فلسطينية، أردنية، أم كلاهما؟

ليفربول (إنكلترا) ـ كتبت أروى أبو راوا:
هويتان تشتركان في انسيابية وتعددية معمقة الجذور

"أنا أحب الأردن" تهمس فتاة لاجئة صغيرة، "أنا أحب الأردن رغم أنني فلسطينية".

أستطيع أن أرى من خلال سماع ابتسام، وهي فتاة فلسطينية ذات كرامة عالية تعيش في مخيمات اللاجئين الواسعة في الأردن، أن ذلك كان اعترافاً صعباً.
ففي ضوء كرامتها الفلسطينية، كان من الصعب أن تبرر ابتسام حبها للأردن حيث أن ذلك يعتبر إنكاراً لهويتها الفلسطينية، وتحدياً مباشر لجذورها الفلسطينية.

لماذا؟ في دولة غالبية سكانها من أصول فلسطينية، ولكنهم يحصلون على حقوق الجنسية الأردنية الكاملة، لماذا يشعر الكثيرون أنهم لا يستطيعون أن يكونوا أردنيين وفلسطينيين في الوقت نفسه؟

هذا جدل مستمر بين الوطنيين الأردنيين والأردنيين الذين يؤمنون بالتعددية.
وطَرَح الوطنيون مفهوماً شمولياً للهوية، يرتكز على مبدأ أنه لا يمكن للفرد أن يكون وفياً إلا لبلد واحد، وهم يقولون إنه لا يمكن للفلسطيني أن يصبح جزءاً من المجتمع الوطني الأردني إلا إذا رفض جميع نواحي الهوية الفلسطينية.

ويفضِّل التعدديون من ناحية أخرى هوية تعتنق ولاءات متعددة، يستطيع المرء فيها الاختيار أن يكون أردنياً وفلسطينياً في الوقت نفسه.
كما أكّد التعدديون على احتمالات تكامل الفلسطينيين والأردنيين دون الاستيعاب الكامل.

وبغض النظر، بدأ جيل جديد من الفلسطينيين ليست له تجربة عاشها في فلسطين، بالظهور، ورغم شعوره الشديد تجاه فلسطين إلا أنه يدرك أن مستقبله على المدى البعيد هو في الأردن، ليس بسبب صعوبات العودة بل لأن أفراده جعلوا من الأردن وطناً لهم.

وطوَّر العديد من الفلسطينيين الشباب، من خلال بناء حياتهم في الأردن، جذوراً عميقة في البلد الذي يعيشون فيه.
ويقوم هؤلاء الشباب بإعادة ترجمة العالم الاجتماعي الذي ورثوه وإعادة العمل فيه، وهم يقومون بالتعبير عن هذه الهويات المتعددة ويتعلمون التحرك بسهولة أكثر بين عناصر هويتهم، قد يكون ذلك ببعض من التردُّد، إلا أن ثقتهم سوف تنمو.

وقد تشكل الهوية الأردنية، من ناحية ما، حالة هجينة من هويات ما قبل الدولة، مثل الدين والقومية العربية وشعور بالقَبَلية.
وكانت الأشكال المبكّرة للهوية الفلسطينية كذلك متعددة الوجوه بحيث سمحت للفلسطينيين الاستشعار مع الإمبراطورية العثمانية والدين والعروبة ووطنهم.
ويبدو أن كلا الهويتين، الأردنية والفلسطينية، تشتركان في انسيابية وتعددية معمقة الجذور تكمن في قلب هويتهم الوطنية.

نتيجة لذلك، لا يتوجب على الهوية الأردنية أن تكون شمولية، إذ لم تكن كذلك منذ عدة عقود، ويمكن إظهار شموليتها لهويات متنوعة متكاملة عبر التاريخ؛ بمعنى آخر فإن التغيير باتجاه هوية وطنية أكثر شمولية أمر ممكن.

وحسب ستيفاني نانس، الأستاذة المساعدة في العلوم السياسية بجامعة هوفسترا، لا يعتبر طلباً بعيد المنال غير اعتيادي أن يُصبح الأردن أكثر شموليةً للفلسطينيين، بل سيكون ببساطة "استمرارية للممارسة الأردنية للاستيعاب والاشتمال".

ويقوم الفلسطينيون في المجتمعات الغربية، حيث يوجد قبول واعتراف أوسع للهويات الهجينة، باعتناق هويتهم الثنائية.
ويقبل المواطنون الغربيون بشكل كامل جذورهم الفلسطينية دون أن يضطروا لأن يرفضوا فكرة أن يكونوا في الوقت نفسه بريطانيين أو أميركيين.
وقد ينجح نموذج كهذا بشكل جيد في الأردن حيث لم يعد الشباب الفلسطينيون قانعين بالعيش على هوامش المجتمع الأردني، كمواطنين قانونيين ولكن دون هويَّة تمثّلهم.

وفي عالمنا الذي يزداد ترابطاً وتعددية ثقافية، حيث لا يتلاءم العديد من الناس بسهولة مع هوية وطنية محددة واحدة، مواطنون تتكوَّن هوياتهم من تشابكات معقَّدة من الولاءات والمجتمعات المحلية الصغيرة، من الأهمية بمكان أن تصبح الهويات التعددية مقبولة بشكل أكثر اتساعاً.(كومن غراوند)