فشل إدارة بوش إذ اكتمل وتأكد!

بقلم: جواد البشيتي

الفشل العام الشامل.. الفشل في كل شيء، وفي كل التجارب التي خاضتها أو أجرتها، هو النتيجة الموضوعية التي لا ريب فيها لسياسة ونهج إدارة الرئيس بوش التي تخشى الآن أن يُتَرْجَم فشلها بفشل برلماني للحزب الجمهوري الذي تُمثِّل في انتخابات الكونغرس المقرَّرة في السابع من تشرين الثاني المقبل. ومن هذا الفشل، الذي لجهة استعصاء واستصعاب اعتراف إدارة الرئيس بوش به يشبه رفض أهل ميِّت الاعتراف بموته إلا بعد دفنه، تستمد اللجنة، التي ألَّفها الكونغرس من أعضاء جمهوريين وديمقراطيين لصنع خيارات جديدة، أهميتها، فالمصالح العامة للولايات المتحدة هي التي شرعت تشدِّد الميل لدى الجمهوريين والديمقراطيين إلى العمل معا، وكأنهم في ائتلاف حكومي قومي غير معلَن، في سبيل تحويل ذاك الفشل العام، شيئا فشيئا، إلى نجاح، على ما يكتنف مسعاهم هذا من مصاعب.
نَعْلَم أن الولايات المتحدة لم تُمنَ بهزيمة عسكرية بحسب معناها الذي تقر به إدارة الرئيس بوش، التي تقول إنها لم، ولن، تُهزم في الحرب، وإنْ لم تتمكَّن، أو لم تتمكَّن بعد، من أن تقيم في العراق (وأفغانستان) السلام الذي تريد. على أنَّ قولها هذا لا يعني، ويحب ألا يعني، أنها، في سياستها ونهجها، لم تُمنَ بفشل ذريع، لا يجادل فيه، أو ينكره، إلا كل من هو على شاكلة من يطلب دليلا على وجود النهار.
الفشل بيِّن لا ريب فيه؛ ولكن لا بد من قول شيء فيه في منتهى الأهمية، فتمييز النجاح من الفشل لا تقوم له قائمة إذا لم نتخذ "الأهداف" مقياسا نقيس به. أقول ذلك، وأقول به؛ لأن ثمة من يُظْهِر عجزا عن تمييز "الأهداف" من "النتائج"، فيَنْظُر إلى بعض النتائج، أو يفهمها، على أنها "أهداف" كانت غير معلَنة، أو سرِّية. وفي مثال أقول إنني أفهم التحدي النووي الإيراني على أنه مظهر فشل لسياسة ونهج إدارة الرئيس بوش، التي لا أشك في أن هدف منع إيران من التحوُّل إلى قوة نووية هو من أهم أهدافها، المعلنة أو غير المعلنة. لقد فشلت، أو أوشكت أن تفشل، في تحقيق هدفها هذا. ولكن هناك من يرى رأيا آخر، فيقول، أو يعتقد، إن إدارة الرئيس بوش أرادت أن تكافئ إيران على ما أسدته إليها من خدمات في أفغانستان والعراق فأيَّدت، سرَّا، برنامجها النووي، وتحوُّلها، بالتالي، إلى قوة نووية، قد تمتلك القنبلة النووية. إنَّ هذا المنطق، الذي يؤكِّد ذووه عجزهم عن تمييز النجاح من الفشل بحسب مقياس "الأهداف الحقيقية"، لا يفيد إلا في إظهار الفشل السياسي العام لإدارة الرئيس بوش على أنه نجاح!
وهناك، أيضا، وفي مثال آخر، من يفهم فشل إدارة الرئيس بوش في أن تؤسِّس لـ "سلامها الروماني" في العراق، وفي منع العراق من الغرق في حرب أهلية، على أنه تحقيق لهدف كان سرِّيا وغير معلَن لهذه الإدارة!
إننا لن نستطيع تمييز النجاح من الفشل إذا ما ضربنا صفحا عن "الأهداف الحقيقية"، فطالما ذهبت "النتائج" بـ "الأهداف"؛ وطالما رأيْنا أُناسا يفهمون الفشل، أي النتائج في وجهها السلبي، على أنه هدف كان سريا أو غير معلَن.
إذا أرادت الولايات المتحدة أن تنجح، وإذا ما خلق الفشل العام لسياسة إدارة الرئيس بوش مصلحة لهذه الإدارة في جعل الولايات المتحدة تنجح، فلا مفرَّ لها من أن تبحث عن أسباب النجاح حيث ظهرت وتأكدت أسباب الفشل، فلا فرق بين أسباب هذا وأسباب ذاك إلا في عيون من أعمتهم مصالحهم الفئوية والشخصية الضيقة عن الحقائق.
في كوريا الشمالية، كان هدف إدارة الرئيس بوش هو منعها من التحول إلى قوة نووية عسكرية، وإطاحة نظام الحكم فيها. وقد اتُّخِذت سياسة الخنق الاقتصادي وسيلة لتحقيق هذا الهدف المزدوج. وقد انتهى سعي إدارة الرئيس بوش إلى نتائج مضادة للهدف، أي إلى فشل ينبغي لها أن تبحث فيه عما يسمح لها بتحويله إلى نجاح. على الولايات المتحدة أن تملك من واقعية الخيار والوسيلة ما يمكِّنها أولا من منع كوريا الشمالية من إجراء تجربة نووية ثانية، وما يمكِّنها، من ثم، من خلق مصلحة لكوريا الشمالية في إزالة ترسانتها النووية. إنَّ نجاح الولايات المتحدة هنا يستلزم أن تلبي كثيرا من الشروط والمطالب الأمنية والاقتصادية لكوريا الشمالية؛ والحماقة بعينها أن تظن إدارة الرئيس بوش أن قيامها بتجربة مماثلة، أو مشابهة، لتجربتها العراقية في كوريا الشمالية يمكن أن يتمخَّض عن نتائج مختلفة.
وفي إيران، ينبغي لإدارة الرئيس بوش، بالتعاون مع الكونغرس المقبل، أن تلبي من الشروط والمطالب الإيرانية ما يمكِّنها من أن تخلق لطهران مصلحة حقيقية في الامتناع عن تحويل برنامجها النووي من مدني إلى عسكري.
وفي العراق، ينبغي لها أن تلبي من شروط ومطالب المقاومة العراقية (العربية السنية في المقام الأول) ما يمكِّنها من أن تؤسِّس لحكومة مركزية، لديها من السلطات والصلاحيات والخواص السياسية، ما يحوِّل الفدرالية إلى مَصْدَر قوة لوحدة العراق، دولة وأرضا وشعبا، ويدرأ عن العراقيين جميعا مخاطر الاقتتال والحرب الأهلية. في هذا السياق فحسب، تستطيع الولايات المتحدة أن تنهي وجودها العسكري في العراق، بما يعود عليها بالأمن، ويحوِّل فشلها إلى نجاح سياسي واقعي.
وفي سوريا ولبنان، ينبغي لها أن تغلق ملف التحقيق في اغتيال الحريري بما يسمح بإنشاء وتطوير علاقة جديدة مع سوريا، وأن تلبي من شروط ومطالب "حزب الله" ما يمكِّن اللبنانيين من أن يحلوا مشاكلهم بأنفسهم، وبما يدرأ عنهم مخاطر الاقتتال والحرب الأهلية، ومخاطر حرب جديدة مع إسرائيل.
أما في فلسطين فينبغي للولايات المتحدة أن تقف من موقف "حماس" من شروط ومطالب اللجنة الرباعية الدولية موقفا يسمح بقيام حكومة فلسطينية ائتلافية، ينتهي معها الحصار المالي والاقتصادي والسياسي الدولي، ويسمح، أيضا، للرئيس الفلسطيني محمود عباس بأن يقود مفاوضات سياسية جديدة مع إسرائيل، تنتهي إلى حلول يمكن أن تحظى بقبول فلسطيني عام عبر استفتاء شعبي. ولا شك في أن الولايات المتحدة هي وحدها التي تستطيع أن تجعل "مبادرة السلام العربية" في دينامية سياسية لم تعرفها من قبل إذا ما عرفت كيف تحمل إسرائيل على أن تقف منها موقفا إيجابيا.
طريق الفشل بيِّن، وقد سارت فيه إدارة الرئيس بوش زمنا طويلا؛ وطريق النجاح بيِّن، وهو يتحدى إدارة الرئيس بوش على السير فيه، فهل باتت تملك من المصالح والدوافع الجديدة ما يشجعها على انتهاج سياسة متصالحة، أو متصالحة أكثر، مع المصالح العامة للولايات المتحدة والتي شرعت تُسمِع إدارة الرئيس بوش صوتها بعد طول صمت؟ هذا هو السؤال الذي من أجل أن تجيب عنه إدارة الرئيس بوش إجابة صحيحة، ولو جزئيا، تألَّفت لجنة بيكر ـ هاملتون. المنطق ليس دائما هو الذي ينتصر، فالمصالح الفئوية والشخصية الضيقة قد تمنع أصحابها من الاعتراف بفشلهم، وتقودهم، بالتالي، إلى مزيد من الفشل، وكأنها لا تشجعهم إلا على خوض التجربة الفاشلة ذاتها مرات عديدة، معلِّلين النفس بوهم أنهم سيتوصَّلون إلى نتائج مختلفة! جواد البشيتي