فلتخجلي يا صحافة البيت الزجاجي

غريب أمر الصحف الإخوانية في مصر التي أطلقت عقال ألسنتها لمهاجمة الإمارات بغرض إحداث نوع من الضغوط الكبيرة التي توهمت فيها إحداث خلخلة في الموقف الرسمي والشعبي الموحد الذي رفض رفضاً قاطعاً التدخل في مجريات العدالة، والشفاعة في موقوفي التنظيم الذين خرقوا القوانين ومزقوا ستار العدالة فيما فعلوه من أفعال هي في دستور الإمارات جرائم يعاقب عليها القانون.

غياب الأخلاقيات المهنية في صحف الإخوان تجلّى من خلال الضوضاء المتواصلة التي لم تتوقف منذ أن تم القبض على خلاياهم الثلاث. فالبرميل الفارغ يحدث جلبة أكثر، وصاحب الصوت العالي يخفي وراءه الكثير من التناقضات التي تشكك المتلقي في مدى المصداقية المهنية التي يتحلى بها منتسبوها، فمغالطة الحقائق ومحاولة تضليل الرأي العام، وغيرها من الأساليب التي اتبعتها تلك الصحف ومن ورائها القنوات الفضائية الباهتة الطرح، ظلت تقول في دولة الإمارات ما لم يقله مالك في الخمر.

فالإمارات أعلنتها صريحة واضحة بأنها ألقت القبض على خلية إجرامية أفرادها من المصريين المنتمين تحديداً لجماعة الإخوان المتأسلمين خرقت القانون، وأن هذه الخلية تعامل معها القانون بما يتوافق مع ما اقترفته من جرائم، ومنحتهم كل الحقوق القانونية. غير أن الصحف الإخوانية قالت أن الإمارات استهدفت المصريين، ناسية أن الإمارات لا تزال تحتضن 400 ألف مصري يحتلون المركز الثالث بين الجاليات من حيث العدد، ولم يتعرض أيّ منهم لمضايقة، ولم يتم تقييد تحركات أو حرية أحد ما لم يخالف القانون، ولا توقفت المدارس والمستشفيات والمرافق الخدمية عن استقبالهم، ولا طردوا من وظائفهم. فكيف يتم اتهام الدولة باستهداف الشعب المصري وهي لا زالت تدعم حملة البطاطين التي جاءت نتيجة إحساس مسؤولي الدولة بما يعانيه صعايدة مصر الذين لا ذنب لهم، من معاناة وهم يواجهون فصل الشتاء القارس دون أن تفكّر فيهم الحكومة الإخوانية التي تستهدف خصومها من المصريين قبل غيرهم، وتضيّق خناق الحريات على الشعب المصري، ولا تعبأ باحتجاجاته المختلفة التي شهدتها الميادين المتعددة كل جمعة ولا تزال، بل استمروا في محاربة دستوره ومحاولة لي عنقه بما يتوافق مع مخططاته التي رفضها معظم أفراد شعبه. فنتائج صناديق الانتخابات قالت كلمتها بوضوح وهو أن السواد الأعظم من المصريين يرفضون التواجد الإخواني في السلطة، لأن النسبة التي نالها الإخوان في الانتخابات المصرية مقارنة بعدد سكان مصر لا تمثل إلا القليل، وحتى هذا القليل من النسبة حصلوا عليه بطرق ملتوية فضحتها الطعونات الانتخابية المثبتة التي تقدم بها بقية المرشحين، وحتى الجولة الثانية التي اضطر التنظيم الإخواني المتأسلم من خوضها فضحت ما أعلنه التنظيم الإخواني من أرقام قواعد شعبية كان ينتظرها أن تكتسح المرشح الآخر بنسبة كبيرة، غير أن الطبخات المختلفة التي تدخلت فيها أيادي غامضة وتأجيل حسم النتيجة، وسرت شائعات حول الاتفاقات السرية التي تم توقيعها قبل إعلان النتيجة التي كان المرشح الآخر قد تلقاها قبل أن يتم التلاعب بها، لدرجة أنه قام بإلقاء خطاب رئاسي رسمي أعلن فيه عن فوزه.

ما يجعلنا نتوقف الآن أمام تلك الشائعات التي رشحت في تلك الفترة ما نراه من تحوّل فجائي في الرؤى وتبدّل في الخطاب والاستراتيجيات، فعدو الأمس الإسرائيلي أصبح الحلوى المحرمة التي يلدغ ثعبان الإخوان كل من يقترب منها، حتى لو كان يشاطرهم الشعارات الإسلامية التي يرفعونها، وسيناء مثالا، فالدم الإسرائيلي أغلى من المقاومة العربية في عرف الإخوان بعد توليهم زمام السلطة، والإسلامبولي لا إجابة عندهم الآن لمدى مشروعية قتله السادات، رغم أن ذلك القتل تم بتخطيط وأوامر إخوانية خالصة كانت ترى العلاقة بعيون تختلف عن عيونها التي ظللتها الآن عدسات رغبة الاحتفاظ بكرسي الحكم، والخروج الصاروخي "الأسكودي" الشرعي الواجب عن طوع الحاكم قبل الحكم أصبح بفتوى مضادات الصواريخ محرما لا يجوز دينا وعرفا، ومن ذات المطلق بعدما اعتلى التنظيم الإخواني المتأسلم سدته، والأنفاق التي حرّم تنظيم حركتها مهندسو الفتاوى الإخوانية، أصبح تدميرها وإغلاق المتبقي منها واجبا لا يستطيع أيّ من أولئك المهندسين بلحاهم "الإكسسوارية" وأساليبهم الخادعة المضللة التي تناقض أفعالهم، الحديث عنه.

تناقضات كثيرة عميت عنها عيون الصحف الإخوانية التي لم يسمح لها إنتماؤها وولاؤها القاصر بإنتقادها، فحديث النصرة في شرع التنظيم الإخواني أن تنصر تنظيمك ظالما أو مظلوما بالمحاربة معه على الحق والباطل، ومباركة خطواته حتى ولو كانت على حساب لقمة عيش الشعب، ناهيك عن دولة أخرى كالإمارات، يبحث التنظيم فيها عن موطئ قدم وتمتد اطماعه لخزائنها التي يتوهم فيها سهولة الوصول لنهبها كما فعل من قبل في العراق الشقيق بدعم إيراني أجنبي، وفي كثير من المواقع، ليغذي بها جنونه الطامح لدك كل كراسي السلطة المنطقة، وتسليمها قربانا لفضيلة المرشد.

ووجدت الصحف الإخوانية في الحادثة فرصة لتنفيس غضبها العارم مما قامت به دولة الإمارات في فضح حقيقتها الآسنة التي ظلّت تخفيها في كل المواقف، وحطّمت سلالمها التي تصعد بها إلى رقاب الأبرياء الذين تدفعهم بوهم التغيير لتسرق الثورات، وتعبر عبر أنهار الدماء البريئة إلى سدة الحكم في كل مكان.

وبدلا من أن تغرق هذه الصحف نفسها في وحل الكذب والتدليس والإفتراء على دولة الإمارات، كان الأجدر بها أن تتحدث عن السلبيات وتحاول رتق عورات التنظيم التي بانت لكل متابع، وكان الأجدر بها أن تخجل من إتهام الإمارات بمحاربة المصريين، في الوقت الذي يستخدمها فيه تنظيمها الضلالي هراوة يلوّح بها في وجوه المصريين الذين يحاربهم بها بلا هوادة، فالتنظيم الإخواني هو الذي يعادي المصريين، لا الإمارات، لأن الإمارات بنت مدنا سكنية، ووقفت مع الشعب المصري في مختلف أزماته، وظلت تدعمه في كل موقع، بعكس الحكومة الإخوانية التي جاءت وفرّقت وحاربت وناكفت ولا تزال، وهي في كل ذلك تستخدم هذه الصحافة الباهتة الصفراء التي كشفت نفسها تماما أمام الآخرين.

د. سالم حميد