركة الحدث والشخصيات المتعددة القصصية والتي تقضي إلى ضخ حمولات معرفية ودلالالية، كي تسهم في توصيل مفرداته التي عمل عليها في تعزيز وإشباع الحدث، وهذا ما أكده ُالأديب جاسم عاصي حيث يقول عنه: "في هذه الرواية حاول الكاتب أن يكون متوازن الموقع، بين أن يكون النص أميناً للتاريخ وبين أن تكون للنص علاقة بنيوية تخص فن الرواية، وحصل هذا بما وفره الكاتب من تحقيق وحدات، منها الكيفية التي تعامل من خلالها الزمان والمكان من جهة" ص 8.

وبالتالي اشتغالات الروائي الحسناوي في هذه الرواية مدروسة دراسة عميقة وهو يضع خلاصة تجربة مرة من أهالي محافظات الجنوب والوسط بين الحديد والنار والعوز هدر الكرامة، ونجح في خلق أطر مهمة في عالم الرواية منها فنية وجمالية من خلالها عمل على تكثيف الواقع واختزاله.

"وترتفع مع شقشقات العصافير ضحكات الروح التي أوهنها البعد وأدماها الأسى، متى أيتها الغربة نطوي صفحات خريفك التي أسقطت الأوراق والزهور على سواقي السعادة".

إذن هو يلوك الهم ثانية بين أسنانه من جراء الطغاة.