فضائح المتعاملين..ثمن الابتكار والنمو، وتحالف الحكومات مع الشيطان

باريس ـ من بريان لوف
فضيحة سوسيتيه جنرال: لا حدود للتجاوزات

بصرف النظر عن ضخامة فضيحة التداول التي ما زالت فصولها تتكشف في بنك سوسيتيه جنرال الفرنسي وخسائره التي بلغت سبعة مليارات دولار، فإن المذهل فيها هو الانطباع الذي تخلفه بأن التجاوزات في أسواق المال لا تعرف وربما لن تعرف حدوداً.
ومن المحيِّر بالقدر نفسه أن الساسة يعلنون كل مرة تقع فيها الفأس في الرأس أنه لا بد هذه المرة من التحرك لمنع تكرار المأساة.
ومع ذلك فالتاريخ يعيد نفسه بانتظام مرعب حتى أن بيير كيليتو من وكالة موديز للتصنيفات الائتمانية يقول ان "الحكومات عقدت اتفاقاً مع الشيطان".
ويرى كيليتو أن الزعماء السياسيين يتقبَّلون بكل هدوء نظرية أنه لا مكسب بلا مخاطرة وأن الفشل المالي أو الازمات المالية من حين لآخر هو الثمن الذي لا بدَّ من دفعه مقابل المخاطرة التي تصنع الثروة والنمو الاقتصادي في بقية الأوقات.
وقال كيليتو الذي تواجه شركته اتِّهامات بالفشل في الكشف عن أزمة الرهون العقارية الاخيرة والازمة الائتمانية التي أعقبتها "القبول بوجود الازمة هو بمثابة اتفاق فاوست (مع الشيطان) الذي أبرمه صانعو السِّياسة مع صناعة المال".
ويجادل بأن البديل لا بدَّ وأن يكون جذرياً مثل إلزام البنوك بزيادة الاحتياطيات الالزامية لعشرة أمثالها لكن المخاطرة في تلك الحالة لن تتمثل في الاخفاق بل في القضاء على القدرة على الابتكار وعلى النمو.
وفي الوقت الحالي يبدو أن وقت الحساب قد حان بعد نحو خمس سنوات من النمو الاقتصادي الكبير وأسعار الفائدة المنخفضة التي غذت مناخ الاستثمار بلا قيود.
وقبل عشر سنوات كان أحد الاخفاقات الكبرى صندوق "ال تي سي ام"، وكان من صناديق التحوُّط التي تحظى بالتقدير بين خبراء المال في وول ستريت بوصفه خلاصة العبقرية الماليَّة الى أن انهار.
ثم كانت فترة ازدهار قصيرة أعقبتها فقاعة أسواق التكنولوجيا والانترنت التي ظلت تكبر حتى انفجرت.
والآن حان وقت الانهيار والنكوص من جراء مشاكل سوق الرهون العقارية عالية المخاطر التي بلغت حد الأزمة في الولايات المتحدة.
وتضخَّمت المشكلة لتصبح أزمة ائتمان عالمية عندما أدركت البنوك وكبريات المؤسسات المالية أنها لا تعرف شيئاً عن مدى استثمارات بعضها البعض في جبال الديون التي تراكمت وأعيد بيعها في صورة أوراق مالية قابلة للتداول.
ثم كانت الطامة الكبرى الاسبوع الماضي عندما أعلن بنك سوسيتيه جنرال أنه خسر 4.9 مليار يورو بسبب تعاملات جيروم كيرفيل (31 عاماً) الذي اتهمه البنك بالمقامرة بعقود آجلة على مؤشرات الاسهم تبلغ قيمتها عشرة أمثال هذه الخسارة.
وأعاد ذلك الى الاذهان فضائح أخرى مماثلة رغم أن هذه الفضيحة فاقتها جميعاً في الحجم ومنها فضيحة المتعامل نيك ليسون الذي أفلس بنك بارينغز البريطاني عام 1995.
ويقول ليسون ان التعاملات الاحتيالية متفشية وأن هول المفاجأة بالنسبة له لا يتمثل سوى في ضخامة خسائر سوسيتيه جنرال.
وقال ليسون في مقابلة مع هيئة الاذاعة البريطانية "بي بي سي": "أعتقد أن تعاملات الاحتيال حدث يومي على الارجح بين أسواق المال".
وأضاف "فالقصة هي نفسها ما حدث لبنك بارينغز عام 1995 وهي نفسها ما حدث لبنك ألايد ايرش (الايرلندي) بعد عامين ثم بنك ناشيونال استراليا".
وأمضى ليسون عدة أعوام في السجن في سنغافورة ثم بدأ حياته من جديد في غرب ايرلندا حيث أصبح الرئيس التنفيذي لنادي غالواي يونايتد لكرة القدم ويدير شركة خاصة ويتقاضى مبالغ مقابل الحديث عن تعاملاته قبل انهيار بنك بارينغز.
ويتفق مع ليسون في الرأي القائل أن الامور تبدو مروعة من جديد ويليم بويتر الاستاذ بكلية لندن للاقتصاد الذي كان عضواً في لجنة البت في أسعار الفائدة ببنك انكلترا المركزي.
واستضاف رئيس الوزراء البريطاني جوردون براون محادثات الثلاثاء مع زعماء ألمانيا وفرنسا وايطاليا كان قد رتب لها في ديسمبر/كانون الاول الماضي لبحث مخاطر الازمة الائتمانية.
وعندما اجتمع القادة أضيفت الى مخاوفهم مشكلة سوسيتيه جنرال.
ويقول ماركو انونتسياتا كبير الاقتصاديين في بنك يونيكريديت الاستثماري "ما يجب عليهم حقاً فعله هو البدء في تحديد خطوات بسيطة وملموسة في الوقت نفسه لتقوية نظام الاشراف".
ويضيف "بخلاف ذلك فان الخطر يتمثل في أن اطلاق المزيد من بيانات النوايا الغامضة قد يبدو نوعاً من العبث بينما الدخان يتصاعد من الاقتصاد والنظام المالي".