فلسفة التاريخ وتفكيك مقولة 'السلف خير من الخلف'

بقلم: د. علي عبود المحمداوي
نحو قلب المعادلة أو الرضا بتصفيرها

هنالك نظريات عدة في فلسفة التاريخ تحكي حال واستقبال الحضارات والدول والمجتمعات، ومنها نظريات العناية الإلهية والتعاقب الدوري والتقدم والتقهقر والصراع الطبقي، ونهاية التاريخ، وسأحاول أن أتفحص مقولة من التراث السلفي المتموضع في الفكر الديني، وهي مقولة "السلف خير من الخلف" في ضوء نظريات فلسفة التاريخ الآنفة.

تشكل رؤية العناية الإلهية منطق الديانات اجمع، لذلك تجدها تجعل الفرد محاطا بالرحمة الإلهية والغائية المنفعية لصالح الإنسان، التي إن كان لا بد لها أن تتحقق ولم تر نور التحقق في العالم الأرضي - الدنيوي، فإنها ستشهده في العالم السماوي الأخروي، وترتبط نظرية التعاقب الدوري التي تصف وتفسر حال المجتمعات بأنه في حلقة وعودة دائرية تبدأ من طفولة إلى شباب فكهولة فمشيخة فانهيار، وهكذا تعود من البداية، لذلك هنا يعد التاريخ دائرياً، أما مع نظرية التقدم فالتاريخ خطي أي مستقيم لا يقبل العودة ولا يؤمن بالتقهقر، بل الأفضلية السيرورية الدائمة، على عكس ما سبق هنالك رؤية شاذة في التاريخ وحكمه ترى أن الإنسان في حال تقهقر من العصر الماسي إلى الذهبي ثم العصر النحاسي فالبرونزي فالحجري، ونحن في آخره!

والصراع الطبقي معروف بأنه خطاب النظرية الماركسية التي حاولت اختزال حركة التاريخ بصراع بين فئات اجتماعية – اقتصادية بين من يمتلك وسائل الإنتاج ومن يعد جزءا من أدواتها أو من يملك جهده فقط، الذي يهمنا مقاربة مقولة "السلف خير من الخلف" في الرؤيتين التقدم والتقهقر، لأنهما يختزلان كثيرا من تفاصيل فلسفات التاريخ الأخرى، وهما أقرب إلى دلالة التأييد والنقض للمقولة.

هل السلف حقاً خير من الخلف؟ وفيمَّ الأفضلية هذه والخيرية؟ وكيف يُقاس ذلك التفضيل؟ في الأمر إشكال صعب التحليل، لكننا سنحاول سبر أغواره لنصل إلى معنى تفكيك وتحطيم المتراكمات على الحقيقة.

لنأخذ العامل الروحي والمادي بوصفهما معيارين في التفضيل؛ ولنقس عليهما. روحيا كان السلف أقرب إلى وجود المشرع ونزول النص، لا جدال في ذلك، والسلف أكثر فهما لدلالة النزول والتحقق للنص الديني كذلك، والسلف مشاكلهم أقل تبعا لما تقدم من مسلمتين، أقصد مشاكل التفسير والتأويل والعمل الديني والاجتماعي، بينما الخلف بقدر ماهو بعيد تاريخيا إلا انه كذلك تحسب له أفضلية من نوع آخر وهي متعلقة بالجانب الروحي أيضاً: إن فهم الدين أعسر مهمة إلا إن الخلف لا يزال متمسكا به، إن النص معهم قد مرَّ بأكثر من 14 قرنا، إلا إنهم لازالوا يحاولون أن يطيّعوا أنفسهم قباله، إن مصدر التشريع غائب لديهم في المستجد فآمنوا بأن النص القديم تاريخيا كفيل بحل مشاكلهم في الحاضر والمستقبل، هكذا أصبحوا مصداقا للمأثور بأن القابض على دينه في هذا العصر كالقابض على جمرة، من شدة الألم وسمة التحمل، وهنا أطلب من القاريء التفضيل!

قد يعد الأمر خاطئا منهجيا، أي التفضيل بين حقبتين زمنيتين؛ وذلك يهدم الكلام من أوله ويجر بذيله مقولة السلف خير من الخلف، لكن لنتنزل جدلا في بحث ذلك، سنجد أن الخلف أكثر تحمل للمشقة وإيمانه أكثر قوة، فالغائب كثر كميا على الشاهد الذي كان مع السلف، فقرب السلف وفهمهم لا يحسب من صالحهم تاريخيا، لأنهم وفر لهم حظا أفضل من غيرهم.

هكذا تبدو المسألة بإمكانية التفضيل تنتصر روحيا للخلف، أما مع العامل المادي فالأمر أكثر اتضاحا ففهم الحياة اليوم يختلف عن بساطتها مع السلف وفهم المعقد والتعامل معه أفضل مرتبة من التعامل مع السطحي أو الذي لا يحتاج إلى تعمق بل إلى طاعة بلا تأمل ووعي ذاتي منعزل أو متعالي، هنا اليوم تأمل في الذات والعالم الخارجي والمجتمع بلا ناصر، إلا نص مضى عليه زمن ولا يزال الخلف يؤمن به، مادية العالم تستدعي فهما ماديا لا يتيسر للسلف؛ فالتقنية اليوم تعد بخارقيتها غولا أو جنيا للسلف! وذلك ما لا يمكن القياس عليه كذلك بل يعد موضوعا ساخرا، لذلك تعد خيرية الخلف في الماديات مسلمة وبديهية لا جدال فيها، والآن ووفق المعطيات البسيطة السالفة نحن أمام خيارين الأول أن ننسف مقولة السلف خير من الخلف، والثاني أن نستبدلها بقولنا "الخلف خير من السلف"!

بقي أن نشير إلى إن النص الديني والحديث النبوي قد قدما لنا كثير من المرويات والحكايات عن مهدوية زمنية في آخر المطاف تقوم بمهمة العدل والإنصاف التي لم تتحقق في مسار الإسلام تاريخيا، وهنا الضربة القاصمة للمقولة قيد البحث، فالخلف سيحقق ما عجز عنه السلف، أهي مصيبة فهمية أم دائرية معنى مرة أخرى؟!

اعتقد أن الأسلم والأقل ضررا، لأتباع السلف ومحترمي الخلف، أن يحطموا هذه السرديات الصغرى مقوليا والكبرى تأثيرياً، لسلامة فكرنا وتصويبنا في مسار تقدمي صحيح ينبذ التقهقرية ويؤمن بأن بإمكاننا التقدم واللحاق بركب التحضر والتمدن.