فليسار: على الأديب أن يخرج إلى العالم بمغناطيس قوته الإبداعية

احتفالية ثقافية

الإسكندرية – أعرب الأديب السلوفينى إيفالد فليسار رئيس اتحاد كتاب سلوفينيا السابق، عن سعادته بوجوده في مكتبة الإسكندرية ضمن كوكبة من كتاب وأدباء الإسكندرية، الذين يضمهم مختبر السرديات بالمكتبة، مضيفاً أنه سعد بالجولة التي قام بها داخل أروقة مكتبة الإسكندرية والتي بهرته بهذه المؤسسة العملاقة وبمحتوياتها الهامة التي يجب على كل باحث وكاتب أن يطلع عليها ويستكشفها، موضحاً أنه سعد أيضا بتجربة مختبر السرديات التي ترعاها المكتبة، وبما قدمه أعضاء المختبر من قراءات هائلة لأعماله الأدبية المترجمة للعربية.
جاء هذا خلال اللقاء الذي نظمه مختبر السرديات بمكتبة الإسكندرية مساء الثلاثاء أول يونيو/حزيران الجاري مع الكاتب السلوفينى إيفالد فليسار، حيث تم إعداد ملف عن فليسار باللغتين العربية والإنجليزية يتناول رحلته الأدبية ودراسات عن أعماله المسرحية والقصصية قدمها الدكتور أبو الحسن سلام والدكتور زين عبدالهادى وأعضاء المختبر، بالإضافة إلى عرض باور بوينت لصور من حياة وأعمال فليسار علق عليها بنفسه.
في البداية تحدث الأديب منير عتيبة المشرف على المختبر، عن سلوفينيا كدولة من دول وسط أوروبا وعاصمتها "لوبيانا"، وأهم مدنها "بلد" ذات القلعة الأثرية الشهيرة، و"ماريبور" التي تفتخر بمسرحها العريق، مشيرا إلى أننا نجد في الثقافة السلوفينية تأثرا كبيرا بالعنصر الجرماني، وقد لعب الأدب السلوفينى في مرحلة ما قبل الاستقلال دورا مهما حيث يعتبر بعض المراقبين أن اتحاد الكتاب كان مقر الحركة المنادية بالاستقلال والمهد الذي أدى إلى ولادة جمهورية سلوفينيا،
ونلاحظ من الترجمات القليلة التي تناولت الأدب السلوفينى باللغة العربية تنوع المدارس الأدبية كالواقعية السحرية، الواقعية الخشنة، الرمزية، التاريخية، الحداثية، والتركيز على الهم الإنسانى العام، الوحدة القاتلة التي يعانيها الفرد.
أما فليسار فقد شغل منصب رئيس اتحاد الكتاب السلوفينيين في الفترة من عام 1995 إلى عام 2002، ونجح في الحفاظ على وحدة الاتحاد من خلال إبعاد السياسة من جدول أعماله وإعادة تنظيمه بهدف الاهتمام بحقوق المؤلف والترويج للأدب في الداخل والخارج وإنشاء شراكات مع المنظمات المماثلة في البلدان الأخرى.
ولد فليسار عام 1944، وهو مؤلف مسرحي وروائي وكاتب سيناريو وقاص وناقد أدبي، ورئيس تحرير مجلة "سدوبنوس" التي تعد أقدم مجلة أدبية في أوروبا. وترجمت أعماله إلى العديد من اللغات من ضمنها العربية والإنجليزية والألمانية والفرنسية والفنلندية والروسية والصينية والهندية والتشيكية والكرواتية وغيرها. وقدمت أعماله المسرحية في مصر وبريطانيا وسلوفينيا وكرواتيا والولايات المتحدة والعديد من الدول الأخرى، وقد حصل على العديد من الجوائز في مجالات مختلفة.
وفي كلمته إلى مثقفي الإسكندرية تحدث فليسار عن دور الأدب ومشاكل الأديب في عالم متغير بسرعة شديدة، مؤكدا على أن وظيفة الأدب تكمن في كونه وعاء يحفظ معنى الحياة، وملجأ حيث - كما يراه جون بيرجر- الأكثر هشاشة ومع ذلك حقائق الإنسانية الهامة تم إنقاذها من النسيان. إن أي عمل أدبي جميل هو خلاص المعنى من الفضاء غير المحدود للوقت، إن الحقيقة هي جوهر التخيل، لذا فإنني أؤمن أن الكاتب اليوم لديه دور واضح للغاية وهو توصيل الحقيقة لقرائه.
وأضاف فليسار: إنني لا أتحدث عن الحقيقة المجردة والإحصاءات والتحليلات، بل الحقيقة كفهم، كإدراك للطبيعة المتعذر تفسيرها لوجودنا. إن وظيفة الكاتب - وأقولها دون أي خجل - هي أن يربطنا بألم الإنسان الرئيسي في هذا الكون، يتعين على الأديب أن يخرج إلى العالم بمغناطيس قوته الإبداعية وأن يستخرج من الأماكن المظلمة الأشياء الدقيقة المنسية، والتي لم نعد نبحث عنها لقلة الوقت رغم أننا نفتقدها.
وفي دراسته عن مسرحية فليسار "أنتيجون في عصر العولمة" تحدث د. أبو الحسن سلام تحت عنوان "المعارضات المسرحية في عصر العولمة.. أنتيجون نموذجا" موضحا أن المعارضة الأدبية عرفت منذ قديم الزمان، بخاصة في مجال الشعر وفي مجال الملاحم، كما عرفت في مجال المسرح، ففي المسرح تجسدت المعارضة المسرحية، قبل تجسيدها في فن الشعر بزمان، كما نشأ التناص، باستلهام الشاعر الكوميدي اليوناني الشهير أريستوفانيس لـ "محاورات فيدون" لأفلاطون، بمسرحيته المعروفة بـ "الضفادع"، والأمر نفسه ماثل في معارضات كل من "بريخت "، "جان كوكتو"، و"جان أنوي"، وأخيرا الكاتب السلوفيني "إيفالد فليسار" الذي قدم لنا "أنتيجون .. في عصر العولمة" معبرا عن وجهة نظر تفككية للنسق اليوناني وللخطاب القديم الذي أراده سوفوكليس، بما يعكس روح عصرنا الآني، ممسكا باللحظة التاريخية التي تعيشها شعوب العالم في ظل عسكرة العولمة التي تتزعمها الولايات المتحدة الأميريكية؛ بما شرعت بفرضه على الشعوب، بدءا بتسلل نمطها الثقافي، إلى معاقل ثقافات شعوب عريقة، ذات حضارات عريقة؛ بقطع الطريق على مسيرتها التنموية، ومخططاتها القومية، في محاولات قهرية مستميتة لحرفها عن طريقها التنموي الوطني والانزلاق بها نحو طريق التبعية السياسية والاقتصادية الكاملة، بالتلميح بشعارات براقة خادعة بأن العولمة ستحقق لتلك الشعوب كل آمالها في التنمية والرفاهة، وتعطيها كل شيء؛ لتكتشف تلك الشعوب التي هرولت أنظمتها الحاكمة خلف شعارات الهيمنة تلك أنها وقعت في مصيدة التبعية الكاملة وقيدت بقيود اقتصاديات العولمة العسكرتارية التي لا فكاك منها تحت تهديد السلاح، وبذلك تعود الشعوب التي تحررت من قيود الاستعمار القديم البغيض بتضحيات جسام دفعها الأجداد والآباء، لترسف في أغلال كل صنوف التبعية تحت وطأة أشكال متعددة من ابتكار أحفاد الرأسمالية الاستعمارية القديمة والرأسمالية الامبريالية الجديدة المتعدية للجنسيات والنافية للحدود وللهويات الوطنية والقومية؛ دون أن تحصل تلك الدول على أي شيء، في مقابل خسارتها لكل شيء: (الأرض، والأسواق ووسائل الإنتاج، والهوية الثقافية والتراثية، والأعراض والأرواح والأنفس).
وأضاف د. سلام أن هذا هو خطاب مسرحية "أنتيجون في عصر العولمة" للكاتب المسرحي السلوفيني إيفالد فليسار، وهي كما رأينا تعكس روح الكاتب وروح عصرنا، وتعري عولمة العسكرتارية الأميركية، وتفضح ممارساتها، ليس في بلده وحدها، بل في كل البلاد التي لها مثل ظروف بلاده، كبلادنا، وبلاد كثيرة غيرها في كل أرجاء العالم، بذل فيها الآباء أرواحهم في سبيل تحريرها من الاستعمار القديم؛ فجاء الاستعمار المعاصر، متوجا بما ملكت يداه من وسائل المعرفة، ومخزونه المعرفي، المتوالد أبدا، ليستعبد العاجزين عن الإنتاج المعرفي، القابعين تحت شجرة المعرفة التوراتية المتوارثة، عن حكاية بدء الخليقة والخطيئة التي أدت إلى هبوط آدم وحواء.
وفي دراسته "ما بين أنتيجون وحكايات التجوال لإيفالد فليسار" أشار د. زين عبدالهادى إلى أن مجموعة "حكايات التجوال" لفليسار كتبت من خلال مفهوم الانتماء للإنسانية، وليس انتماء شوفينيا من جانب الكاتب لأوروبيته، أو سلوفينيته، وانما هو إنسان ينتقل من مكان لآخر، من مشاهد مرسومة بعناية، لفوضى العالم حين يواجه المرء مشهدا جديدا يتخلل خلايا دمه وتبدأ قياساته القديمة تتلاشى، فالكاتب صاحب مبدأ إنساني قلما نجد مثيله في اتهامه للحضارة الغربية التي سرقت دول العالم الثالث ولا يبقى سوى الفتات – باسم الإنسانية الذي تم اغتياله – الفتات لتقدمه لتلك الأمم الجائعة البكماء الصماء الجاهلة، هذا هو مصير الديمقراطية الإنسانية والرأسمالية الإنسانية في النهاية.
وفي مداخلته حول مجموعة حكايات التجوال أشار الأديب سعيد سالم إلى أن عنوان المجموعة يشير إلى أن قصصها تنتمى بالدرجة الأولى الى أدب الرحلات. وما اعتدناه عن أدب الرحلات أنه يقدم لنا معادلة فنية شائقة تجمع بين المكان والإنسان، ورغم أن المكان هو العنصر الجوهرى باعتباره جديد على القارىء، ولم يعرف أسراره في أغلب الأحوال سوى الكاتب الذى خاض الرحلة بنفسه فكتب عنها، إلا أن غياب العنصر الإنسانى سيجعل من قصص الرحلات مجرد حصة جغرافيا لا تعنى سوى بالمكان، وفليسار يبدو متمرسا بكتابة هذا النوع من القصص، غير أنه أعطى الإنسان القدر الأكبر من اهتمامه على حساب المكان، بحيث شدنا بقوة الى أعماق النفس البشرية وجعلنا لا نهتم كثيرا بالمكان الذي لم يهتم به كثيرا هو الآخر إلا فيما ندر. وهذا لا يحسب له أو عليه، فلكل كاتب معادلته الخاصة في المعالجة الفنية.
أما د. عبدالباري خطاب فقد قدم قراءة مغايرة للمجموعة من خلال مداخلته التي أشار فيها إلى أن الكاتب يداعب ويدغدغ الذات الأوروبية المتعالية على جميع خلق الله، صحيح أنه لم يصرح، لكنه المحذوف السردي في أغلب الحكايات، وكذلك ضعف الحبكة الدرامية خاصة في المشاهد الجنسية التي أخذت مساحة كبيرة من حكايات التجوال، وفي أغلب الأحوال مشاهد مفتعلة.
لكن الأديبة هناء عبدالهادى تحدثت بحماس عن مجموعة "حكايات التجوال" مشيرة إلى أن الخط العام للمجموعة القصصية هو ثالوث موضوع لدي فليسار وهو السفر والناس والأماكن وقصص الكاتب حولها وتنوعها وعلى العموم وصف الكاتب لوسائل الانتقال والمواصلات مع اختلاف الدول، نقل لنا حضارة كل دولة ببساطة ويسر حتي أني شعرت بألم عظامه وضجرها من صفارة القطار ورأيت السفينة والأمواج العالية ووحشة البحر كل هذا من خلال السرد.
وردا على سؤال من الأديب رمزى بهي الدين حول رأى فليسار في إطلاق إسرائيل النار على أسطول الحرية الذي يحمل مساعدات للفلسطينين الذين تحاصرهم إسرائيل في غزة. أكد فليسار رفضه التام لما يحدث مؤكدا أن إسرائيل كيان إرهابي تدعمه أميركا بصمتها الدائم وأوروبا بمواقفها الضعيفة.
وأكد الكاتب السلوفيني على أن ما تقدمه الهيئات الدولية والأوروبية من مساعدات للدول الفقيرة بغرض معلن هو رفع مستواها، لكن الحقيقة أنهم لا يقدمون مساعدات مفيدة تغير من حياة الناس بالفعل، ولكن فقط يفعلون ذلك لإرضاء أنفسهم وإعطاء أنفسهم شعورا بأنهم أدوا ما عليهم من واجبات، وهذا ما عبرت عنه في العديد من أعمالى.
وصرح الأديب منير عتيبة المشرف على المختبر أن مختبر السرديات بمكتبة الإسكندرية استضاف إيفالد فليسار في احتفالية ثقافية تقدمه إلى المثقفين المصريين وتقدمهم إليه، وتقيم بين الأدبين العربى والسلوفينى جسرا من التواصل نرجو أن يمتد ويقوى، وقدم الشكر للدكتور أسامة القفاش الذي ترجم أعمال فليسار وغيره من أدباء سلوفينيا إلى اللغة العربية، والذي قام أيضا بمهمة الترجمة الفورية في الندوة.