فشل كردي في إدارة الأزمة وفي استثمار الصراع الداخلي التركي لصالح القضية الكردية

بقلم: فاروق حجي مصطفى

بغض النظر عن الأزمات الداخلية التركية والتي كانت سببا ليتخذ البرلمان التركي قراره بتخويل الجيش لخوض حربا ضد العمال الكردستاني في الداخل الأراضي كردستان العراق، وتحقق تركيا حلمها في إعادة نفوذها في العراق وخاصة في المدينتين الغنيتين بالنفط الموصل وكركوك، وعدا عن ان هناك صراعا مزمنا يتراوح بين الخفي والعلن بين الإسلاميين الذين حالهم ليس أحسن حالا من العلمانيين والجيش في تركيا، وبعيدا عن ان هناك أكثر من 20 مليون كردي يعانون القمع والاضطهاد ولا يوجد حتى الآن مشروع عملي لحل مشاكلهم، وربما كلما تتأخر الحلول كلما تتعمق الأزمة بين الأكراد وتركيا، فان أداء الكردي (الساسة والنخبة) في الأزمة المفتعلة بين الأكراد والأتراك لم يكن بمستوى مقبول.
الحق ان القراءات الكردية في مقاربتها للازمة بين العمالي الكردستاني وتركيا كانت ضعيفة. من المؤسف ان نجد كاتبا كرديا (باستثناء الكاتبين الكرديين نزار آغري وسامي شورش) ينتقد السياسية الكردية التركية، ويأسف من عدم النظر الى الموضوع بحيادية، تماما مثلما فعل بعض الكتاب العرب الذين نظروا الى الموضوع - الأزمة بنظرة حقدية وكيدية الى درجة نسوا معها بان العراق عضو في الجامعة العربية وان كردستان العراق ما تزال جزءا لا يتجزأ من الأراضي (والسيادة) العراقية!
ثمة من يرى بان غالبية الأقلام الكردية وقعت في الخطأ الذي كان (وما زال) الكتاب العرب يقعون فيه،. فنتيجة لمخاوفهم من الاجتياح دأب الكتاب على إدانة الموقف التركي من تطورات التي تحصل في كردستان العراق، ودأب بعض المثقفين العرب بدعوة الأتراك ان يدخلوا الى كردستان لـ"قصم ظهر الأكراد" وإيهام الناس/المتلقي بان الأكراد ساهموا في سقوط نظام صدام حسين ويعاملون مع "العدو الأميركي" مع ان الكتاب الأتراك تعاملوا مع الأحداث بروية وبمزيد من المهنية فهم كانوا حياديين بقدر ما يملكون من الحيادية وكانوا حريصين على المصلحة التركية كوطن لا كالسلطة العسكرية، بيّن هؤلاء الكتاب بان دخول الجيش التركي الى كردستان سوف لن يجني أي ثمار وسوف يؤثر على سمعة الجيش التركي وعلى وجوده كقوة أولى عدديا في حلف "ناتو".
بيد ان الأكراد فشلوا في كسب ود الشارع التركي وتحريضه على القيادة التي ما انفكت تتحدث عن أخطائها في تعاملها مع المسألة الكردية، بدءا من كنعان ايفرين الرئيس التركي الاسبق ومهندس الانقلاب العسكري في 1980 والذي دعا قبل اشهر الى تطبيق فيدرالية في تركيا مؤلفة من تسع ولايات ذات صلاحيات واسعة حتى "تتخلص تركيا من المشكلة الكردية"، وانتهاء بحلمي اوزكوك رئيس أركان الجيش السابق والذي اتهم بيوك انيت رئيس أركان الجيش التركي الحالي بأنه كان وراء افتعال الأزمة في الولايات الشرقية (الأكراد) قبل أكثر من عام وكذلك توظيف الحوادث لصالح القضية الكردية مثل حادثة "سوسرلك" قبل أكثر من عشرة أعوام حيث بيّن في هذه الحادثة حجم الفساد في المؤسسات التركية ومدى التداخل والاختراق الذي يحصل بين الجيش وعصابات المافيا.
ثمة من يرى بانه ما قام به بعض العناصر من حزب العمال الكردستاني بقتل 12 عنصرا من الجيش يشبه الى حد بعيد ما قام به عناصر حزب العمال نفسه في أوائل التسعينات عندما قاموا بحرق مصنع للجرارات وتفجير باص نقل العسكري "المبيت" مما كان سببا لفشل المفاوضات بين العمال والحكومة التركية. وما برح ان اعترف عبدالله أوجلان (رئيس الحزب ومسجون في سجن ايمرالي) بان تلك العملية كانت خطأ كبيرا. لكن اوجلان اتهم شمدين ساقيق المسجون في تركيا بعد ان اعتقلته الاتراك بعملية انزال في داخل إقليم كردستان العراق. فيما كان ساقيق خرج للتو من سجن العمال الكردستاني حيث سجن بسبب انه كان وراء العملية تفجير باص "المبيت" الذي كان سببا مباشرا في فشل المفاوضات السرية التي كانت قائمة بين العمال الكردستاني وتوركوت أوزال الرئيس التركي الراحل بوساطة جلال الطالباني.
في الحقيقة ان حزب العمال الكردستاني ينطبق عليه حكمة المتصوف الإسلامي النفّري التي هي: "لا يستوي العشق حتى يقول العاشق للمعشوق يا انا".الأمور لا تحل بعيدا عن العمال الكردستاني فاذا اتجهت الأمور الى الحل بغياب رأي العمال فهذا ما لا يقبله العمال بل يعتبره " حلا عبثيا". هكذا ينظر بعض من في القيادة الكردية الى مشاكلهم، مع انه وحسب ما يقول الفكر السياسي الفرنسي بان "القيادي الحقيقي هو الذي يستطيع تجاوز المخاطر ويجنب الشعب من مزالق حتى وان كان لدى هذا القيادي غايات سياسية أسمى!" وهنا يفرض عدد من الاسئلة نفسها وهي، لماذا لم يستفد العمال او القادة الأكراد من المواقف الايجابية من الحكومة التركية؟ الم يعرف حزب العمال بان أي عملية في هذه الفترة تخدم التطرف التركي والكماليين او الطورانيين؟ لماذا لم ينتظر العمال الكردستاني لما سيتمخض عن مبادرة النواب الأكراد الذين قالوا بأنهم يمدون يد السلام الى من يحرص على المصلحة التركية ومن يريد ان تنضم تركيا الى الاتحاد الاوربي؟ لماذا لم يدعم العمال الكردستاني وجود الأكراد في داخل البرلمان التركي؟ ومن قال ان البرلمانيين الكرد هم الوجه السياسي للعمال الكردستاني؟ لماذا غض النظر على خلفية الفكرية والسياسية لهؤلاء البرلمانين الذين هم بعيدون عن حق وحقيقة من العمال الكردستاني؟ الم يذكر الأكراد ما كان يقول العمال الكردستاني عن حزب "هدب" ثم تحول "دهب" وسرعان ما سمي "ددب" او حزب المجتمع الديمقراطي التركي- وهو حزب يملك الان 22 برلمانيا في البرلمان التركي- بان هؤلاء اصلاحيين، وان القضية الكردية لا تحل إلا عبر الانفصال وان كل ما يطالب به هؤلاء البرلمانيين هي مطالب اجتماعية لا علاقة للقضية الكردية بها. والاسئلة الأخرى، الم يقل العمال بان القضية الكردية ستحل جزءا منها عندما تطبق تركيا معايير كوبنهاغن؟ بمعنى اخر الم يعتقد العمال الكردستاني بان حل القضية الكردية لا يتم الا عبر دخول تركيا الى الاتحاد الاوربي؟ لماذا لا يدعمون المسعى التركي للانضمام الى الاتحاد الاوربي؟
في الحقيقة ان العمال الكردستاني وتمسك بعض قادت بالرؤى الثورية واتهام الرؤى الأخرى بأنها إصلاحية منسجمة مع رؤى اليسار الأوربي، أي تحقيق الغايات عبر وصول الى البرلمان، يؤخر حل القضية الكردية وعندما نرى بان يشار كايا وهو احد ابرز القيادات السياسية للكرد في تركيا وكان رئيسا للبرلمان القومي الكردي في المنفى يدعم /يصوت لصالح العدالة والتنمية لا لأنه يدعم الإسلاميين الأتراك بقدر من انه سيصوت لمرحلة تركية تتجه يوما بعد يوم الى التطابق في رؤاها مع الرؤى الاتحاد الأوربي. فتركيا اليوم تختلف عن تركيا ما بعد الانقلاب التي اشتهرت بسجونها ومعتقلاتها التي كانت تشبه "غوستابو" الشرطة السرية الالمانية النازية ولعل ما زالت الأخبار التي كانت تتحدث عن تعذيب القائدين الشيوعيين حيدر كوتلو ونهاد سيرغين الذين اتيا من الخارج لاختبار ادعاء تركيا وديمقراطيتها في الأذهان.
تركيا تغيرت كثيرا، لا بفعل استلام حزب إسلامي الحكم بقدر من إنها احتكت كثيرا في السنين الاخيرة مع اوروبا وكان من المفترض ان يعرف العمال الاستحقاق المرحلة التركية. فاروق حجي مصطفى