فشل الإسلام السياسي.. وبداية التصحيح

التغيير فرض لا خيار

لم تعد الصياغة السياسية التي روج لها الإسلام السياسي قادرة أو مقنعة لشخصيات إسلاموية قضت جل عمرها في محاولة توطين الفكرة الإسلاموية في الإطار السياسي العربي؛ ولعل الغنوشي الذي أعلن قبل أيام عن مشروعه التحولي "لحزب النهضة" الذي يرأسه، يعكس اكتمال قناعاته التاريخية بأن الإسلاموية إطار اجتماعي بالدرجة الأولى وليست إطاراً سياسياً يمكن البناء عليه، ولو استعرضنا جميع الحركات الإسلامية وخاصة تلك التي تطورت في القرن العشرين لوجدناها جميعا تلتزم مشتركات تركز على الانفراد في الحكم في حالة إتاحة الفرصة لها، بحيث تستفرد في كل شيء حولها.

لقد أثبت الإسلام السياسي عبر تاريخه أنه بارع في الانكفاء على نفسه، مع الإيمان المطلق بأن الجميع من حوله مخطئون وأن التعاون مع أيٍّ من القوى السياسية القريبة أو البعيدة "رجس من عمل الشيطان".

وترى الإسلاموية كما قال حسن البنا في رسالته للمؤتمر الخامس للإخوان في مرحلة التأسيس "الحكم معدود في كتبنا الفقهية من العقائد والأصول لا من الفقهيات والفروع وإن قعود المصلحين الإسلاميين عن المطالبة بالحكم جريمة إسلامية"، هذه الفكرة تعكس أن الإسلاموية فكرة سلطوية كما يقول ذلك تاريخها، ولذلك علينا طرح السؤال التالي: (إذا كانت الإسلاموية تبحث عن الحكم فماذا تريد أن تحقق في مجتمعات إسلامية بتكوينها المجتمعي..؟) وإذا نظرنا إلى ما قاله البنا الذي يضع فكرة الإسلام السياسي في خط موازٍ مع متطلبات العقائد والأصول في الإسلام، فإننا نكون قد وضعنا أيدينا على أزمة تاريخية في تراثنا ساهم الكثير في الدخول من خلالها لترقية الكثير من المتطلبات الثانوية في الإسلام إلى مصاف المتطلبات العقدية.

وعبر القرن العشرين فقط تمكن الإسلام السياسي بشكل أكثر عن غيرها من الفترات الزمنية، من إرباك المعادلة الإسلامية العقدية حيث ساهم الإسلام السياسي في جذب المسلم العادي إلى الدخول في تصريف الحياة السياسية لذلك اندفعت مجموعات من الدعاة الى هذا الجانب، فعلى سبيل المثال ما البنا أو سيد قطب سوى دعاة مبتدئين ولم تكن السياسة جزءاً من تكوينهم العقلي لذلك نلحظ أن كل مواجهاتهم تميل إلى التطرف من خلال التكفير والإقصاء، لقد أقنع المسلم البسيط بأن تدخله في السياسة جزء لا يتجزء من إيمانه وهنا كانت الكارثة التي دفعت قوافل من البسطاء والجهلة نحو هذا المجال ولعل أكثر أمثلتها وضوحاً قيادات مثل البنا وسيد قطب ومرسي وجهيمان والخميني وكل فريقه الثوري والقرضاوي والبغدادي...الخ، ولعل العامل المشترك بين كل هؤلاء أنهم يتحدثون باسم الخالق ونيابة عنه إلى البشر.

معايير الإسلام السياسي دائماً ما تواجه أزمة كبرى في دورها المجتمعي فهي تعاني من أزمة تتأرجح بين تحقيق متطلبات العقيدة وتحقيق متطلبات الإدارة السياسية، فالداعية يمكن أن يتحول إلى سياسي بشروط ضحلة وبسيطة، وبلغة أكثر وضوحاً لم تكن المعايير السياسية لإدارة الحكم والوصول إليه في جماعات الإسلام السياسي تتطلب فهماً مختلفاً ورؤية جديدة لممارسسة السياسة، لقد كانت المتطلبات الرئيسة لمهارات المساهمة في الحكم في تلك الجماعات تتطلب مهارات "داعية" وليس مهارات سياسية في فن إدارة الحكم، وقد ظهر ذلك جلياً خلال الفترة التي تولى فيها الإخوان المسلمون الحكم في مصر، فعندما فشل الإسلام السياسي ممثلاً بالإخوان المسملين في مصر لم يكن التنظيم خائفاً على الدولة المصرية بقدر ما هو متمسك بسلطته فقام التنظيم بإعداد "خطة شيطانية" أسماها التنظيم "الخطة العملية لوأد الثورة المضادة" والتي كانت تفاصيلها مروعة تعكس صورة التمسك بالسلطة وفق مفهوم "الغاية تبرر الوسيلة".

لقد أثبت الإسلام السياسي عبر تاريخه أنه بارع في الانكفاء على نفسه، مع الإيمان المطلق بأن الجميع من حوله مخطئون وأن التعاون مع أي من القوى السياسية القريبة أو البعيدة "رجس من عمل الشيطان" لذلك أنتج الإسلام السياسي القاعدة وإيران وداعش وحزب الله والحشد الشعبي وعصائب الحق.. وكل الجماعات المتطرفة في إسلام القرن العشرين، والنتيجة اختفاء صورة الإسلام الدين.

لقد ساهم الإسلام السياسي في صناعة "جذور للغضب الإسلامي" في ذات كل مسلم، فكل مسلم اليوم لديه جذور للغضب على جماعة أو فرقة أو مجموعة من مسملين يشاركونه ذات العقيدة، فلا تكاد اليوم أن تجد مسلماً لا يعاني من جذور غضب تأكل مخيلته وتنهش في جسده، حتى أصبح مستوى التنافس والعداء في الإطار الإسلامي أشد منه خارج الإطار العقدي، لقد تم توظيف الكثير من مسارات الخطاب الإسلامي من أجل صناعة جسر من الغضب والتنافس والكره في أحيان كثيرة بين التاريخ الماضي والجغرافيا الحاضر.

ونحن في القرن الحادي والعشرين أثبت الإسلام السياسي أنه غير قادر على طرح الأسئلة الحقيقية حول الإسلام، فهناك الكثير من العلاقات المتقاطعة بين الإسلام ومناشط الحياة، لم يتم الفصل فيها بل تم التعامل معها وفق قياسات تاريخة بعضها خارج الزمن، وأعتقد جازماً ان الإسلام السياسي لن يتوقف عن زحفه في عقول المسلمين، إلا من خلال بناء جسر متين من الأسئلة التاريخية والتراثية التي يجب أن يبدأ العمل على طرحها من خلال الشباب المسلم، من أجل صيانة الإسلام العقيدة والتحرك من خلالها وليس التحرك بها حيث تصبح المواجهة مع المختلفين أمراً حتمياً عندما نجر عربة الإسلام في مسارات الحضارة العالمية دون أن ندرك أن علينا إعادة صناعة تلك العربة من جديد حتى تتمكن من التكيف مع كل المعطيات الجديدة.

فعندما تقرأ في كتاب تراثي أو بحث حول الإسلام السياسي تدرك انك أمام معضلة تاريخية في التراث، فهناك الكثير من الأسئلة التي يمنع تداولها وهناك الكثير من المفاهيم العلمية التي تم إيقافها، ولم يتبقَّ لمسلم القرن الحادي والعشرين سوى الماضي يتحدث به!

إن نقلنا الدائم للماضي بطريقة خاطئة هو السبب الرئيس لكل منتجات المسلمين التي نراها اليوم (صراع طائفي، إرهاب، عزلة، فساد، عدم كفاءة، جهل وغياب عقلانية)، ولعل ماحدث في تونس يمكن أن يكون مؤشراً إيجابياً على بداية انهيار الإسلام السياسي وليستمر هذا الانهيار ما علينا سوى تشجيع الشباب في الشرق الأوسط على طرح الأسئلة العقلانية حول دور الدين في الحياة.

علي الخشيبان

كاتب سعودي