فلنملأ أباريقنا من 'جرار ضوء' غبريس

كمْ أنتِ رائعةٌ وملأى بالشذا

حين يعشب الشعر في قبضة الحلم، عندما تدغدغ العصافير أجنحة القوافي، عندما يبسط الفجر جانحيه في الكلمات، كيف آنذاك تقرأ القصائد. في أشعاره القلق والأمل، الحزن والفرح والإصرار والخوف. أهذا هو سمت الشعر عندما يبتعد قليلاً عن مسقط أحلامه؟

كان في لبنان قبل امتهانه الصحافة، شاعراً ينبتُ على ضفاف الياسمين ويلعب بالشمس والقمر، يرتِّبُ نفسه يجمع أحلامه، يرسم للمستقبل، يتأبط ذراعَ الوقت ليشعله شعراً. يكتب بنهم ويمزق بنهم ـ ثم انتقل إلى مجلة "دبي الثقافية" محرراً ناجحاً وكاتباً موفقاً وشاعراً يتصدر المشاركين في برنامج "أمير الشعراء" ويصدح الخليج بأشعاره الأرجوانية فتطبع له أكاديمية الشعر على نفقتها ديوانه الذي نؤرخه اليوم "جرار الضوء" يضيءُ فيها يومه وغدَه ويسكب ما شاء منها ماءَ الشعر النقي.

تصفحت ديوان الشاعر غبريس بتأن واندفاع، كنت قد تنبأت له بمستقبل زاهر، وها هو ينطلق بإتقان ووعي، مغامراً غير مجازف، واثقاً غير مكابر، يعرف أين وكيف يرسم خطاه همزة وصل بين لبنان ودبي أو الخليج العربي.

تفوح من شعره رائحة الوطن، وعبقُ الخليج المزورع قصائدَ هوى وجمال، وصور الأم والأب، مرسومة بحبر الشوق والحنان، عناوين لا تُنسى، – تسبيح – أمي – أبي – صهوة – وقس على ذلك، مفاتيحُ قيمٍ ومُثُل، ذاتِ دلالاتٍ وأبعاد، فتحَت كلِّ عنوان خيمةُ شعر، ونهرُ قوافٍ كتبها ما بين لبنان ودبي، ونسجها على شواطئ الخليج وانسياب بحرها اللازوردي.

لقد شربتُ من جراره ما لذ وطاب، شهدٌ ومسك وماءٌ مقطر، حبره من أرضه وينابيعه وريثة دم الشهداء وميلاد العمر المحنّى بطيب الأرض ومعاولها الموشحة بالتعب والعرق والإصرار. يأتيك من البعيد والقريب، حاملاً جراره في قلبه، يهرقها على السطور لآلئ شعر وهوى ومحبة، وليس بغريب عليه، وهو القادم من شتلة التبغ، وصرخة المعول وشريان الحقل، متلبساً بالنضال والعرق يشهرها قصائد خلابة كبساتين أبيه المغلفة بالخضرة والعطر.

صادق الطبيعة وحالفها حتى لتحسبها أمه الأخرى بستان أحلامه وميلاد فرحه يقدمها بوجهها الدلالي البعيد، كما فعل في قصيدة صهوة ص 91 ، فيما يذوب رقة ومحبة عندما يخاطب أمه، فاتحة الخير هي، ومورقة السنوات وحدها، وذلك في قصيدة عنوانها (ميلاد) ص 9:

"كمْ أنتِ رائعةٌ وملأى بالشذا / أبديّةٌ أمّي/ مضرجةٌ بأنفاسي/ كرائحةِ الربيعِ على التلالِ / وفي القرى/ لا تسألوني/ كمْ مضى من عمرِكَ المبتلِّ بالأحلامِ/ لا شمعٌ ولا حلوى/ وليسَ أحدْ/ فقطْ عيناكِ أمّي/ تكفياني للأبدْ".

بهذا الأسلوب الشائق والانسياب العذب والعاطفة النبيلة المشبعة بالصدق والحنان يخاطب الشاعر أمه موائماً بينها وبين عمره، وخاتمة القصيدة مسك العبارات، تكفيه عينا أمه زاده إلى الأبد. أما أبوه فتاجُهُ وعزُّه وعطر شعره المعجون بالصدق والعفوية والاندفاع: وها هو يقدم له قصيدة القلب متحدثاً عنه بشغف ولهفة، إنه لاهث الأمنيات ساكن العبرات الدفينة يقول في الصفحة 133 من الديوان:

"وحيداً هناكَ/ يلمُّ بداياتِهِ وحكاياتِهِ/ لا يكفُّ / عن الصمتِ والذكرياتِ الحزينهْ/ ويحملُ أنشودةَ الحزنِ في رئتيهِ / وأغنيةً من بقايا المدينهْ/ كأنّ أبي يحرثُ البحرَ/ في مقلتيهِ/ يشقُّ طريقاً إلى الحلمِ/ يصمدُ كي لا تميلَ السفينهْ/ هنا وهناكَ أبي/ صوتُهُ سكّرٌ في دمي/ ونظرتُهُ ملؤها الكبْرُ والعنفوانُ / رفيقُ الحقولِ/ نبيُّ العطاءِ أبي/ يتسلّقُ خدَّ الصباحِ / كزهرِ البساتين/ أبي/ مهجةُ الياسمين المندّى/ نشيدُ فلسطين/ لوزُ الجنوبِ/ سفائنُ بحري الحصينهْ".

والشاعر غبريس في الغزل غواص ماهر، أعظم من بحر دبي الهائج بحر عينيها الساحرتين، فدعوه يغرق، لا خوف عليه من بحر أمواجُهُ سهامُ العيون وشَطُّهُ الشفتان، فاسمعه في هذه الدالية الندية، غارقاً في أتون الحب المرهف في قصيدة (قبلة) ص 37 من الديوان، وقد جاءت خليليةً على بحر مجزوء الوافر:

تغنى الحب يوم بدا** ضياء رؤاك محتشدا

كأنسامِ الربى فجراً ** كلحن الطير حين شدا

حبيبة خافقي المضني ** جمالُك رقة وندى

لأجلك يا وريد دمي ** تسامى العشق واتقدا

شممت هواك سيدتي ** فحلَّ العشقُ بي أبدا

لهذا العطر في شفتي ** نبيذٌ مسكرُ وصدى

أطيلي النومَ فوق يدي ** هبيني قبلةً ويدا

فوحدكِ من له قلبي ** بغيرك لن أعيشَ غدا

بهذه الطريقة الواضحة والعميقة كانت هذه القصيدة التي يتحدث فيها عن كل معالم الجمال في حبيبته وتأثيرها على مشاعره وأحاسيسه ملقياً عليها جملة من الأوصاف والتشبيهات التي أثارت ميوله العاطفية بحيث أنه رهن بقاءه ببقائها في تعبير عن الوفاء والإخلاص.

وفي قصيدة تحاكي وضعنا الراهن، الغارق في حمى النزاعات والانقسامات يدعو الشاعر إلى وحدة المواقف والقلوب، وتجاوزِ الأنانيات والمصالح الخاصة خدمة للوطن، داعياً إلى تجاوز الخوف والنضال في سبيل التحرير، جاء ذلك في قصيدة عنوانها (شهداء) ص 107:

يا أيها المتحمسون إلى متى

سنظل أسرى الخوف لا نستبسل

كانت لنا أوطاننا نسمو بها

والآن عاث بنا الظلام الأليل

ضع كفك العاري بكفي وانتصرْ

لربيعك الزاهي فأنت الأولُ

يا أيها الشهداء كم نشتاقكم

بكم الكرامة ترتقي وتُبجَّلُ

هي ومضات خاطفة حول مجموعة الإعلامي الشاعر محمد غبريس، والحق إن (جرار الضوء) زبدة أعماله الشعرية، فيها رقي في العبارة، وتألق في الصور، ومتانة في الأسلوب، واشراقة في الديباجة، ناهيك عن سمو في الخيال، وبلاغة في المعاني، وانسياب في العبارات، وتألق في الجمل، وهذا كله خطوات مهمة في مسيرة غبريس الشعرية، وكنت قد اعتقدت أن عمله الصحافي ربما يحد من انطلاقته الشعرية، ويقلل من اهتمامه بالشعر، لأني أعرف كثيراً من الصحافيين الشعراء، غلب على نتاجهم الأسلوب القصصي، مما حد من ميولهم الشعرية، إلّا أن غبريس كان شاعراً قبل أن يكون صحفياً، علاوة على أنه فهم دوره وغلبت فيه ملكته الشعرية، وهذا هو صوت صادح في سماء لبنان والخليج.