فضل الله رجل التجديد ورمز المقاومة والتحرير

بقلم: د. عمر الكبيسي

من المؤكد أن وفاة العلامة محمد حسين فضل الله بما تحمل من حجم الفاجعة وهول المصيبة وسرِّ حكمة الله في توقيتها، تثير في نفوس من يعرفون قيمة هذا العالم الجليل ويدركون عمق فهمه وإنسانيته ووطنيته أسى كبيرا وحزنا عميقا، مع ما يحسب له من شخصية نادرة فذة نالت تعلق عارفيه ومحبيه ومقلديه وحب من قدم لهم يد الاهتمام والرعاية وتقدير المقاومين والمجاهدين وتقييم اللبنانيين والعرب والمسلمين واعتراف الخصوم والمعارضين قبل الاتباع والمؤيدين بشجاعته وتواضعه وانسانيته ووطنيته وعروبته ومقاومته وعطفه وحنانه وتواضعه وبساطته وشجاعته وإبداعه ومبادراته وإنجازته.
شخصية كهذه لا تتأسى النفوس على ما حققت وانجزت، وإنما تتأسى على ندرة تكرارها وتجددها وتعويضها في زمن تشتد فيه الأزمات وتتحالك فيه على الأمة المصائب ويغلب على جمعها الهوان، زمن يخفت فيه الضياء وتنطفئ فيه الشموع ويسود فيه القهر والظلام ويعم اليأس والإحباط، في مسرح تنتحر فيه الفضيلة وتشهد الساحة افتقارها الى الرموز والرجال والأبطال.
'فضل الله' كبير إنسانيا حين يفتي دون غيره بطهارة الإنسان أين ما كان و'فضل الله' عادل عندما يفتي بشرعية أن تعاقب المرأة زوجها أن جار على حقوقها وتطلب التفريق، و'فضل الله' تحرري عندما ينفي الولاية على المرأة البالغة، و'فضل الله' مناضل عندما أطلق المقاومة بوجه الاحتلال، و'فضل الله' لبناني وعروبي وإسلامي عندما يتبنى الوحدة أساسا للقوة والتحرير، و'فضل الله' عبقري عندما ينبذ الطائفية ويكفر بأكاذيب وممارسات وتقاليد الموروث الفاسدة، و'فضل الله' علمي وعملي عندما يفتي بشرعية الأخذ بقوانين الفلك وأدواته ومراصده، و'فضل الله' عالم متواضع حين يفتي بجواز تقليد غير الأعلم، و'فضل الله' الأجرأ والمتميز بطرح القاعدة الفقهية عندما يصل الفقيه الى القناعة الثابتة والوضوح في الرؤية، و'فضل الله' الأكرم من غيره في نفي مبرر التحوُّط والتردد في الإفتاء، و'فضل الله' كان الأبصر في تشخيص الأخطاء وتحليل المواقف والأكثر حكمة في ترويج الحوار والنقاش بين معارضيه والمختلفين معه والأصلب في الموقف في قضايا مقاومة الاحتلال الصهيوني والأميركي والأجنبي والنابه السبَّاق في تعرية الطائفية والتشظي والمقلِّد الشجاع لمن يعتقد بصحة نهجه ورصانة موقفه والكاتب الواضح في فتاواه وفقهه وعلمه ومؤلفاته ورسائله وندواته ومحاضراته، و'فضل الله' بسبب كل ما ذكرته وما لم أذكره كان علامة الأمة ومرجع التجديد والتغيير والمقاومة والوحدة والتحرير في زمن الجمود والتبرير والهوان والتشظي والاحتلال.
رحل الفقيد فضل الله مطمئن النفس عن أدائه راضيا غير مترددٍ في أرائه وطرح أفكاره لكنه رحل مليئا بهموم مستقبل الأمة، دعوني أناديه بفقيد فلسطين لأن وجود إسرائيل في المنطقة كان يعني له التحدي الكبير والهاجس والكابوس، ورحل الفقيد في حالة قنوط من حالة التناقض التي تخترق عمق المفكر العربي والإسلامي فيما يتعلق بالمقاومة والتحرير وعلاقة الدين بالدولة. لم يكترث في حياته بما تثير أفكاره من ردود وما تعرض له من إسفاف وصدود ومحاولات إقصاء مقصود لغاية يوم الأجل الموعود ليجمع على تميزه المحب والمقلد والحاسد والحقود؛ تمسك بالمذهب وما تعصب وجدد بما اقتنع فكان الأرجح والأصوب وكان في مرجعيته الى الشارع أقوى وأقرب.
رحل الفقيد بأداء مثالي وتوازن وحكمة عالية وبفكر وقَّاد متصاعد وذكر خالد! عزاؤنا فيه أن تستمر المسيرة وتتكامل الخطى على نهجه المنشود بشجاعة الموقف وبالتحدي والصمود. د. عمر الكبيسي
كاتب عراقي